عندما ننظر بعين الفحص والتحليل إلى المشهد التونسي نجد أن الرئيس قيس سعيد الذي جاءت به قوى الثورة التونسية إلى الحكم وعلى رأسها حركة النهضة بزعامة الشيخ راشد الغنوشي، يجري انقلابا سياسيا هادئا يستهدف به الانفراد بالسلطة عبر تطويع تأويلات لنصوص الدستور يريد منها منحه صلاحيات استثنائية في ظرف غير استثنائي.

وفي مقاله "تونس: جولة ثانية من معركة الرئيس ضد "النهضة" والبرلمان"، يرى الكاتب والمحلل السياسي صلاح الدين الجورشي، أن الرئيس قيس سعيد عندما سلّم رسالة تكليف إلى هشام المشيشي لتشكيل الحكومة الجديدة، مساء السبت الماضي، قال في كلمته القصيرة: "نحترم الشرعية ولكن آن وقت مراجعتها حتى تكون بدورها تعبيراً صادقاً وكاملاً عن إرادة الأغلبية".

وبحسب الجورشي، فقد بدأ سعيّد فعلاً هذه المراجعة عندما تجاهل كل الأسماء المقترحة من الأحزاب، التي قضت أياماً في البحث والتشاور لاختيار الشخصية الأجدر لتولّي رئاسة الحكومة، وعيّن في المقابل شخصاً قريباً منه، لم يكن اسمه وارداً. لم يكن ذلك من باب الصدفة، بل تمّ بوعي حين عمد سعيّد إلى تجاهل مقترحات الأحزاب، رافضاً بوضوح التعامل إيجابياً مع البرلمان، في رسالة مبطنة مفادها عدم استعداده للتنازل عن أي صلاحية من صلاحياته، لمن يعتبرهم غير ممثلين حقيقة لإرادة الشعب التونسي، رغم انتخابهم من قبل المواطنين قبل أقل من سنة.

ويشرح الجورشي ذلك بأن تأويل الرئيس يكاد يتفرّد به في تونس، لأنه يعتبر الديمقراطية التمثيلية تزييفا ومنظومة تجاوزتها حركة التاريخ. بناء عليه قرر أن يهمّش الأحزاب، مجهّزاً الأرضية لدفنها تدريجياً، ويعتمد في ذلك على شرعيته الانتخابية التي لا تزال استطلاعات الرأي تؤكدها رغم تراجع نسب المؤيدين له، إثر خسارته نحو 10 نقاط بعد تسعة أشهر من ممارسته السلطة.

تجاوز للدستور
وتعتبر الطريقة التي اعتمدها سعيّد لتعيين المشيشي مثيرة للجدل، ويراها البعض تجاوزاً لمقتضيات الدستور. فاستناد سعيّد إلى الفصل 80 الذي يسمح لرئيس الجمهورية بتعيين رئيس حكومة جديد تحت ظرف "خطر داهم"، يفسّره البعض بكونه تأويلا غير دقيق للدستور، نظرا لتضمنّه تجاوزاً صريحاً للصبغة البرلمانية للنظام الذي تم اختياره من قبل المجلس الوطني التأسيسي (2014)، وهو ما تم تثبيته في الفصل 89، الذي ينصّ على أن الحكومات تنبثق عن البرلمان وأن الحزب الأول هو الذي يختار رئيس الحكومة، وأن رئيس الجمهورية ملزم بإجراء مشاورات مع هذا الحزب. غير أن سعيّد قفز عن هذا المسار، ولم يأخذ بعين الاعتبار موازين القوى الحزبية، بل اتجه نحو تشكيل حكومة الرئيس بامتياز.

ويتوقع البعض أنه سيتعامل مع المشيشي كوزير أول وليس كرئيس حكومة بجميع صلاحياته الدستورية. ولرئيس الجمهورية الحق في الإشراف على الحكومة وتسييرها. ويعني هذا أن النظام السياسي خضع لتغييرات كبرى من دون أن يتم الاتفاق حول محتوياتها وآلياتها.

القطيعة مع "النهضة"
الأمر الآخر الذي أصبح واضحاً جداً بحسب الجورشي يتعلق بالقطيعة القائمة فعلياً بين رئاسة الجمهورية وحركة النهضة. لا يخفي سعيّد رغبته في تقليص حجم ودور رئيس البرلمان، رئيس الحركة، راشد الغنوشي، وسعيه الدؤوب نحو شطبه وإخراجه من المشهد السياسي، مستغلاً دعوات أطراف عديدة طالبت بسحب الثقة منه في رئاسة البرلمان.

ويفسر "الجورشي" ذلك أنه في اعتقاد الرئيس التونسي، أن حركات الإسلام السياسي تتجه نحو الانقراض، وأن مسارها مناهض لحركة التاريخ، وأنها تستثمر أوضاعاً سيئة، وتستفيد من نظام سياسي أصبح في حاجة عاجلة للمراجعة و"التصحيح".

ولمزيد من التوضيح يضيف "الجورشي" أن الرئيس لم يصرح بذلك حتى الآن، لكن بالعودة إلى مواقفه ورؤيته للأشياء، يتبين من خلال خطواته وتوجهاته السياسية أنه يتعمد حشر حركة النهضة في زوايا ضيقة، ويسير بنسق متسارع نحو تثبيت أولويته بالشرعية الحقيقية، وأن النهضة وبقية الأحزاب تتحرك في مجال لا يعكس حقيقة توجهات الرأي العام. وهو ما فهمه رئيس الحكومة المستقيل إلياس الفخفاخ حين عمد إلى إقالة وزراء النهضة رغم أن حكومته أصبحت حكومة تصريف أعمال.

ضبابية وترقب
في ظل هذا الوضع المضطرب جداً، يحاول المشيشي التحرك نحو تشكيل حكومته، وينتظر الجميع التعرف على المنهجية التي سيسلكها، وما إذا كانت حكومته سياسية مدعومة بكفاءات أم ستكون مصغرة ومؤلفة من تكنوقراط؟ هذا الأمر سيكون محدداً لمعرفة طبيعة المرحلة المقبلة، فالأحزاب تنتظر المؤشرات الأولى لمعرفة اتجاه الريح لتحديد موقفها السياسي.

في هذا السياق بدأت بعض الأحزاب، مثل حركة الشعب والتيار الديمقراطي، بالدفع نحو تشكيل حكومة سياسية تضم حزب قلب تونس، شرط استبعاد حركة النهضة، وإن كان أحد كوادر التيار الديمقراطي، محمد عربي الجلاصي نفى ذلك بقوله إن حزبه "لم يطالب بحكومة بلا حركة النهضة، بل بحكومة غير قابلة للابتزاز". وهو موقف لم يستسغه البعض نظراً لإصرار هذه الأحزاب من قبل على اتهام قلب تونس بالفساد. مع العلم أن التنسيق متواصل بين الغنوشي ورئيس قلب تونس، نبيل القروي. لكن صيغة تشكيل حكومة خالية من حركة النهضة تبقى مجرد فرضية مقترحة، وإن كانت تقف أمامها عراقيل كثيرة.

وبحسب "الجورشي"، يمكن أن تصبح هذه الصيغة واردة في حال قررت حركة النهضة الانتقال من المشاركة في الحكم إلى المعارضة بعد أن تعددت خلافاتها السياسية مع أطراف عديدة، وهو اختيار ستكون له تبعات عديدة على أكثر من صعيد. غير أنه رغم عدم ثقة النهضة في رئيس الدولة، إلا أن خطتها الحالية لا تتضمن الدخول في مواجهة مفتوحة وعلنية ضده، لكن المناورة ستكون هي الأسلوب المعتمد إلى أن تتضح الرؤية ويتغير المشهد كلياً. حتى الآن، يمكن توقع ألا تسعى حركة النهضة والأحزاب المتقاطعة معها نحو عدم منح الثقة لحكومة المشيشي.

Facebook Comments