لفتَ رحيلُ الشيخ فوزى السعيد -رحمه الله- إلى تقاربٍ ملحوظٍ بين أبناء الجماعات الإسلامية المختلفة؛ ظهر فى الإجماع على الاحتفاء بتاريخ وتضحيات الداعية (السلفى) الراحل، وردِّ غيبته من أولئك الأدعياء، حلفاء العسكر، أصحاب اللحى الممتدة والكروش البارزة (بتوع دعوة إسكندرية والحزب إياه!).

ورغم أن هذا التقارب ظهرت ثماره عقب ثورة يناير المباركة والخروج على النظام التابع الذى أفسد العلاقة بين إخوة الدين؛ ووضحت ملامحه مع فوز الرئيس الشهيد، الذى قرّب البعيد وأدنى الجافى -فإن فترة السطو على الحكم والانقلاب على الشرعية كانت هى أكثر الفترات التى تعاونت فيها «الجماعات»؛ لكنها لم ترقَ بعدُ إلى ما يرجوه المخلصون لها، وهو عينُ ما يأمرنا به الشرع وتستلزمه ظروفنا المحلية والإقليمية.

لقد مثَّل الانقلاب وما أعقبه من أحداث قفزة نوعية فى العلاقة بين الجماعات الإسلامية المصرية، بعدما كشفت تلك الأحداث عن حقائق غُيِّبت لعقود؛ فضلاً عن أنها اعتُبرت فترة (فرز وتمييز) للمتواجدين على الساحة من هذه الجماعات، وملخص هذا الفزز؛ أن ليس كل من قصّر ثوبه وأعفى لحيته محسوبًا على الإسلاميين، بعدما اتضح أن كثيرًا من المنافقين يختبئون خلف هذا الهدى الظاهر. وليس كل من حمل عِلْمًا وادّعى الانتماء إلى الدعوة فهو صادق؛ بعدما رأينا من يشبهون علماء بنى إسرائيل الذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها، وقد حرّضوا على الدماء ومكروا مكرًا عظيمًا ينصرون به أهل الباطل. كما ليس كل من كثُر أتباعه خادمًا للدعوة؛ إذ ربما كان دَعِيًّا يستخدم الدعوة ستارًا للتكسُّب، مستغلًّا كثرة الأتباع فى تحصيل الشهرة أو المنصب، أو العيش فى رفاهية الأمراء والسعى لاقتناء النساء والسيارات والعقارات؛ فى حين يطالب الناس بالزهد، ويدعوهم إلى الصبر والتصبُّر على ما هم فيه من فقر وبلاء.

لقد آن الأوان لتحقيق «الائتلاف» التام والعملى بين هذه الجماعات، ولا نقول «الانصهار»؛ لأن بقاءها وحدات منفصلة فيه فوائد كبرى للدعوة؛ إذ يحقق «النوعية» و«التخصص»؛ فهذه تجيد السياسة، وتلك تجيد العلم، والثالثة تجيد المشروعات والخدمات إلخ. أما الائتلاف فيعنى وحدة القرار، واجتماع الرأى فى الشئون العامة؛ ما يتطلب الشورى ونبذ عوامل الفرقة والاختلاف. ولا أرى عقبة واحدة أمام هذا «الائتلاف» من داخل «الجماعات»؛ إذ العقبات تصدِّرها الأنظمة العسكرية العلمانية المتعاقبة التى ترى الخطر -كل الخطر- فى اتحاد هذه الجماعات…
فلم تتوان تلك الأنظمة عن بث الفرقة وإشعال المعارك بين الإخوان -الفصيل الأكبر- وباقى الجماعات حتى لم تبق واحدة منها راضية عن أختها ذات الظهير الشعبى العريض؛ أما عدم الرضا فكان نابعًا من شائعات مستمرة حول قادة وأعضاء الجماعة، والحديث عن «ميوعتهم!» و«تفريطهم!»، واتهامهم بتضييع الكثير من السنن -هى فى الحقيقة أمور مختلف حولها-؛ وإصدار فتاوى لإحراج الإخوان حتى كفّرهم بعض الجهال. فضلاً عن وسائل أخرى اختصّت بها الجهات الأمنية هدفها شق الصف الإسلامى وتأجيج مظاهر النزاع داخله فلا تنطفئ؛ حيث شهدت المساجد معارك مفتعلة كان الأمن مشعلها ومغذيها، وكذلك السجون التى اشتدت فيها الخلافات بين الإخوة وكان الفاعل دومًا هم المخبرين الذين يدسُّهم «الأمن» لافتعال التشاجر وتوسيع هوة الخلاف، ولا يدرى الكثيرون أنهم مخبرون.

إن لدينا -فى محيط العالم الإسلامى- تجارب رائعة لمثل هذا الاتئلاف المنشود، وفلسطين الحبيبة مثلًا؛ إذ تتعدد جبهات القتال والدعوة بتعدد مسميات الجماعات هناك، لكن الهدف واحد، والوجهة لا خلاف عليها، وكلٌّ منها يسدد ويقارب، ويعاون إخوانه على العدو المشترك، وما اشتبكت إحداها يومًا مع العدو إلا هبَّت الأخرى لنجدتها؛ لتحمى ظهرها وتقوِّى شوكتها وتنافح عنها فى مواقع الجبهة وفى داخل المجتمع.

نأمل أن يتم الله فضله على الإخوة المخلصين بالاجتماع والوحدة؛ لأجل توحيد الأمة على كلمة سواء، ولتخليصها مما ابتُليتْ به من تبعية وفساد واستبداد؛ ولأجل خدمة الدعوة والنهوض بها، ولتنقية ثقافتنا مما حلَّ بها وأوحل الشباب والكهول؛ ولبث روح الجهاد والوطنية الحقَّة فى نفوس الناشئة وقد استوطنتهم الميوعة والتردى الخلقى؛ ولأجل تدشين كيانات دعوية عملاقة تفك الارتباط بتلك الأنظمة الفاشلة التى عقمت عن إيجاد حلول لمشكلاتنا المزمنة.

Facebook Comments