في انتهاك لأبسط قواعد القانون والعدالة، جاء ما يعرف بقرار العفو الرئاسي الذي تم تنفيذه، اليوم، ليقتل منظومة الحقوق والقانون في مصر؛ حيث تضمن القرار الإداري الذي أصدره قائد الانقلاب السيسي بإخلاء سبيل 560 معتقلاً شمل 9 ضباط اتهموا بقتل أسرة كاملة في كمين أمني بالغربية، وحوكموا قبل عامين بالسجن 7 سنوات، وسلموا أنفسهم قبل شهرين فقط للمحكمة التي أيدت الحكم بحقهم، قبل أن يأتي قرار السيسي.

وقد سبق ذلك قرارات عفو أخرى يتلاعب بها إعلام الانقلاب، ويخاطب من خلالها الغرب الذي ينتقد السجل الدامي للسيسي في انتهاكه حقوق الإنسان، تضمنت الإفراج عن الجنائيين وكثيرا ممن أوشكوا على الانتهاء من فترة حبسهم، بل إن قرار عفو سيساوي أفرج السيسي بمقتضاه عن المجرم ومقاول الإجرام الشهير نخنوخ.

ففي 16 مايو 2018، اشتمل قرار العفو الذي أصدره السيسي، على اسم “صبري حلمي حنا نخنوخ” المدان في واحدة من أشهر قضايا حيازة الأسلحة خلال عام 2012 والصادر ضده حكم بات من محكمة النقض بالسجن المؤبد عام 2014.

ومرت قضية نخنوخ (المولود عام 1963) بالعديد من المحطات القانونية اللافتة، ومنها ما نتج عنه إرساء مبادئ قضائية جديدة، نهاية بالعفو عنه قبل أن تعاد محاكمته بموجب حكم تحصل عليه من المحكمة الدستورية العليا في فبراير 2016.

ففي 23 أغسطس 2012 ألقت قوات الأمن القبض على صبري نخنوخ في فيلا مملوكة له بمنطقة “كينج مريوط” غرب الإسكندرية، متلبسا بحيازة أسلحة متنوعة وحيوانات مفترسة.

وبعد حبسه احتياطيا لمدة أسبوع واحد أحالته نيابة غرب الإسكندرية إلى المحاكمة الجنائية في أول سبتمبر 2012 بتهمة حيازة الأسلحة وتعاطي المخدرات.

وفي مايو 2013 أصدرت محكمة جنايات الإسكندرية حكما بإدانة نخنوخ بالسجن المؤبد، التزاما بالقانون 6 لسنة 2012 بتعديل بعض أحكام قانون الأسلحة والذخائر، والذي كان يمنع القاضي من استخدام قواعد الرأفة المبينة في المادة 17 من قانون الأسلحة والذخائر، في جرائم حيازة الأسلحة النارية، ويلزم القاضي بتوقيع أقسى عقوبة على المتهم.

وكانت المحكمة راغبة في استخدام الرأفة مع نخنوخ، فناشدت المشرع في نهاية حكمها بتعديل هذا القانون “وإعادة السلطة التقديرية للقاضي في استخدام قواعد الرأفة المبينة بها، حتى لا يضحى محض آلة إليكترونية مطبقة لظاهر النص دونما مراعاة لروح العدالة، ودونما حسبان لسلطته في التقدير، سيما وأن هناك من جرائم ما هو أخطر وأشد جسامة مثل جرائم القتل العمد بكافة ظروفه المشددة، أجاز فيها المشرع للقاضي استخدام المادة(17) في النزول بالعقوبة درجة أو درجتين، كما أن الحالة الاستثنائية التي دعت لوضع هذا التعديل المعيب في ظل وجود المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد زالت بإنتخاب رئيس للجمهورية ومجلس نيابي”، بحسب نص الحكم.

إدانة باتة

وفي 3 نوفمبر 2014 أصدرت محكمة النقض حكمًا باتًّا غير قابل للطعن بتأييد عقوبة السجن المؤبد لنخنوخ وغرامة 10 آلاف جنيه، وفقًا للقانون 6 لسنة 2012 ذاته.

وبعد صدور حكم النقض بخمسة أيام؛ أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكما بعدم دستورية القانون 6 لسنة 2012 الذي عوقب نخنوخ على أساسه بالسجن المؤبد.

وقالت المحكمة في حيثيات حكمها: إن ذلك القانون “يقيد السلطة التقديرية للقاضي، ويحرمه من إمكانية تفريد العقوبة التي هي جوهر العمل القضائي”.

وبذلك فُتحت نافذة الأمل لنخنوخ للطعن على حكم “النقض” أمام “الدستورية” ففعل.

وفي 6 فبراير 2016 قبلت المحكمة الدستورية العليا دعوى نخنوخ، وحكمت بعدم الاعتداد بحكم محكمة النقض، باعتباره مناقضا لحكمها السابق بعدم دستورية القانون 6 لسنة 2012.

أرست المحكمة الدستورية في ذلك الحكم مبدأ جديدا بعدم الاعتداد بالأحكام الجنائية الباتة المبنية على نصوص قانونية قضت المحكمة الدستورية بعدم دستوريتها، استنادا إلى المادة 49 من قانون المحكمة التي تنص على أن “أن الأحكام التي صدرت بالإدانة استنادا إلى نص جنائى قضى بعدم دستوريته تعتبر كأن لم تكن” والمذكرة الإيضاحية للقانون التي جاء بها أنه “إذا كان الحكم بعدم الدستورية متعلقا بنص جنائى فإن جميع الأحكام التي صدرت بالإدانة استنادا إلى ذلك النص تعتبر كأن لم تكن حتى ولو كانت أحكاما باتة”.

وبناء على حكم “الدستورية” عاد ملف نخنوخ إلى النائب العام ليتصرف فيه من جديد وكأنه يتلقاه لأول مرة، بعدما تم إلغاء حكم الإدانة.

وخلال شهر أبريل 2018 أحيلت القضية لدائرة بمحكمة جنايات الإسكندرية لإعادة نظرها من جديد، لكن المتهم لم يلبث وأن استفاد بقرار العفو الرئاسي.

وينهي قرار العفو الصادر من السسي جميع الإجراءات القضائية التي بدأت لإعادة محاكمة نخنوخ، كما ينهي جميع الإجراءات التي كان يتخذها هو لإلغاء آثار حكم الإدانة الصادر ضده.

وهكذا يتلاعب السيسي بالقانون لصالح البلطدية والقتلة من الضباط المحكومين بعد ايام من بدء تطبيق الحكم في مهزلة قانونية.

وغالبا ما يتجاخل قرارات العفو الحالات المرضية ومن قضى ثلاثة ارباع المدة، بل وتجاهل البنات القصر والمرضى.

أما الـ 9 ضباط متهمين بقتل 4 أفراد من أسرة واحدة بكمين سنة 2013 ظلوا هاربين حتى سلموا أنفسهم مارس الماضي لترفض المحكمة طعنهم على السجن 7 سنوات ويُصدر السيسي عفوًا رئاسيًا عنهم!!

الضباط التسعة وجميعهم تابعون لمديرية أمن الغربية من رتبة مقدم وحتى نقيب، منهم 4 رؤساء مباحث لأقسام ومراكز و5 ضباط من الأمن المركزي.

Facebook Comments