أيًّا ما كانت الجهة التى ارتكبت جريمة معهد الأورام، وأيًّا ما كان «السيناريو» الذى نُفذت به –فإن النظام العسكرى الحاكم يتحمل مسئوليتها، سواء هو الذى ارتكبها لحاجة فى نفسه -وهو أمر ليس مستبعدًا- أو تنظيم إرهابى- كما ادعت الداخلية- قد نفذها بالخطأ، أو نتيجة إهمال- كما جاء فى أول تصريح رسمى عن الحادث.
فى كل الأحوال الجريمة معلَّقة فى رقبة النظام، وهذا عدلٌ لا شطط فيه؛ فلو برئ من سيناريو تنفيذها بيده وتحت سمعه وبصره فلن يبرأ منها إذا أخذنا بسيناريو الإهمال وأن خزانات غاز أو وقود انفجرت داخل المبنى وسببت كل ما وقع. ولو صدقناهم وسلَّمنا بسيناريو التنظيم الإرهابى المزعوم فإن النظام أيضًا يحتمل وزرها؛ إذ قصَّر فى الرقابة وضبط الأمن؛ ما أنتج خللاً سمح لهؤلاء «الإرهابيين» باختراق كل الارتكازات الأمنية وتنفيذ جريمتهم فى أكثر مناطق العاصمة ازدحامًا وحيوية.
والأرجح -فى نظرى- أن هذه الجريمة من ترتيب النظام؛ فعلها إما ليغطى على الذكرى السنوية لما جرى فى رابعة (الأربعاء 14 أغسطس 2013) أو ما جرى بعدها من مجازر (الجمعة 16 أغسطس 2013) وفى نيته تنفيذ (ضربة استباقية) لتوريط الخصم العنيد فى جريمة تؤلب عليه الشعب بدلاً من التضامن معه، وهذا تقليد معروف فى فكر العسكر منذ الخمسينيات (التغطية على أحداث جاذبة لاهتمامات الناس بتفجيرات مدروسة لمزيد من الإلهاء وصرف النظر عنها). يؤكد هذا السيناريو تلك التحذيرات التى أطلقتها دول أوربية سفاراتها قريبة من مكان الحادث، أوقفت على إثرها رحلاتها الجوية إلى مطار القاهرة ومطارات محلية أخرى؛ كأن هذه الدول على علم بما سيقع، زمانًا ومكانًا.
وهناك تأكيدات أن تلك المنطقة -والمعهد داخلها- مستهدفة منذ زمن لبيعها ضمن مناطق أخرى إستراتيجية تطل على نيل القاهرة، وقد خططوا من قبل لعملية إخلاء المعهد لكن لم ينجحوا بسبب الضغوطات الشعبية؛ إذ ادعوا قبيل الثورة أن عدة طوابق من المبنى آيلة للسقوط ما يحتم إخلاءه، لكن لم يُخلَ المعهد وظل يؤدى رسالته حتى الساعة.
أما قصة أن سيارة (قالوا فى البداية ماركة كيا ملاكى مسروقة بدون لوحات، ثم عادوا وقالوا ميكروباص) اخترقت الحواجز وسارت فى الاتجاه المعاكس فهو أمر لا يقبله إلا ساذج أو مجنون، خصوصًا أن العبد لله يمر على المنطقة قائدًا سيارته بشكل شبه يومى، وأعلم بالتالى مسارات المرور بها؛ فالمار أمام المعهد من ناحية الكورنيش يسير فى حارة واحدة باتجاه واحد (إلى حلوان)، أما الاتجاه المعاكس فيمر خلف المعهد (ناحية فم الخليج) إلى قصر العينى ووسط القاهرة؛ أى الاتجاهان ليسا متجاورين، إنما يلتقيان أمام سور مجرى العيون؛ فالقول بقدوم سيارة من الاتجاه المعاكس كمن يقول السيارة جاءت من السماء -إلا إذا كانت هناك يدٌ أدخلت هذه السيارة من الاتجاه الطبيعى ثم -لحبك السيناريو- رتبت بليل لتغيير اتجاهها وهى فى نفس مكانها؛ ليبقى هذا الإجراء دليلاً يدين الفاعل ويؤكد سهوه، بل غباءه، مثل سائر المجرمين.
ونذكِّر للمرة المائة بقيم الديمقراطية والعدل؛ فلو أن هناك ثقة لكانت هناك شفافية، ولكان هناك تضامن شعبى مع النظام، ولعلم الناس الحقيقة كاملة دون تزويق أو تلفيق، لكن لأننا نعيش رهنًا لنظام غير شرعى فإن الصورة ستظل قاتمة والكوارث تترى. فحتى كتابة هذه السطور تسمع تصريحات مترددة، وأرقامًا متناقضة، وإصرارًا على طمس الحقيقة، وترى تكبيلاً للإعلام فى التحرى؛ لفرض سيناريو بعينه يلِّحُون لإقناع الناس به، والناس صارت واعية، لا يغرها كثرة القائلين، خصوصًا أن ما جرى فى هذه الحادثة تكرار لما سبقها من حوادث؛ من حيث تصدير اتهامات جاهزة لفصيل بعينه قبل حدوث أى تحقيقات بما يخالف المنطق ويستخف بعقول المواطنين.

فبعد ساعات قليلة من وقوع الحادث، وبعد تضارب آراء (الجهات السيادية) فى السيناريو الذى سوف ستم تعميمه عن طريق جهاز «السامسونج!» اتهموا «حسم» بارتكابه، والتى نشرت هى الأخرى بيانًا ردًّا على هذا الاتهام نعت فيه الشهداء ونفت صلتها به. والمنطقى أن نصدق «حسم» ونكذب الحكومة؛ لأن مثل هذه المنظمات إذا ارتكبت حادثًا لا تتردد فى الاعتراف بذلك وإلا صارت وهمًا، بل إنها تفاخر بذلك وتعلنه على الملأ، حتى أن بعض الحوادث تعترف بها أكثر من جهة رغبة فى نيل شرف التنفيذ. فماذا هم فاعلون بعد أن أغلقت عليهم «حسم» الطريق؟
سيتم -غالبًا- افتعال حوادث أخرى ثانوية لكنها مثيرة ولافتة، تصرف النظر عن أمرين بدل أمر واحد. كان الغرض صرف النظر عن ذكرى «رابعة» والغرض الآن صرفه عن «رابعة» و«معهد الأورام»؛ ذلك المكان الذى يعد «مقبرة الأحياء»، وقد جاء هذا الحادث ليسلط الضوء عليه وعلى مرتاديه المساكين. ولو قدر الله لنا العيش لتحدثنا عن هذه المقبرة وعن المآسى داخلها، وعن العذاب الأليم الذى يلقاه المرضى وذووهم داخل تلك المؤسسة الحكومية المهترئة التى تئن تحت معاول الإهمال والفساد.

Facebook Comments