عند تناول الصراع الإسلامي – الصهيوني، ودور جنرالات العسكر والحكام العملاء في الوطن العربي في العبث بمجريات هذا الصراع، وعند محاولة استبصار دور هذه الديكتاتوريات العميلة فى التأثير على هذا الصراع لصالح العدو الصهيوني بطريقة مستترة أحيانا وواضحة أحياناً أخرى، وعندما نضع الخطوط تحت سقطات العمالة في محاولة لإظهار التنازلات التاريخية القاتلة حتى تكون نقطة الارتكاز والانطلاق، وهذا يأتي من باب البناء وتصحيح وتعريف أن من يدير القضية يتلاعب لصالح طرف آخر.

هذه كلمات السادات التي ختم بها صناع فيلم “أيام السادات” الذي قام ببطولته الفنان الراحل أحمد زكي، وهى مؤثرة وقد وردت بخطابه أمام الكنيست الصهيوني :”إملأوا الأرض والفضاء بتراتيل السلام .. إملأوا الصدور والقلوب بآمال السلام ،اجعلوا الأنشودة حقيقة تعيش وتثمر ، اجعلوا الأمل دستور عمل ونضال”!

والسؤال اليوم بعد 41 عاما من إلقاء تلك الكلمات الساحرة الشيطانية، أي سلام كان يتحدث عنه السادات، وهل كان يقصد سلام الجبناء، أم سلام الضعفاء، أم سلام طلقة الرحمة الأخيرة على جسد فلسطين وعلى هذه الأمة التي ما زالت وللآن تعاني من أثار مؤامرة كامب ديفيد.

خيانة سعودية

ومن أثار زيارة الراحل السادات وخطابه أمام الكنيست الصهيوني، ان تمخضت كامب ديفيد مرة ثانية عن جنرال خادم في بلاط الصهيونية يدعى عبد الفتاح السيسي، واصل التنازلات المؤلمة بتهجير أهالي سيناء، من أجل إقامة دويلة صناعية تختصر أرض فلسطين المقدسة، تحت راية اتفاق القرن الذي يرعاه ترامب والنظام السعودي والإمارات.

وبينما تمر هذه الأيام ذكرى اتفاق كامب ديفيد المشئوم الحادية والأربعين، سنضطر إلى القفز للوراء سنوات وتحديداً إلى يوم ٥ نوفمبر ١٩٧٧، حيث ران صمت كامل على اجتماع مجلس الأمن القومي المصري الذي دعا إليه السادات، وكانت المفاجأة صاعقة وهو يقول:”أنا مستعد أن أذهب إلى القدس، وأن ألقى خطابًا في الكنيست الإسرائيلي، إذا كان ذلك يمكن أن يحقن دم أولادي”!

كانت تلك المرة الأولى التي ترد على لسانه هذه العبارة الفارقة، قبل أن يرددها بحذافيرها بعد أربعة أيام في خطاب ألقاه أمام مجلس الشعب، يقول وزير الخارجية الراحل إسماعيل فهمي في إحدى أوراق مذكراته:”السادات لم يوضح تمامًا ما يعنيه لم يرد أن يُعطينا فرصة التعليق على ما قاله، أو مناقشته”، كان قراراً انفراديا دون أدنى مناقشة في أعلى المستويات المعنية بالأمن القومي، ودون علم وزير خارجيته الذي كان برفقته في جولة خارجية، كانت بوخارست أهم محطاتها.

حسب مذكرات إسماعيل فهمى، فإن وزير الدفاع الفريق أول عبد الغنى الجمسى قطع الصمت المطبق من فرط الصدمة، صاح فجأة وهو يلوح بذراعيه:”لا كنيست.. لا كنيست.. ليس هذا ضروريًا”، كان الجمسى، كما يصفه إسماعيل فهمى، :”من الرجال الذين يلتزمون النظام بصورة تامة، فلم يكن يتدخل فى الحديث، أو يُشعل حتى سيجارته، قبل الحصول على إذن، لكنه فى هذه اللحظة خشى أن يكون السادات يعنى ما يقول”.

لم ينبس أحد آخر بكلمة واحدة، ومضى السادات في تنازلاته التاريخية المؤلمة المجانية لصالح الكيان الصهيوني، وكأنه لم يسمع ما قاله وزير الدفاع على الإطلاق، حديث السادات بعد تلك السقطة التاريخية بالكنيست الصهيوني حمل مجموعة رسائل وأولى هذه الرسائل كانت للفلسطينيين ومضمونها أن الفلسطينيين سيتركون لوحدهم بهذا الصراع مع الكيان الصهيوني.

حكام يعشقون الذل

ويسجل التاريخ هنا مجموعة حقائق بتلك المرحلة تحديدا، ومنها اعتراض السوريين وبعض العرب على نية السادات زيارة الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكيف أن السادات حاول تبرير موقفه للسوريين، وكيف أن السوريين رفضوا كل هذه المبررات، ويسجل هنا التاريخ كذلك جميع الاتصالات السرية، حيث تم إعداد لقاء سري بين مصر وكيان العدو في المغرب، تحت رعاية الملك الحسن الثاني.

وهناك التقى السادات وزير الخارجية الصهيوني، موشى ديان، وحسن التهامي ، وكيف أن السادات حصل على التأييد الكامل ، من شاه إيران ، والنظام السعودي، للقيام بخطوة مذلة تمثلت بإلقاء خطابه المذل أمام الكنيست الصهيوني، وما سبق كل ذلك من حديث للسادات أمام مجلس الشعب المصري، وحديثه عن رغبته واستعداده للذهاب للقدس بل وللكنيست الصهيوني ، قائلا حينها:”ستدهش إسرائيل عندما تسمعني أقول الآن أمامكم إنني مستعد أن أذهب إلى بيتهم، إلى الكنيست ذاته ومناقشتهم”.

وفي مذكراته كتب بطرس غالي الذي أيد مبادرة السادات إلى النهاية “حظيت عبارة علشان خاطر كارتر بشعبية وسط المندوبين المصريين فكل طلب نراه ضد المصالح العربية صار يوصف بأنه علشان خاطر كارتر”، وأرسل كارتر قبل انتهاء المفاوضات بيومين، رسالة للسادات وبيجن أنه قرر إنهاء مؤتمر كامب ديفد الأحد 17 من سبتمبر، وطلب منهما إرسال الملاحظات النهائية على المشروع الأمريكي الذي سيكون نص اتفاقية كامب ديفد.

نبوءة بيجن

شرح وزير الخارجية وقتها محمد إبراهيم كامل للسادات مخاطر التوقيع على الاتفاقية لأنها تتعارض مع ما تم الاتفاق عليه في مصر برفض أي حل منفرد مع إسرائيل، فأجاب السادات أن كارتر وعده بدعم موقف مصر كما أنه لا يرضى أن يشمت به أعداء مبادرته، فقدم محمد إبراهيم كامل استقالته في كامب ديفد فكان بذلك ثالث وزير مصري يستقيل احتجاجا على توجه السادات.

وكتب كامل في مذكراته :”وقّع السادات في النهاية على ما لم يكن يراود الإسرائيليين في أكثر أحلامهم تفاؤلا”، مساء الـ 17 من سبتمبر عام 1978 بدأت مراسيم توقيع اتفاقية كامب ديفد داخل البيت الأبيض، أنور السادات: “جئنا إلى كامب ديفد بكثير من الإرادة الطيبة والإيمان وغادرنا كامب ديفد قبل دقائق بإحساس متجدد من الأمل والإلهام”.

ونظر مناحيم بيجن للسادات وتبسم ساخراً من فرط سذاجته، قائلاً:”يجب أن يعاد تسمية مؤتمر كامب ديفد ليصبح مؤتمر جيمي كارتر فبحسب خبرتي التاريخية أعتقد أنه قد عمل بجد فاق ما بدأه أجدادنا في مصر عندما بنوا الأهرام”، فهل تلك إشارة أو نبوءة بيجن إلى ما يجري الآن من تنازل عن القدس الشريف وتجديد مقابر ومعابد اليهود في مصر وطرد أهالي سيناء وانقلاب على الرئيس محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب للمصريين؟

Facebook Comments