بصفعة إثيوبية على وجه قائد انقلاب مصر، تهدد أمن ومستقبل مصر المائي، أصبحت أشهر إنجازات السيسي خلال سبع سنوات هي: التخلي عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، والتخلي عن غاز المتوسط لليونان والكيان الصهيوني، ثم التخلي عن مياه النيل لإثيوبيـا، وافتح القوس للجديد!
في البدء أعلنت إثيوبيا أن تعبئة سد النهضة بدأت، ثم تراجعت عن الإعلان للخارج، وحين لم تجد ردة فعل مصرية أو أي اعتراض، خرج وزير خارجيتها (ليس الري) ليؤكده ويقول إن "النيل بات ملكا لنا فعلا"، ويبدو أنهم تفاجأوا بأن مصر التي في مخيلتهم ليست هي مصر اليوم!!
فرغم الصفعة الإثيوبية، لم يصدر أي رد فعل من السيسي أو الخارجية أو وزارة الري أو حتى إعلام السلطة، على الصفعة والإهانات الإثيوبية بملء سد النهضة دون اتفاق مع مصر بعد ما كان الإعلام يصور الأمر على أن مصر ستحارب وتقصف السد لو تم ذلك، ما يطرح تساؤلات عن سبب هذا التخاذل؟

لذلك لم تكتف إثيوبيا بإعلان رئيس وزراءها ملء المرحلة الأولى من السد عقب انتهاء القمة مع السيسي لتحرجه ولكنها بثت فيلما عن ملء السد، وقال وزير خارجيتها في تغريدة مهينة لمصر: (النيل لنا) و(لم يعد النيل يتدفق (لمصر) كما كان سابقا.. لقد أصبح بحيرة لنا ولن تتدفق المياه الى نهر النيل مرة أخرى) !
ما سر صمت السيسي وخارجيته؟ هل على رأسهم بطحه من نوع ما؟ لماذا لم تحتج الخارجية حتى على قول وزير خارجيته إن النيل أصبح لهم؟!

فهل صمت السيسي على الصفعة الإثيوبية ومنع أي تعليقات رسمية او إعلامية على الصفعة كي لا يزيد غضب الشارع المصري ضده يتعلق بتواطؤه مع إثيوبيا على الامن المائي المصري أم السبب هو الغباء السياسي الذي ادار به مع وزير خارجيته المفاوضات، بينما نجحت إثيوبيا في التفاوض السياسي وخدعته ببراعة واثبتت فشل دبلوماسية السيسي؟
وهو ما يطرح تساؤلات مثل: على أي أساس بنت مصر خيار مجلس الأمن باعتباره ورقة الضغط وألقت بأوراقها فيه وهي تدرك أن اتفاقيات تنظيم مجاري الأنهار هزيلة وغير ملزمة وأن تفعيل البند السابع لقضية كهذه أمر مستحيل ومحض هراء إعلامي لا أكثر.
والأهم هل لدى مصر قراءة استراتيجية مطمئنة تخالف التقديرات العلمية للأمر إلى الحد الذي يجعلها تدير الملف بنصف اهتمام ونصف إبداع أم أن صانع القرار لا يهمه التأثيرات المحتملة وقد سلم أمر أمته لله من باب "ربك يدبرها ومحدش بيموت عطشان

تواطؤ السيسي
بداية يجب أن نشير إلى أن إثيوبيا كانت تقول إن السيسي وقّع على اتفاق يسمح لها بملء السد دون موافقة مصر، فهل ثبت أن هذا صحيح بصمته؟ في إشارة لاتفاق الخرطوم الذي تنازل بموجبه السيسي من البداية عن حقوق مصر المائية، وخاصة حق الفيتو على أي سد يبني وحق مراقبة أي سد يُبنى، والأهم ضمان حصتها المائية الـ 55 مليار متر مكعب.
أيضا طريقة التفاوض المصرية السيئة أظهرت أن مفاوضات سد النهضة انتهت لأسوأ أنواع التفاوض المعروفة وهي مباراة (اكسب – اخسر) بفوز أحد الأطراف وخسارة الطرف الآخر، والتي لا تحدث سوى عندما لا يتحقق توازن في القوة بين الطرفين أو سوء اختيار استراتيجيات التفاوض الصراعية وهو ما وقعت فيه خارجية السيسي.

والغريب أن السيسي يحاول مرة ثانية الإيحاء أنه مازال يتغطى بأمريكا، ويطلب تدخل ترامب ليأخذ حق مصر رغم اكتفاء ترامب بالتفكير في عقوبات ضد إثيوبيا ذات طابع اقتصادي بوقف بعض المساعدات حال لم يتم التوصل لاتفاق نهائي بحسب فورين بوليسي؟
والأكثر غرابة تأكيد مسئولين حكوميين مصريين لـ«مدى مصر» أن مصر تحقق في ما إذا كان امتلاء الخزان جاء نتيجة تجمع مياه الأمطار أم أن إثيوبيا قد حولت مجرى مياه النيل الأزرق لملئه، وأكدوا أنه في حال السيناريو الأخير، فإن مصر ستلجأ لمجلس الأمن فورًا ليصدر قرارًا برفض الإجراء الأحادي الذي اتخذته إثيوبيا لملء الخزان!
التحرك إذن في كل الأحوال ضعيفة ومتخاذل، فما قيمة الحديث عن أن السد تم ملؤه بقدرة إلهية بالأمطار أو بحجز المياه؟ ألم تغلق إثيوبيا البوابات في الحالتين وتمنع المياه؟

غباء سياسي
استطاعت إثيوبيا التلاعب بالسيسي وخارجيته بأسلوب تفاوض سياسي عتيق يقوم على التسويف، ولكنها نجحت في الفوز وتحقيق أهدافها ما جعل الدبلوماسية المصرية تبدو في صورة الغباء السياسي.
ففي سلسلة مناورات، نجحت إثيوبيا في إطالة أمد المفاوضات لكسب وقت لبناء وملء السد، وإرباك مصر ووضعها في مربع ضغط كبير تارة بادعاء أن مصر تستفيد وحدها من النيل وتريد لبلادهم أن تعيش في الجفاف، وتارة بالتلويح بأنها جاهزة للرد عسكريا برغم أن هذا الخيار لم يستخدمه نظام السيسي ولو من قبيل التهديد.

كما لعبت بسيناريو ملء السد المفاجئ، ثم النفي ثم التأجيل لأنها لم تجد رد فعل مصريا قويا، وألغت بذلك كل خيارات القاهرة وجعلتها تنحسر في المطالبة باتفاق يمنع جفاف مصر في أوقات الجفاف وأن تسمح إثيوبيا بتمرير المياه من سد النهضة في سنوات الجفاف، بعدما كان لمصر (قبل اتفاق سد النهضة) حق الفيتو والمنع لبناء أي سدود، وحقها في نسبة محددة من المياه.
وبحسب الباحث محمد معوض في واشنطن: إدارة إثيوبيا للمفاوضات مع مصر حول سد النهضة تدرس، في علم التفاوض الدبلوماسي هناك قاعدة تقول إن المتفاوضين يمرون عادة بلحظة العمى المؤقت والتي تسبق الإقرار بالواقع، المنتصر في التفاوض في مجمله هو من يسحب المتفاوض معه إلى منطقة العمى ويتركه ثم يدبر هو مقتضيات الواقع.

وإعلان إثيوبيا تعبئة السد أوليّا كان رسم لحدود التفاوض على قواعد ونهج مغاير لما بدأت عليه المفاوضات ليتطور الأمر، من رفض تام للمشروع قبل سنوات إلى إقرار به مع تحفظات إلى محاولة لمجاراة المشروع ووضع أطر له والأخيرة لن تحصل إلا بضمان واحد وهو إثيوبي 100% لا لأحد أن يحملها عليه.
ومعالجة مصر لا تعكس قيمتها ومكانتها وحساسية الملف فلا هي عملت بنسق دبلوماسي ينتقل من خيار لبديله وفق خطة معدة سلفا، ولاهي استثمرت بأوراق ضغطها الممكنة، بل والمذهل أن الرأي العام المصري راح ينشغل بمعركة هزلية عنوانا ليبيا أم إثيوبيا في برهان على ضياع بوصلة أمة بالكامل حاكما ومحكومين.
وليس أقسى دبلوماسيا أن يخرج من تتفاوض معه تحت غطاء قمة رفيعة المستوى ويعلن عن تعبئة السد التي كان من المفترض للتفاوض أن يرتب لها، إنه إعلان يعني بالضرورة أن إثيوبيا لم تعد بحاجه للانتظار وأنها في التفاوض لحفظ ماء وجه الطرف الآخر وليست مستعدة للتنازل.

Facebook Comments