تختلف الوجوه، إلا أن المجرم واحد، كما تختلف فصول المسرحية إلا أن هدفها واحد، هذا هو حال مصر في عهد العسكر الذين حكموا مصر خلال عقود مضت، تآمروا خلالها على ثورة شعبية أسفرت عن رئيس مدني جاء باختيار حر، بعد أن حرقوا الأخضر واليابس في طريق هذه الثورة، حتى إن أحوال البلد لم تكن تختلف كثيرا عما هي عليه الآن، من قتل واعتقال واختطاف وإفقار للشعب وتدمير للاقتصاد، ونهب للثروات، حتى وإن اختلفت صور هذه الجرائم سواء كان العسكر يحكمون أم يقومون بدور الطرف الثالث.

“نفس الوش” وجرائم واحدة

لا يختلف مصري الآن بعد سبع سنوات من ثورة 25 يناير، أن عبد الفتاح السيسي هو المشير محمد حسين طنطاوي، في قتل المصريين وإفقارهم، والانقلاب على الثورة، خاصة وأن قصة الانقلاب بدأت مع المشير طنطاوي، فمنذ تولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحكم بعد الإطاحة بنظام حسني مبارك، وهو يشرف على خطة ممنهجة لقتل الثورة واحتوائها وتحويل مسارها والقفز على مطالبها الأساسية واختلاق المشاكل وإحداث نفور لدى الناس من الثوار، ويساعده على ذلك كتيبة من رجال الأعمال في الوطني المنحل، للسيطرة على مجريات الأمر في مصر.

ظل المجلس العسكري طوال فترة الـ16 شهرًا قضاها في سدة الحكم بعد الثورة مباشرة، يقول شيئًا ويفعل آخر تمامًا، فهو الذي وعد بنقل السلطة خلال ستة أشهر من توليه الحكم في مارس 2011 وهى المهلة التي انتهت بالفعل في سبتمبر من العام نفسه، ولم يتخذ العسكر حتى ذلك الوقت أي خطوة على طريق تسليم السلطة، إلى أن أجبره الضغط الشعبي لتحديد موعد لإجراء الانتخابات، حتى جاء الدكتور محمد مرسي رئسًا مدنيًا لمصر.

خائن جديد

ويعاقب المجلس العسكري الشعب المصري الذي اختار رئيسًا مدنيًا، بتغيير الوجوه، والتخطيط مجددًا عن طريق خائن جديد، ليبدأ في الانقلاب مجددًا على الثورة من خلال اختطاف الرئيس محمد مرسي، والاستيلاء على الحكم.

في الوقت ذاته نقض المجلس وعده بعدم إحالة المدنيين إلى المحاكمات العسكرية، وأصر على الضرب بيد من حديد على كل من يخرج على السياق الذي رسمه، وبدأ مع المسيحيين في أحداث ماسبيرو، أحال المجلس على إثرها عدة ناشطين إلى المحاكمات العسكرية، ولكن تحت ضغط شعبي أحال “العسكري” المعتقلين في أحداث ماسبيرو إلى الناية العامة، وهو نفس الأسلوب الذي كان يتبعه نظام المخلوع مبارك فى الأزمات.

جرائم مستمرة

منذ تولى المجلس العسكرى للحكم زادت حمامات الدم فى مصر، حيث أسفر تدخل قوات الشرطة العسكرية فى مواجهة المتظاهرين عن استشهاد مئات المواطنين، بدأت بسقوط 7 شهداء فى اعتصام 8 إبريل 2011، مرورا بأحداث ماسبيرو، وآخرها أحداث العباسية، وترافقت كل الأحداث بسقوط آلاف المصابين، كما اعتمد العسكر فى حكمهم على قمع المظاهرات والاعتصامات، واستخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين السلميين، وقتل العشرات من المدنيين العزل، والاعتقال التعسفي.

وكشر المجلس العسكرى عن أنيابه وقامت قوات من الشرطة العسكرية، وبدون سابق إنذار، بالهجوم على معتصمى التحرير بالهراوات والعصى الكهربية ومطاردتهم فى الشوارع، في أحداث محمد محمود.

واستغل العسكر ثورة يناير في الاستيلاء على مباني أمن الدولة، وقام بفرم المستندات التى بحوزتهم، وتحت مرأى الجيش الذى تدخل متأخرا حتى تم حرق وفرم معظم المستندات، وحاول بعدها الشباب وقف فرم الوثائق إلا أن قوات الجيش تصدت لهم واعتقلت عددا منهم وتعدت على آخرين.

وبلغت جرائم العسكر ذروتها فى عصر يوم 9 مارس؛ حيث قامت قوات الجيش بفض اعتصام ميدان التحرير باستخدام القوة وذلك بمشاركة عدد من البلطجية؛ حيث تم تحطيم الخيام التي يستخدمها المعتصمون بالميدان، وقامت الشرطة العسكرية وضباط من الجيش بالقبض على العشرات منهم بشكل عشوائى، وتم نقلهم إلى إحدى الوحدات العسكرية؛ حيث جرى التعدي على الشباب بالضرب، وتم التحرش بالفتيات وإجراء كشوف العذرية عليهن من خلال عبدالفتاح السيسي مدير المخابرات الحربية وقتها.

وفى يوم 9 أبريل 2011 قامت الشرطة العسكرية باستخدام الرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع لتفريق المعتصمين فى ميدان التحرير، فى اليوم التالى من مشاركتهم في مليونية “جمعة التطهير والمحاكمة” 8 إبريل، والتي طالبت بإنشاء مجلس رئاسي مدني عسكري يدير البلاد فترة انتقالية، وأسفرت هذه المواجهات عن سقوط شهيدين وإصابة 18 آخرين، فيما ألقت القوات القبض على 8 من ضباط الجيش الذين انضموا إلى المتظاهرين معلنين تضامنهم مع مطالب الثورة، فيما عرفوا بعد ذلك بضباط 8 أبريل.

ويوم 16 مايو2011، فضت قوات من الشرطة العسكرية مظاهرة أمام السفارة الصهيونية فى ذكرى النكبة، ما أدى إلى إصابة الكثيرين، منهم مصابون برصاص حي، كما ألقى القبض على عدد كبير من المتظاهرين ونقلهم إلى السجن الحربي.

كما اعتدت الشرطة العسكرية فى 28 يونيو 2011على أسر الشهداء فيما عرف بأحداث “مسرح البالون”، وندد المجلس القومى لحقوق الإنسان بالحادث، وأكد أن قوات الشرطة استخدمت القنابل المسيلة للدموع بإفراط ضد المتظاهرين؛ ما تسبب في وقوع كثير من حالات الاختناق في صفوف المتظاهرين.

وتوجه المئات من المتظاهرين فى 23 يوليو 2011 نحو وزارة الدفاع لإعلان تضامنهم مع ضباط 8 إبريل الذين تم اعتقالهم وتحويلهم للمحاكمة على خلفية إعلانهم تأييد مطالب الثوار، ولمطالبة المجلس العسكرى بتحقيق مطالب الثورة.

إلا أن المتظاهرين فوجئوا بمجموعات من البلطجية يعتلون أسطح عدد من مبانى منطقة العباسية السكنية ويقذفونهم بالحجارة والمولوتوف، وهو ما أسفر عن سقوط شهيد ومئات المصابين.

واقتحمت قوات الشرطة العسكرية والأمن المركزى ميدان التحرير، فى أول أيام شهر رمضان المبارك2011، وقامت بتحطيم خيام المعتصمين، ومطاردتهم بنواحى الميدان وبساحة مسجد عمر مكرم، كما اقتحموا المسجد بالبيادات، وتم اعتقال عدد كبير، بمشاركة عدد من الأشخاص يرتدون زيًا مدنيًا يشاركون الجيش والشرطة في فض الاعتصام، واللواء عتمان يؤكد القبض على 111 ويتهمهم بالبلطجية.

احتشد آلاف المصريين أمام مبنى السفارة الصهيونية فى الجيزة، يوم الجمعة 9 سبتمبر احتجاجًا على مقتل جنود مصريين على الحدود الصهيونية المصرية في أغسطس 2011، وقاموا بهدم السور الإسمنتي للسفارة، وصعد مجموعة منهم إلى الطوابق التي تشغلها السفارة وأنزلوا العلم الصهيوني، ثم دخلوا السفارة وقاموا بإلقاء ما وجدوا فيها من مستندات من النوافذ.

قتل وتفريق مظاهرات

ثم بدأت قوات الشرطة العسكرية في التدخل وحاولت تفريق المتظاهرين بإلقاء قنابل الغاز، والرصاص فى الهواء، واستمرت الاشتباكات حتى فجر 10 سبتمبر2011.

وللمرة الثانية بعد الثورة توجه عشرات الآلاف من الأقباط إلى منطقة ماسبيرو في 9 سبتمبر للاعتراض على ما سبق من فض لاعتصامهم بالقوة قبل أيام؛ حيث فوجئوا بقيام عدد من مدرعات الجيش بمهاجمة المتظاهرين، وهو ما أسفر عن سقوط أكثر من 300 مصاب، واستشهاد 28 بين مصاب بالرصاص ومدهوس تحت عجلات المدرعات.

واقعة أخرى تحسب على قوات الجيش بعد أن قامت قوات من الأمن المركزي مدعومة بقوات من الشرطة العسكرية بهجوم متكرر على مئات المعتصمين معظمهم من أسر شهداء ومصابي الثورة في ميدان التحرير ثم إخلائه، قبل أن تتركز الاشتباكات فى شارع محمد محمود الذي بدأ الشباب في مهاجمته لتفادى هجوم الجنود عن طريقه، وتسببت أحداث محمد محمود عن سقوط 46شهيدا وآلاف المصابين نتيجة التعدى المتواصل على المتظاهرين بواسطة الخرطوش وقنابل الغاز.

واندلعت الاشتباكات بين معتصمي مجلس الوزراء الذين بدأوا اعتصامهم قبل أكثر من ثلاثة أسابيع رفضا لحكومة الجنزورى، وهاجمت قوات من الجيش المعتصمين وأحرقت الخيام، واعتلى عدد منهم مبانى تابعة لمجلس الشعب وقاموا بقذف المعتصمين بالرخام والطوب، فضلاً عن رشهم بالمياه، لتصل حصيلة ضحايا الاشتباكات التي يشهدها شارع قصر العينى إلى 18 شهيدًا و441 مصابًا.

كما شهدت بورسعيد حادثًا مأساويًا راح ضحيته 77 شهيدًا في ليلة دامية عاشتها مصر، وجاءت هذه الأحداث بعد تصريحات صادرة عن رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة المشير حسين طنطاوى التى قال فيها: “إن هناك فئة من الشعب ارتكبت هذه الجرائم، والشعب كله يعلمهم، ولا أعلم لماذا يسكت عليهم الشعب؟”.

وبعد الانقلاب

لا تختلف منظمة حقوقية أو هيئة مستقلة على الجرائم التي يقوم بها العسكر بعد الانقلاب العسكري، حيث شرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” تقريرًا جديدًا عن جرائم نظام الانقلاب خلال عام 2017 يؤكد استمرار نظام العسكر في ممارسة الانتهاكات ورفض أية معارضة، خاصة في ظل قوانين قمعية، على رأسها قانون الجمعيات الأهلية الذي قد يقضي على المنظمات المستقلة، وحالة الطوارئ، فضلا عن إفلات قوات الأمن من العقاب على انتهاكاتها، بدعوى مكافحة “الإرهاب”.

وأشارت “رايتس ووتش” في تقريرها، لاعتقال قوات الأمن لمئات المعارضين، وبالأساس من جماعة “الإخوان المسلمين”، مؤكدة أن “جهاز الأمن الوطني” التابع لوزارة الداخلية بحكومة الانقلاب مارس الاحتجاز التعسفي والإخفاء والتعذيب بحق الأفراد، كما أن هناك حالات كثيرة “لما يبدو أنها أعمال إعدام خارج نطاق القضاء” كما وصفها التقرير، ومنها قتل أشخاص كانوا محتجزين في مشاهد “تبادل إطلاق نار” تمثيلية، وووضع مئات الأفراد على قوائم الإرهاب، ومصادرة أموالهم على خلفية صلات مزعومة بالإرهاب، دون مراعاة سلامة الإجراءات القانونية.

كما نوهت “رايتس ووتش” لفرض الحكومة حظرًا إعلاميًا على عملياتها الخاصة بمكافحة الإرهاب في شمال سيناء، واستمرار النيابات العسكرية في إرسال مئات المدنيين لمحاكمات عسكرية في قضايا متصلة بالمعارضة السياسية، وتمديد قانون صدر عام 2014 لخمس سنوات، وهو القانون الذي وسع من نطاق أسباب محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية بشكل غير مسبوق. بين أكتوبر 2014 وسبتمبر 2017، حيث أرسلت السلطات ما لا يقل عن 15,500 مدني إلى محاكم عسكرية، بينهم أكثر من 150 طفلاً.

وأشارت لاغتيال 37 شخصًا على الأقل في النصف الأول من 2017. كما حكمت محاكم جنايات مصرية على أكثر من 800 شخص بالإعدام. وفي 2017، أيدت محكمة النقض 22 حكمًا بالإعدام على الأقل، وظل هؤلاء الـ 22 شخصا على ذمة تنفيذ العقوبة، فيما أصدرت المحاكم العسكرية أكثر من 60 حكمًا بالإعدام على مدنيين منذ يوليو 2013، وفي 2017 أيدت محكمة الاستئناف العسكرية العليا 19 حكمًا إضافيًا بالإعدام تم تنفيذهم لاحقًا ليرتفع عدد المدنيين الذين أعدموا بعد محاكمات عسكرية إلى 25.

كما أشارت لاستمرار اعتقال 70 ألف مصري في سجون الانقلاب تحت وطأة التعذيب بالكهرباء والضرب والمنع من العلاج، فضلاً عن الاختفاء القسري والحبس الانفرادي وتصفية المعتقلين.

وتناولت المنظمة جرائم العسكر التي راح ضحيتها الآلاف من الشهداء الذين راحوا ضحية فض اعتصام ميداني رابعة العدوية والنهضة، فضلاً عن تصفية المتظاهرين في الشوارع خلال 5 سنوات كاملة من زمن الانقلاب العسكري.