وفي البدء سجدة..

دماء.. دماء.. دماء.. قتل، تشريد، هدم للبنيان، وسحق للإنسانية ووأد للكرامة..

وقف “ثائر” يلملم خيوط الدموع المنهمرة على خديه كفيضٍ أقسم ألا يغيض. كان يحاول أن يرى بصيصًا من الضوء حتى يدرك عقله ولو القليل مما يحدث، فيتخذ قراره إلى أين يذهب أو كيف يتجه؛ فقد بدت الطرق كما لو أنها ملتفّة حول عنقه متعامدة بعضها على بعض بعد أن سارت في خطوط دائرية أولًا لتزيد من حدة الاختناق والتيه أمام أعين هي بالأساس زائغة تتمايل الدروب أمامها من فرط ما يملؤها من ماء، ومن قسوة ما يظهر أمامها من دماء.

لم يكن من المعقول بل إنه من السفه والجهالة أن يذهب ليضع رقبته تحت سيوف الباطل لتحصد رأسه كما فعلت مع الآخرين، وإن كان هذا أحب إلى قلبه من بقائه وحيدا يبكي أحبته ورفاق دربه، ولكنه تمالك أمر نفسه سريعا واستعاد عافية عقله وأدرك أن بقاءه حيًّا مسئولية على عاتقه عليه أن يبذل الجهد من أجل إنجاحها، ومن بعدها سيبدأ دوره ومهمته في الحياة في البلورة على نحو قد لا يكون في خاطره أو إدراكه من قبل.

*****
دوّنت ذاكرة “ثائر” بشكل من العسير محوه كل ما مرّ أمام عينيه من تضحيات قُدمت ودماء سالت وجهود بُذلت.. في حين استصغر أمام هؤلاء الأبطال ما أداه هو، فقد رآه لا يرقى بعد إلى معنى المعركة القائمة ولظاها المستعر.. في الوقت نفسه كانت طاقته على العطاء والبذل ما زالت على أشدها متقدة لم تهتز من هول ما رأت، ولم تخفت أو يفت فيها جبن أو خوف. ومن ثم فقد عانى وحده أشد ما يعانيه البشر.. فبداخله أسى ولوعة وألم على ما رأى من مُلمِّات ونوازل، يتعاضد معهم فخره وفي بعض الأحيان غبطته لأبطال بواسل لمس عن قرب عظيم تضحياتهم وفناء ذواتهم في قضيتهم، ومع كل هذا عنده حماسة عارمة على العمل ومواصلة المسير.. يدور كل هذا في فلك من الحيرة والقلق والاضطراب.

حالة نادرة يقف فيها “ثائر” فجأة؛ فلم ينفض الصحب من حوله لعزوف منهم عن الطريق، أو لخلافات بَنَتْ حواجز بينهم تحول دون التواصل أو المؤانسة.. وإنما كان الأمر أكبر من كل هذا.. فقد أصابت أجسادهم رصاصات الغدر فأسكنت فيهم قلوبهم المتحفزة المقبلة على العمل، وأنهت سعيهم وركضهم إلى الأبد.. لكنها أخلدت في العالمين ذكراهم.. وأسلمتهم إلى حياة أخرى غير الحياة؛ حياة ليس فيها سوى جني الثمار والسعادة والهناء بلا شقاء، وإن كانت نفس تلك الرصاصة قد أورثت من بعدهم الهمة في استكمال المسير.. ومعنى العهد على البقاء في ميادين السعي والبذل.. فإما فلاح وجني الثمار، وإما اللحاق بركب الخالدين السابقين.

ومع إطلاق العهد يكون القلق من معرفة سابقة بالنفس وحظوظها في الحياة، وسابق ماضٍ لها تحاول فيه التلصص لسرقة إخلاص الطريق، وضعف وفتور وخور زائرين من آن لآخر.. لا يملون من طول الدفع بالأبواب، وإنما يعاودون دوما الإقبال يحدوهم في ذلك استقبال حافل ما بين الحين والآخر.. فيبنون عليه، ويأملون دوما في احتفاء مماثل وأوبة لهم من جديد.

تباغته ابتسامة حتى تسطو على وجهه وتملؤه دون سابق إنذار أو بادرة استئذان منه، لكنها تكتب على جبينه معنى لأمل جديد مشرق مرتقب، هو فيه له دور البطولة صانعا له وحاملا لشعلته يضيء بها العتمة للجميع، فهذه الكرة الملتهبة التي انقذفت بين يديه فرآها للوهلة الأولى جمر المؤمن الذي يقبض عليه، ها هو يراها الآن بعد أن انحسرت مدامعه شيئا ما، يراها شمسا جديدة وكأنها سطعت في منتصف الليل بعد أن أغلق الكثيرون أجفانهم وظنوا أن الليل سيطول.. فإذا هي الشمس تشرق من بين يديه هو لتجبره على أن يحملها إلى مدارها ليستضيء بها المكلومون والحيارى.

كان “ثائر” قبل هنيهة قد بث حزنه وشكواه في سجدة، وفيها أودع ارتباكه وحيرته ودهشة الطفل التي باغتته وكأنه عينان انفتحتا على العالم لأول مرة، فأبصرتا ما لم يكن في توقعهما من قبل، في السجدة نفسها استودع الأمل الوليد بداخله، وواجه مشاعر الواجب والمسئولية بعقل وقلب ثابتين لا يعرفان الفرار.

بكى بكل ما بوسعه من أدمع، وتحدث هناك دون مواراة أو خجل. إنها حرقة القلب الذي خشي أن ينصب ميدان العمل ولا يعرف أين هو، ولا يتم توزيع دور له مع الأدوار، أو أن تصطف الصفوف وهو عنها بعيد. إنه تطاول العنق الطموح الذي يرى ألا مفر من اعتلاء الأسوار الشاهقة المنيعة للمعركة المحتدمة، بل واجتيازها بثبات، في حين أنه ما يزال عند الأعتاب واقفًا.

وعند السجدة لم ينس “ثائر” أن يقترب، فأطال وأطال، وكأنه في ذلك رحالة قد أقلع من مرسى الصخب والحيرة يبتغي الوصول إلى مرفأ الطمأنية والسلام، وفي الرحلة كانت الدموع مجاديف والدعاء والضراعة وبث الشكوى هي السفينة، فأبحر وأبحر.. ولم يقنط من الوصول، رغم أن الرحلة شاقة، وجلب قلب مُعْسِر من وسط العواصف العاتية والريح الهادرة لم يكن بالأمر الهين، ولكن “ثائر” كان مصرا موقنا، كما أنه كان مشفقا أن يترك قلبه السقيم هناك معلقا كدمية شاخصة تشغل حيزا بلا مهمة أو وظيفة.. فكل ما مرّ به كان جديرا بقتل خصائص البراءة والطيبة ومحبة الآخرين بداخله، واغتيال تلك البراءة، وهذه الطيبة جرم لو تعلمون عظيم، ومن ثم سعى الرحالة لاستنقاذ قلبه من تلك الشدة حتى يخرج منها كما دخل، أو ربما أفضل حالا، لم يكن بالأمر الهين اليسير، ولكن من ألطاف القدر أن الدواء كان متاحًا والرحمة قريبة لمن سعى وسجد واجتهد حتى يقترب.

*****
انقلب الحزن فرحة من سجدة، وانبجست تحت الجبهة مدارات متسعة لا نهائية من الطرق الممتدة الواضحة، وانحسرت دموع الألم والكآبة والأحزان، وتدفقت ينابيع دموع الطمأنينة والسكينة والسلام.. غابت وحشة فقدان الصحب والخلان، واستأنس القلب من حيث لم يدرِ أو يحتسب، وزاد على ذلك بأن صاحب في طريقه نبراس الماضي التليد، وهمة الفكر والبذل والعمل.. سرى دفء السجدة في نفسه كدثار التحف به طفل معوز كليم.

لم تعالج السجدة قلبًا متألمًا فحسب، ولم تستنقذ تائهًا من وسط الصحراء الموحشة الفتّاكة وفقط، ولم تهدئ روعة متأوه كاد الحنين والشكوى أن يقتلاه، وإنما قبل وبعد كل ذلك فقد استولدت “ثائر” من جديد، فتحت له دروبا من العمل كاد ينفطر لفقد أبسط منها، فإذا بالآفاق تمتدّ أمامه، ليأخذ لنفسه موقعا في ميدان المهام الجسام والجنود الكرام.. إنها لحظة ميلاد جديد لا تُنسي ولا تُمحي.

تعلم “ثائر” من حينها أن يكون له ميلاد يتجدد عقب كل محنة وكل ألم، فيكون البدء بالسجدة لتضبط الطريق، وتنير عتمة الدروب، وتؤنس المستوحش وتمطر عليه من الرحمات والألطاف ما يظل يتزود منها قصرت الرحلة أو طالت.

ومن ثم فقد احتفظ ليس فقط بأثر تلك السجدة كونها الأشد نفعا له في محنته، والأبقى أثرا له في مسار حياته اللاحق، وإنما الأهم هو هذا الحبل المتين الذي ربطه بها دوما يئوب إليها كلما ادلهمت أمامه الخطوب أو تشابكت أمام عينيه المسالك والسُبل.. فيعود من لدنها كالغانم لكل بر.. وكالمطمئن الذي لم يصبه فزعٌ قط.

Facebook Comments