ثورة الريف المصري و"كتالوج" يناير

مع اكتمال أسبوعها الأول يمكن الحكم على المظاهرات التي تشهدها العديد من القرى والأحياء الشعبية المصرية بأنها موجة ثورية مكتملة الأركان، لا ترقى لكونها ثورة شاملة، ولكنها موجة مهمة على طريقها، وذات دلالات لا تخطئها عين على حجم الغضب الذي ظل مكبوتا في النفوس، حتى إذا فاض عن حده انفجر في وجه النظام، وأتاه من حيث لم يحتسب.

السمة الرئيسية لهذه الموجة أنها تأتي بشكل رئيسي من الريف المصري، وخاصة في الصعيد (أصحاب الجلاليب)، وهي مناطق كانت بعيدة عن ثورة يناير، ولم تلتحق بالثورة إلا بعد مرور شهرين على نجاحها (باستثناء أفواج من محافظات الصعيد شاركوا بشكل منظم في ميدان التحرير بالقاهرة).

والملاحظ أيضا أن هذه المناطق التي تشهد الموجة الحالية للحراك الثوري في مصر هي في معظمها من المناطق الأكثر فقرا، والأقل تنمية في مصر، وكانت ثالثة الأثافي هي تعرض أبنائها لتهديدات السيسي بهدم بيوتهم على رؤوسهم بزعم مخالفتهم قوانين البناء، وفرض إتاوات باهظة عليهم ليست في مقدورهم. ومع ذلك، فإن هذه المظاهرات لم تقتصر على الجانب المطلبي البسيط المتعلق بالمساكن، بل راحت تضرب مباشرة في رأس النظام مطالبة إياه بالرحيل، ومرددة هتافات ثورية ينتمي الكثير منها لثورة يناير، رغم أن غالبية المشاركين في هذه الموجة لم يشاركوا في تلك الثورة أو لم يكونوا قد وُلدوا بعد إبان الثورة، كما يظهر من أعمار الصبية المشاركين.

وبمناسبة الحديث عن الصبية فقد سعى البعض إلى تسفيه هذه التظاهرات باعتبارها مظاهرات صبية صغار (رغم أن الصبية جزء بسيط من المظاهرات)، متجاهلين أن أطفال فلسطين هم الذين أطلقوا شرارة الانتفاضة الأولى عام 1987 (أطفال الحجارة)، وهؤلاء الأطفال بلغوا الآن سن الرشد وأصبحوا قادة، وغدا يكبر صبية مصر ويصبحون قادة في وطنهم.

حار الكثيرون في تفسير هذه الموجة التي خرجت من حيث لا يحتسبون، والتي تحدت القمع الأمني الشديد الذي جعل الموت أو الحبس لفترات طويلة عقوبة لمن يشارك في أي مظاهرات سلمية. والحقيقة أن كسر حاجز الخوف جاء بعد أن طفح الكيل وبلغ السيل الزبي، وبلغت القلوب الحناجر، وأصبح الحبس أو حتى القتل يستوي مع الحياة البائسة لدى هؤلاء المتظاهرين، فلم يعد في قوس الصبر منزع، ولم يعد لفائض الغضب مكان. وقد ساعدتهم أيضا الرخاوة الأمنية التي تميز قراهم ومناطقهم، على عكس التركيز الأمني على القاهرة والمدن والميادين الكبرى.

استمرار المظاهرات على مدى أسبوع كامل (بدأت يوم 20 أيلول/ سبتمبر ولا تزال مستمرة حتى الآن) هو أمر جديد على الساحة المصرية خلال السنوات الثلاث الأخيرة على الأقل، بعد اختفاء مظاهرات أنصار الشرعية التي استمرت منذ وقوع الانقلاب في تموز/ يوليو 2013 وحتى منتصف العام 2017، حيث تعرضت لقمع شديد، تسبب في قتل الكثير من النشطاء، واعتقال المئات الآخرين، وإجبار الكثيرين منهم على الفرار خارج مصر، وبالتالي فحين تنطلق موجة تظاهر جديدة، وتستمر أسبوعا بعد هذا الانقطاع، فإن ذلك يعد تطورا مهما في الساحة المصرية الراكدة، وهو ما لم تستوعبه عقول الكثيرين – خاصة بعض نشطاء ثورة يناير – والذين يتصورون أنهم يحتكرون صكوك الثورية، ومفاتيح العمل الثوري، فراحوا يشككون في المظاهرات، وعفويتها، وشعبويتها، وهتافاتها، ويحاولون التقليل من شأنها، أو إلصاقها بجماعة الإخوان المسلمين التي لم تكن بين الداعين لها. ويبدو أن هؤلاء النشطاء لم يصدقوا أن الشعب يمكن أن يتظاهر أو يتحرك بعيدا عنهم، ودون أن يحمل الكتالوج ذاته الذي يدعونه للثورة الناجحة!!

إذا كانت ثورة يناير قد انطلقت واعتصمت في قلب القاهرة (ميدان التحرير) مباشرة، فإن الموجة الحالية تأتي من الأطراف لتزحف بشكل متدرج إلى القلب، في مشهد يذكرنا بما حدث في ثورة السودان، حيث انطلق الحراك من عطبرة شمالا، وراح ينتشر في العديد من المحافظات الأخرى قبل أن يصل إلى الخرطوم في نهاية المطاف.

وبلغت الموجة الحالية ذروتها يوم الجمعة 25 أيلول/ سبتمبر التي حملت وصف "جمعة الغضب"، في استحضار لجمعة الغضب يوم 28 كانون الثاني/ يناير 2011 (وإن لم تكن بحجمها رغم اتساع رقعتها). ويبدو أنها في طريقها للاستمرار وصولا إلى ذروة جديدة الجمعة المقبلة، ووصولا إلى ذروة أكبر يوم 6 تشرين الأول/ أكتوبر الذي يمثل ذكرى انتصار أكتوبر 1973، إذا لم تتدخل الآلة الأمنية البشعة لقمع هذا الحراك، وهو ما يبدو أن النية تتجه إليه بعد حملة تشويه قادتها الأذرع الإعلامية وشارك فيها الأزهر وبعض الهيئات الأخرى، وكانت منها فبركة فيديوهات بشكل ممنهج من قبل الشركة الإعلامية المملوكة للمخابرات (المتحدة) كـ"فخاخ" للتشكيك في المظاهرات الحقيقية، ولضرب مصداقية القنوات المناهضة للنظام.

ظل النظام وأذرعه الإعلامية يعيشون حالة إنكار للمظاهرات في أيامها الأولى، ومارس النظام ضغوطا كبيرة على وسائل الإعلام الأجنبية لعدم التعامل مع هذه المظاهرات إلا بما يخدم رؤية النظام، حفاظا على وجود مكاتبها في مصر، ولكن التقدم التقني كسر هذا التعتيم الإعلامي، حيث أصبح كل شاب أو كل صبي يحمل هاتفا نقالا قادرا على تصوير المظاهرة التي يشارك فيها في أقصى قرية مصرية، ثم يقوم بنشرها على صفحته لتنقلها المحطات الفضائية الحرة فورا.

 وأمام هذا الفيض الإعلامي المنفلت من القبضة الأمنية اضطر النظام إلى الاعتراف جزئيا بالمظاهرات، بل أرسل رجاله إلى بعض المناطق المشتعلة لتهدئتها، وتقديم تنازلات جزئية لتهدئة الغضب الشعبي، حيث أصدر رئيس الحكومة قرارا بوقف هدم المنازل المخالفة لقانون البناء والمأهولة بالسكان، وتم تمديد مهلة التصالح حتى نهاية تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، ودفعت المخابرات المصرية حزبها الرئيسي (مستقبل وطن) للإعلان عن تقديم مساعدات عاجلة للمتضررين من قانون المصالحات بمبلغ مئة مليون جنيه. وكل ذلك بهدف تلطيف الاحتقان الشعبي، ولكن هيهات هيهات، فقد فك الشعب قيوده وكسر حاجز الخوف، ولن يعود إلى الوراء.
———–
نقلاً "عربي21"

Facebook Comments