قديمًا قالوا فى المَثل “العلم فى الراس مش فى الكُرَّاس”، والمقصود بـ”الراس” هنا الشطارة والفهلوة والفكاكة واللعب بالبيضة والحجر، والقدرة على التصرف والمناورة عند التعرض لأى موقف، حتى فى حالة عدم وجود المعرفة الحقيقية، أما المقصود بـ”الكراس” فهو الدفتر أو الكتاب الذى هو المصدر الحقيقى للعلم والمعرفة.
وخلال افتتاح فعاليات مؤتمر «إفريقيا 2018» فى شرم الشيخ، قال قائد الانقلاب: إنه لا يعتمد على دراسات الجدوى؛ لأن العسكر لا يحتاجون لدراسات الجدوى، لأنهم يفهمون فى كل شيء، فهم أهل السلطة والإدارة والاقتصاد والسياسة، والمكرونة والصلصة والناعم والغريبة، وحلاوة المولد.
وقد اعترف الجنرال بتجاهله لدراسات الجدوى للمشروعات التي تمت في عهده، وأنه لو كانت هذه الدراسات عاملا حاسما ما تم إنجاز نحو ثلاثة أرباع هذه المشروعات.
ولكنه لم يعترف بحجم الدمار والخراب الذى أوقع فيه البلاد منذ الانقلاب العسكرى وحتى اليوم، فعلى سبيل المثال لا الحصر زادت الديون الخارجية والداخلية أضعاف الأضعاف، حتى أصبحت تمثل أكثر من 80٪ من الناتج المحلي، وزيادة أسعار السلع الضرورية وتدني رواتب الموظفين، وزيادة الفقر والبطالة وتفشى الأمراض، وخراب التعليم والصحة، ومع ذلك يتحدث عن مشروعات وهمية كان “يُخبيها” عن أهل الشر فى السابق!.
وإذا ذهبنا إلى إنجازات جنرلات الانقلاب الوهمية، نجدها فى بناء السجون والمعتقلات، وتكدس التلاميذ فى المدارس، فليس لدراسات الجدوى هناك حاجة، بعد كل هذا الفشل؛ لأن دراسات الجدوى وتحذيرات الخبراء كانت ترفض هذه المشاريع، لكن إصرار الجنرال على الاستمرار فى مسلسل الفشل، والإعلام المأجور الذى يروج لهذا الفشل وكأنه نجاح، للتغطية على الإخفاقات التى لازمت النظام الانقلابى فى كل مناحى الحياة، وبالتالى جاءت كل قرارات العسكر منذ انقلاب يوليو 1952 عكس توصيات دراسات الجدوى، ولنا العبرة في تفريعة قناة السويس الجديدة، والتى روج لها “إعلام فاهيتى” بأنها ستدر 100 مليار دولار!.
ويبرر أمام المؤتمر بأن النظريات الاقتصادية التي تعمل بها بنوك التمويل مستندة على قواعد علمية ويجب الالتزام بها، لكنها قد لا تنطبق على ظروف القارة الإفريقية، لو كنا تعاملنا وفقًا لدراسات الجدوى لحل المسائل في مصر، أتصور أننا كنا سنحقق 25٪ فقط مما حققناه من مشروعات؛ لأن العالم يسبقنا بسنوات طويلة، فهل سيسمح لنا بالتقدم سريعًا في ظل النظريات الاقتصادية والمالية المعمول بها في بنوك التمويل العالمية؟.
وضرب مثالاً لسرعة الإنجاز وعدم الاعتماد على دراسات الجدوى، بسرعة معدل الإنجاز في قناة السويس الجديدة والانتهاء منها في عام واحد بدلا من 3 سنوات.
والعجيب أن كل المشروعات الوهمية الفنكوشية، مثل حفر تفريعة قناة السويس، لم يكن لها أى فائدة ولا جدوى؛ لأن حركة التجارة العالمية فى تراجع، بالرغم من أنها تكلفت مليارات الدولارات وقضت على الاحتياطى النقدى، وقد اعترف قائد الانقلاب فيما بعد بأن القصد من التفريعة كان لرفع الروح المعنوية للشعب!.
وكذلك مشروع زراعة 1.5 مليون فدان، بالرغم من عدم توفر المياه اللازمة للزراعة، وفى ظل بناء سد النهضة الذى تسبب فى تبوير الأراضى الزراعية الموجودة، فضلا عن منع زراعة بعض المحاصيل المهمة كالأرز.
واليوم يشيّد عاصمة إدارية جديدة، وحسب تصريحات نائب وزير الإسكان لمتابعة المشروعات القومية، فإن مساحة المرحلة الأولى من مشروع العاصمة الإدارية الجديدة تقترب من 40 ألف فدان لتغطية المرافق السكنية والإدارية، بإجمالي تكلفة تقترب من 200 مليار جنيه.
والمصيبة والطامة الكبرى أن النظام الانقلابى مقتنع بأن هناك مشروعات وإنجازات، وأنه لا يحتاج إلى دراسات جدوى لأنها مضيعة للوقت، وهو من باع الأرض والعرض والجزر، وفرط فى حقوقنا فى مياه النيل، وباع الغاز لأعدائنا ونشتريه مرة أخرى، أين هى دراسات الجدوى، وهو صاحب نظرية يجب أن تكون المؤسسة العسكرية مصانة في الدستور كفكر استراتيجي، وتحصين المؤسسة العسكرية وصيانتها علم مش فكاكة!.

ولله در القائل الذى يصف أحوالنا وأحوال حكمامنا الذين يتنفسون كذبا:
إن كان البترول رخيصا
فلماذا نقعد في الظلمة؟
وإذا كان ثمينا جدا
فلماذا لا نجد اللقمة؟!
إن كان الحاكم مسئولًا
فلماذا يرفض أن يسأل؟
وإذا كان سُمُوَّ إلهٍ
فلماذا يسمو للأسفل؟!
إن كان لدولتنا وزن
فلماذا تهزمها نملة؟
وإذا كانت عـفطة عـنـز
فلماذا ندعوها دولة؟
إن كان الثوري نظيفًا
فلماذا تتسخ الثورة؟
وإذا كان وسيلة بول
فلماذا نحترم العورة؟!
إن كان لدى الحكم شعور
فلماذا يخشى الأشعار؟
وإذا كان بلا إحساس
فلماذا نعـنو لِحمار؟!
لا تحدثنى عن دراسات الجدوى ولكن حدثنى عن الفكاكة!.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments