على طريقة ذهاب القاتل إلى أهل القتيل طالبًا مسامحته، حاملاً كفنه بين يديه، والتى يقوم بها إخوتنا فى الصعيد -سارعت رئيسة الحكومة النيوزلندية الشابة «جاسيندا أرديرن» تسترضى المسلمين، وتعلن أسفها التام على ما قام به مواطنها المجرم الذى أزهق خمسين نفسًا مسلمة وأصاب مثلهم فى مسجدين بمنطقة «كرايستريش» أثناء صلاة الجمعة.

الوزيرة الشابة (39 عامًا) والتي تولت الحكم فى أكتوبر 2017، إثر انتخابات حرة، فى بلد يمقراطى مستقر، يؤمن بالتعددية -تقدر المسئولية الملقاة عليها، وتخشى المحاسبة فضلاً عن حرصها على سمعة بلدها السياحى بالدرجة الأولى. من أجل ذلك عالجت الأزمة على الصورة المبهرة التى شاهدناها؛ حتى يطالب الشرق والغرب الآن بمنحها جائزة نوبل للسلام، وحتى نسى المسلمون «العاطفيون جدًّا» ضحاياهم، وانشغلوا بتقديم الشكر لتلك المرأة الذكية.

من الطبيعى فى المجتمعات المحترمة أن يسارع مسئولوها إلى معالجة الكوارث الطارئة، وهذا ما لا تخطئه أعيننا فى دول الشمال الأبيض، لكن أن تتحول الكارثة إلى مكاسب لا حصر لها لهذا المسئول ولبلده؛ فهذا ما فعلته «جاسيندا» النيوزلندية، ساعدها فى ذلك شعب لم يجرب الانقسام ولم تفسده الحروب. لقد تصرفت بشكل سريع والأزمة فى بدايتها، قبل تدويلها وتعدد الآراء حولها، وبدأت بعلاج الجرح، ولم تهدر وقتها فى تعنيف المتسبب فيه كما هو الحال فى بلادنا المتخلفة، وعلاج هذا الجرح استغرق كامل وقتها وجهدها، وهو ما أظهر إبداعاتها، حتى أثنى عليها القريب والبعيد..

يبدو أن للسيدة «جاسيندا» مستشارين لشئون الإسلام والمسلمين، أو أنها نفسها على علم بتاريخنا وحضارتنا وواقعنا؛ لذا جاءت حلولها كلها عاطفية، بخلاف سلوك الساسة التقليديين، والمسلمون -كما ذكرت- عاطفيون وفى الوقت ذاته عنيدون، فدخلت عليهم من هذا الباب؛ ارتدت الحجاب، وخطبت فى جمعهم بأحاديث النبى -صلى الله عليه وسلم- وانتقت -أو انتُقى لها- أقوالًا لا تقال إلا فى هذا الموضع، واستنفرت حكومتها وشعبها لحضور صلاة الجمعة، وتم تشكيل دائرة بشرية كثيفة استوعبت المسلمين فى ذات الموضع الذى قُتل فيه إخوانهم ، واحضتنت النساء النساء والرجال الرجال، وبكى الجميع حتى لم يعد أثر للدماء، وحتى قنع خطيب المسلمين فقال مخاطبًا تلك السيدة العبقرية « Thank you Jacinda » ولم يزد على ذلك.

وفى الواقعة دروس لمن يحكموننا وقد قسموا البلاد وآذوا العباد؛ إذ لم تأمر «جاسيندا» بإلقاء القبض على المئات من اليمين المتطرف ممن ارتكبوا الواقعة أو حرضوا عليها، ولم تشوه طائفة دون طائفة، بل لم تذكر اسم القاتل ولا صفته من الأساس، وهذا مسلك الحريص على سمعة بلده؛ فإن أى إساءة لمواطنيها سوف يكون لها صدى فى الخارج، كما لم تستعد طائفة على أخرى؛ حرصًا على الأمن القومى والسلم الاجتماعى لوطنها، وفى ذلك إطفاء مبكر للفتنة الطائفية. ولأنها جاءت إلى منصبها بالعدل فكان طبيعيًّا أن تكون حازمة فى حكمها على الأمور، خصوصًا إذا كان الأمر متعلقًا بالعلاقة بين المواطنين؛ إذ التمييز والتعصب من جانب الحكام يفسد الشعوب ويؤسس للتفرقة بين المواطنين.

ينتابك شعور الحسرة عندما تقارن سلوك هذه السيدة بسلوك من رسخ فى أذهان الدنيا أننا بلد العنف والتفجيرات، والسجون والمعتقلات، البلد المحاطة كنائسه بالدبابات خوفًا من عمليات الإرهاب المحتمل، البلد الذى لا تكف وسائل إعلامه عن بث لقطات الانقسام والفتنة من داخله. من أجل ذلك تنتظر «جاسيندا» وشعبها بروزًا دوليًّا لا يقل بحال عن دول كبرى، وننتظر نحن ترددًا فى الزيارة من قبل الآخرين، ومنعًا للاستثمار الأجنبى، وقطعًا للعلاقات الدولية بعدما صرنا على رأس البلاد المضطربة (ذات المخاطر الأمنية)، وهذا ما صنعناه بأيدينا.

ومهما قيل فى «جاسيندا»؛ من أنها «برجماتية» وأن ما فعلته (تمثيل فى تمثيل)؛ فإنها أدت دورها «السياسى» على أكمل وجه، وهكذا الإدارة الناجحة للدول. ولا أبالغ إذا قلت إنها أعطت الدرس لزعماء الدول الكبرى كى يحذوا حذوها، ولو فعلوا لخلا العالم من الأزمات، ولعمَّ الخير الإنسانية، بديلًا عن العناد والتعصب الذى يضر فاعله والمفعول به؛ فلا فرق إذًا بين أن يكون ما جرى «تسامحًا نيوزيلنديًّا» أو«برجماتية سياسية»، فى نهاية الأمر هو سلوك حضارى لا يشذ قيد أنملة عن سلوك الإسلام الذى يسعى بالبر إلى الجميع، لا يفرق بين اثنين من جنس الإنسان.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم