إذا كانت الحرب هي الاستثناء في أي بلد، فهي القاعدة في كيان العدو الصهيوني؛ من رحمها ولدت العصابة المحتلة، وبمواقيتها يقسم التاريخ، ووفق نتائجها تُرسم ملامح المستقبل، ولخدمة أهدافها مدت السينما الصهيونية وأفلام إسرائيل اليد، وعلى الرغم من أن الصراعات لعبت هذا الدور الكاسح في كتابة تاريخ بني صهيون، يشكو العديد من النقاد السينمائيين من أن أرشيف أفلام الصهاينة يفتقر إلى ما يكفي من أفلام الحرب الملحميّة.

إن كان ذلك دقيقا، فإن جزءا كبيرا منه يرجع إلى حقيقة أن هذه الصناعة الخاصة بأفلام إسرائيل كانت تفتقر في سنواتها الأولى إلى الموارد والبنية التحتية اللازمة لإنتاج هذا الطراز من الأعمال الفنية، وهناك سبب آخر هو الواقع الذي يفسح مجالًا أرحب للأفلام الوثائقية من الأفلام الروائية.

وفي مهرجان سينمائي صهيوني يقام في القدس؛ سيتم عرض أفلام من مصر والمغرب وسوريا والجزائر وتونس والسودان، والعار هذه المرة مضاعف، لأنه يأتي بعد “صفقة القرن” واستخفاف الصهاينة والأمريكان بكل حقوق الفلسطينيين، والسؤال: كيف تزعم أنك مبدع وتدير ظهرك للجماهير التي تُجمع على رفض المحتل ورفض التطبيع؟!

صدى الصهاينة!

من جهتها، حاولت عصابة الانقلاب عن طريق أذرعها الإعلامية التملص من الخيانة، فنشر موقع “صدى البلد”، الذي تسيطر عليه وزارة الداخلية في حكومة الانقلاب، خبرًا بعنوان “سرقة إسرائيلية.. أفلام عربية تشارك في مهرجان سينما الشرق الأوسط”، وكتب تحته: “الجدير بالذكر أن إسرائيل معتادة على سرقة الأعمال الفنية العربية وعرضها هناك دون الحصول على ترخيص أو موافقة من أصحاب الأعمال الفنية”.

ولعصابة صفقة القرن مواقف للتطبيع باسم الفن، منها عام 2019، وهي فضيحة الخارجية الإسرائيلية عندما احتفت بافتتاح الفيلم السعودي “المرشحة المثالية” لمهرجان “سينما المرأة” الإسرائيلي، وتزامن ذلك مع العدوان الوحشي الذي شنته إسرائيل على غزة، وراح ضحيته مئات الفلسطينيين بين شهيدٍ وجريح.

من جهته قال إيهاب شيحة، رئيس حزب الأصالة: إن “ورقة التوت سقطت، والستار المسدول رُفِعَ؛ لتظهر عورة المطبعين، وينكشف تطبيعهم وعلاقتهم في الحرام مع الكيان الصهيوني، وكل ما بعد ذلك من مظاهر تتكشّف الآن ليست سوى مجاهرة بما كان يتم خلف الستار”.

وأكد أن “قطار التطبيع انطلق يوم زار أنور السادات هذا الكيان، وبدأت سيطرتهم يوم توقيع اتفاقية الاستسلام ومن يومها”، مضيفا أن “كل الحكام ونخبهم تتسابق للحاق به، حتى أصبح الحكام العرب جميعا في كفة واحدة مع نتنياهو”.

وأشار شيحة إلى أن “الجديد هو المشاركة النخبوية المثقفة في هذا العار التطبيعي”، مستدركا بقوله: “ولكن عندما تكون النخب الحقيقية في السجون، أو مبعدة ومطاردة، فمن الطبيعي أن النخب الفنية والثقافية صناعة الأنظمة، والتابعة تبعية كاملة لها، هي التي تتصدر، وهي من لا ترى غضاضة في التطبيع”.

ولفت إلى ما أسماه “التطور الأريب والجديد في مصر، بعد إعلان صفقة القرن وبيان الخارجية المصرية المرحب بها، لم نسمع صوتا واحدا لأحد المثقفين القومجيين يعلن رفضه لها”.

وأضاف: “لم نسمع صوتا واحدا من أهل الفنون والثقافة الذين اعتبروا يوما في عهد الدكتور محمد مرسي أن وزير ثقافة ليس يساريًّا هو تهديد لحريتهم”، متسائلا: “أين هؤلاء الآن من هذا العار؟”.

وختم شيحة بالقول: “كنت أظن كراهيتهم للإسلام السياسي فقط هو ما دفعهم لدعم العسكر، لكنهم في وحل أشد بصمْتهم، بل ودعم بعضهم للمتصهينين والصهاينة”.

سينما صهيونية

وروّجت أفلام فترة تأسيس “الكيان” للمفاهيم الصهيونية الرئيسية، مع التركيز بشكل خاص على هدف استقلال إسرائيل، والاحتفاء ببطولة المغتصبين الصهاينة باعتبارهم أبطالًا قوميين، مقابل السخرية من الفلسطينيين والقرويين العرب، الذين تنقصهم الخبرات القتالية، وافتقارهم إلى الحضارة والمدنية، وتصويرهم باعتبارهم امتدادًا للنازية الألمانية.

إجمالا تركز أفلام الحرب الإسرائيلية على التجارب الشخصية، وتسلط الضوء على المشاعر الفردية المتنوعة، لتقدم مزيجًا من الرعب والحسرة والفكاهة التي تصل أحيانًا إلى حد السخافة، حسبما يقول الإسرائيليون أنفسهم.

وكان بعبع النازية موضوعًا رئيسيًا في أفلام تلك الفترة، مثل فيلم “لا تخيفونا” من إخراج مائير ليفني، ويحكي قصة ميجا اليهودي الذي يلتقي سارة ويتزوجها بعد هروبها من النازيين الألمان، وفيلم “بيت أبي” من إخراج هربرت كلاين، ويروي حكاية اليهودي ديفيد هاليين الذي نجا من معسكرات الإبادة النازية!

وحتى بعدما انهارت أسطورة الجيش الذي لا يقهر، لم تتخل السينما الإسرائيلية عن محاولاتها لتجميل وجه الصهيونية، لكنها ركزت أكثر على قضايا تتناسب مع المرحلة الجديدة، وأبرزها الاحتفاء بواحة الديمقراطية الإسرائيلية في بحر متلاطم من الاستبداد العربي.

مع استمرار نوعية الرسائل التي تخاطب اللاوعي، وتحاول الترويج للمفاهيم العسكرية في ثوب ساخر، وحتى توظيف التعاطف مع المعاناة العربية، لتمرير بعض المفاهيم الصهيونية.

Facebook Comments