خلصت دراسة إلى أنَّ المؤتمرات الشبابية للسيسي تمثل بديلًا للعمل السياسي الجاد، وتهميشًا لدور الأحزاب في محاولة لاصطناع ديمقراطية مزيفة، واهتمامًا صوريًّا بالشباب في ظل الاتهامات التي تحاصر النظام بقمع الشباب والزج بعشرات الآلاف منهم في السجون والمعتقلات بتهم سياسية ملفقة وكيدية. كما تمثل تغطية على فشل النظام سياسيًّا وأمنيًّا واقتصاديًّا.

ونشرت صفحة “الشارع السياسي Political Street” دراسة بعنوان “المؤتمرات الشبابية.. السيسي على خطى عبد الناصر.. قراءة في الجدوى والرسائل”، قالت إن السيسي عقد 12 مؤتمرًا، بعد انقلاب 30 يونيو 2013م على المسار الديمقراطي والإطاحة بالرئيس محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر الحديث والمعاصر.

وقالت إن السيسي تبنّى نظام وأفكار الديكتاتور الأول لانقلاب 23 يوليو، جمال عبد الناصر، ومضى على خطاه في سبيل تكوين جيل شبابي يتمتع بالولاء المطلق لنظام 30 يونيو والدفاع عن سياساته، مع منح هؤلاء امتيازات خاصة وتعيينهم في مناصب الدولة الحساسة تمامًا، كما فعل عبد الناصر مع شباب “التنظيم الطليعي”.

هياكل التأسيس

وقالت الدراسة، إن السيسي تبنّى تأسيس هيكلين لاحتواء قطاع من الشباب الموالي للنظام:

الأول: هم شباب البرنامج الرئاسي، الذي أسسه الطاغية في سبتمبر 2015م. وهو أخطر تنظيمات السيسي الشبابية، ومنهم تم تعيين نواب محافظين ومساعدين لوزراء.

الثاني: اللجنة التنسيقية لشباب الأحزاب الموالية للسيسي، والتي جرى تأسيسها بعد اجتماعات سرية في دهاليز المخابرات العامة تحت إشراف الضابط أحمد شعبان.

رسائل للنظام

وقالت الدراسة، إن للسيسي رسائل من وراء المؤتمرات بنحو 6 رسائل، الأولى: أنها تمثل بديلًا سياسيًّا ظاهريًّا لفكرة الأحزاب التي لا يؤمن بها الطاغية من الأساس، للدفاع عن سياساته، وهي انعكاس لصدى وصورة لما يجري في الخفاء داخل ما يسمى بشباب البرنامج الرئاسي أو اللجنة التنسيقية لشباب الأحزاب؛ لتجنيد العناصر التي تراها السلطة صالحة للقيادة وتنظيم جهودها لخدمة النظام.

أما الثانية، فإنه لا مكان في مستقبل إدارة البلاد إلا لهؤلاء الشباب الذين انتقاهم النظام عبر أجهزته الأمنية ورباهم على عينه على الولاء المطلق للنظام، ومنحهم امتيازات هائلة دون غيرهم من الشباب؛ مُسكّنين في مفاصل الدولة ليكونوا عيون النظام وجواسيسه في الهيئات والمؤسسات، وظيفتهم كتابة التقارير الأمنية.

وترجمة لتلك الرسالة، اختار السيسي 6 من شباب هذا التنظيم كنواب محافظين من بين 17، وشهدت حركة المحافظين الأخيرة، في 27 نوفمبر الماضي، المحافظ الشاب محمد هاني غنيم لبني سويف و8 نواب لمحافظين.

عسكرة خلايا الشباب

وأوضحت الدراسة أن السيسي يهدف في رسالته الثالثة إلى تكريس حالة العسكرة بين الشباب، على مستوى: الإدارة والإشراف، فالضابط أحمد شعبان هو من يشرف فعليا على شباب البرنامج الرئاسي، ويعاونه خلية صغيرة من ضباط جهاز المخابرات العامة والأمن الوطني.

وكشفت عن أن فريقا مدنيا يعاون العسكر برئاسة الدكتور طارق شوقي، الأمين العام للمجالس التخصصية التابعة لرئاسة الجمهورية، وعميد كلية العلوم والهندسة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، والدكتورة دينا برعي مستشارة التقييم وعميدة كلية التعليم المستمر بالجامعة الأمريكية في القاهرة، وفي الواجهة يأتي الدكتور خالد حبيب، أستاذ الدراسات العليا بالجامعة الفرنسية ESLSCA ومستشار التطوير المؤسسي والتنمية البشرية للمشروع، والذي يعرفه الإعلام الموالي للنظام على أنه مصمم البرنامج، والمهندسة سارة البطوطي ممثلة الشباب في البرنامج، كما يعرفها الموقع الرسمي للبرنامج على الإنترنت.

وكما تم تسكين شباب التنظيم الطليعي في مفاصل الدولة ومناصبها الحساسة (فتحي سرور ورفعت المحجوب وصفوت الشريف وعلي الدين هلال وفاروق حسني وعمرو موسى ومصطفي الفقي وأسامة الباز وحسن أبو باشا والصحفي محمود السعدني وغيرهم) وهو عين ما يجري حاليا بالضبط.

ولم ينس هؤلاء إعداد البرامج التي يتلقاها هؤلاء الفتية والفتيات، حيث يتلقى شباب تنظيم “البرنامج الرئاسي” محاضرات في “العلوم السياسية والأمنية”، ويقدّمها اللواء أركان حرب محمد صلاح الدين حسن، مدير كلية الدفاع الوطني، وتتناول حروب الجيل الخامس التي تُشكل تحدياً للدولة بحسب السلطة، وعن حتمية دعم المؤسسة العسكرية في حروبها الدائمة تجاه المؤامرات التي ينفذها ممولون داخل وخارج البلاد، بينما تضمّنت محاضرات العلوم الإدارية مُشاركة للواء مختار محمد علي، مدير الكلية العسكرية لعلوم الإدارة لضباط القوات المسلحة، والذي يتحدث في محاضرته عن أهمية الانضباط والالتزام داخل المؤسسة العسكرية، والذي ينبغي الاستفادة منه في كافة مناحي الحياة العلمية. كما يحصل أعضاء التنظيم على دورة الدراسات الاستراتيجية والأمن القومي بكلية الدفاع الوطني في أكاديمية ناصر العسكرية العليا.

الديمقراطية المزيفة

وكشفت الدراسة عن أن السيسي يعمل على توظيف هذه المؤتمرات والمبالغة في الدعاية والتسويق لها محليا وعالميا، في محاولة لإضفاء مسحة شكلية لديمقراطية مزيفة.

وكشفت عن أن الحقائق الدامغة تنسف هذه الصورة الوهمية من الأساس لاستمرار التنكيل والانتقام من الشباب عموما وشباب ثورة 25 يناير على وجه الخصوص؛ ويكفي أن السيسي ملأ جميع سجون مصر (42) سجنا بالشباب، ولما ضاقت بهم بنى «26» سجنا جديدا ليرتفع عدد السجون في عهده إلى “68 سجنا” في جميع المحافظات، لاحتواء الغضب والرفض وقمع الرافضين لانقلابه على الديمقراطية وتكريس الحكم العسكري الشمولي.

كما أن المخصصات الضعيفة للغاية للشباب في موازنة العام الحالي، والتي تبلغ بالأرقام (1 في الألف) من حجم الموازنة (2019/2020) الذي بدأ العمل بها منذ بداية يوليو الماضي ويستمر حتى نهاية يونيو القادم، بلغت مخصصات المجلس القومي للشباب 864.5 مليون جنيه فقط.

وأضافت إلى وهمية الصورة التي يرسمها السيسي قلة عدد مراكز الشباب، وخلو مئات القرى منها؛ فقد بلغت مخصصات وزارة الشباب والرياضة “4.9” مليار جنيه؛ فحسب تقديرات جهاز الإحصاء المصري لسكان البلاد في بداية “2019”، فقد بلغ عدد الشباب في الفئة العمرية من 18 عاما إلى 29 عاما، 20.2 مليون شاب، ومع الاهتمام المتزايد بشباب البرنامج الرئاسي واللجنة التنسيقية لشباب الأحزاب، حيث ترعاهم أجهزة المخابرات وتنفق عليهم ببذخ شديد.

وكشفت عن أن تكلفة مؤتمر شبابي واحد من التي يعقدها السيسي تكفي لبناء 200 مركز شباب من تلك التي تتواجد في القرى إذا علمنا أن الأراضي متوافرة ولا تحتاج إلا إلى تخصيصها فقط لوزارة الشباب والرياضة.

واعتبرت الدراسة أن السيسي مولع بحب الظهور والاستعراض والتركيز على اللقطة دون اهتمام بالجوهر والحقائق حتى لو كانت شديدة المرارة، من خلال مسرحيتي “انتخابات رئاسية” و”المؤتمر الاقتصادي بشرم الشيخ 2015″، واحتفالات افتتاح قناة السويس، وكشفت عن أنه محب للاستعراضات والخطابة في الجموع الصامتة.

أما الرسالة السادسة، فاعتبرت أن هذه المؤتمرات تمثل حالة من الهروب من الأزمات والواقع المرير الذي يعاني منه المصريون.

إهدار الأموال

ومن النقاط المهمة في الدراسة، أن مصر الفقيرة بتصريحات السيسي (أنتم مش عارفين إن إحنا فقرا أوي) تستضيف في كل مؤتمر محلي عدة آلاف من شباب البرنامج الرئاسي وتنسيقية الأحزاب الموالين للنظام على نفقة الدولة، في أفخم فنادق شرم الشيخ أو أسوان لأسبوع كامل بخلاف نفقات التأمين والإقامة والطعام والشراب والسفر بالطائرات والتنقلات والبث إضافة إلى الطاقم الإعلامي المرافق لكل مؤتمر.

ونسبت الدراسة إلى مصادر خاصة داخل اللجنة المنظمة لمنتدى “شباب العالم”، التي تخضع للإشراف المباشر لمكتب الطاغية عبد الفتاح السيسي، فإن تكلفة النسخة الثالثة من المنتدى في منتجع شرم الشيخ، تجاوزت 600 مليون جنيه (ما يعادل 37.22 مليون دولار تقريبًا). تحمّل الجانب الأكبر منها بنوك حكومية وخاصة بالإضافة إلى شركة “وي” للاتصالات، التي تستحوذ الاستخبارات على حصة حاكمة فيها.

توصيات اللا جدوى

وقالت الدراسة إنه بالنسبة للجدوى السياسية، فلم يثبت أن توصية واحدة من المؤتمرات الـ12 التي انعقدت حتى اليوم تم تنفيذها، فكله كلام في كلام، ويبدو أن الهدف الأساسي من المؤتمرات هو إشباع رغبة الطاغية في الكلام والثرثرة والهذيان الذي تعود عليه، ويرى في نفسه طبيب الفلاسفة الذي يجب على الشعب كله ألا يسمع غيره، فهو العليم بكل شيء الخبير ببواطن الأمور كلها والعارف بمشكلات مصر وطرق حلها!.

وقالت إن هذه المؤتمرات الدعائية الفجة محاولة مكثفة للتغطية أيضا على تآكل شعبية الجنرال والتي باتت في الحضيض، خصوصا بعد أن نكل بكل المعارضين على المستوى السياسي، وأهدر آلاف المليارات على المستوى الاقتصادي، وشهد عصره موجات متلاحقة من الغلاء الفاحش الذي أفضى إلى تزايد معدلات الفقر والانتحار وتفشي اليأس والإحباط بين المواطنين الذي افتقدوا إلى أي أمل في المستقبل خصوصا بعد أن أغلق النظام باب التداول السلمي للسلطة بإجراء التعديلات الدستورية التي تبقي على السيسي في الحكم حتى 2030، وتجعل من المؤسسة العسكرية وصيا على الشعب والمجتمع.

Facebook Comments