"ودول هايجيبوا بيهم شيبسى ولا مولتو انا قولت الراجل دا دازمة وابن دازمة"، كان ذلك رد أحد أهل الصعيد على رشوة السفاح عبد الفتاح السيسي لأهل الصعيد لمنعهم من الانخراط في الثورة ضده، والتي تمثلت في قرار تخصيص 50 مليون جنيه من صندوق "تحيا مصر" لصالح ما يسمى بـ"برنامج تنمية الصعيد".

وكانت مصادر مطلعة قد تحدثت لـ"الحرية والعدالة" عن تقرير مخابراتي قُدّم للسفاح السيسي تحدث عن تنامي حالة الغضب وسط الشارع، واقترح إجراءات عدة منها وقف هدم المنازل بدعوى مخالفتها اشتراطات الترخيص، ووقف رفع الأسعار، والقيام بمبادرات على غرار إطلاق بعض المسجونين.

السفاح السيسي

وخلال الأيام الأولى من شهر سبتمبر 2020، تصدر هاشتاج #انزل_20_سبتمبر قائمة التفاعلات ضمن الأعلى تداولاً على "تويتر" في مصر، تلبية لدعوة الفنان ومقاول الجيش السابق محمد علي، للمصريين بالثورة على السفاح السيسي. كما حل هاشتاج #مش_عايزينك_يا_سيسي_وهنخلعك في المرتبة الثانية بعدما تصدر التفاعلات على مدار أسبوع، عقب تصريحات للسفاح السيسي أعرب فيها عن استعداده لمغادرة السلطة التي اغتصبها بالانقلاب على الرئيس الشهيد محمد مرسي إذا أراد الشعب منه ذلك.

وحظيت الدعوات بتفاعل كبير، حيث غرد فيه ناشطون غاضبون من القانون (التعديات) الجديد الذي أثار جدلاً واسعاً في مصر، بعد قرار حكومة الانقلاب بإزالة ما أسمته "التعديات" على الأراضي الزراعية المملوكة للشعب، والمباني المخالفة التي بنيت على مدار 10 سنوات تحت سمع وبصر الحكومات والمحليات وجنرالات الرشوة، بعد اندلاع ثورة 25 يناير. وخلال الأشهر الماضية عدد ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي إخفاقات السفاح السيسي على الأصعدة كافة، ورصد بعضهم حالة الاحتقان الداخلي للمواطنين التي تفاقمت خلال الأيام الأخيرة بعد قرارات رفع أسعار المواصلات العامة وخفض وزن رغيف الخبز ثم هدم المساجد ومنازل البسطاء بدعوى المخالفة.

شرارة الغضب وصلت وجه قبلي الذي بات يعاني أضعاف ما يعانيه أهل المدنية من شظف العيش والفقر والإهمال والمرض والقمع، واشتعلت الشرارة بعد قرار العسكر بمنع دخول القطارات القادمة من محافظات الصعيد إلى محطة رمسيس وإنهاء رحلات الصعايدة عند منطقة بشتيل التى تقرر إنشاء محطة قطارات الصعيد بها مما يحمل الصعايدة الكثير من الأعباء وتكاليف إضافية للمواصلات.

وقال ذراع السفاح السيسي "كامل الوزير" إن هناك مشروعا لإنشاء محطة قطارات الصعيد ببشتيل تبلغ مساحتها 57 فدانا، مشيرا إلى أن تعليمات السفاح السيسي صدرت بضرورة تخفيف الزحام من محطة مصر برمسيس، فيما قال مراقبون أنه تخوف من الكتلة الكبيرة لأهل الصعيد فيما لو قررت مؤازرة  الثورة في العاصمة القاهرة. أحد المواطنين المنتمين إلى الصعيد وجَّه رسالة غاضبة إلى كامل الوزير، وزير نقل الانقلاب، عقب قراره بعدم وصول قطارات الصعيد إلى محطة سكك حديد رمسيس وتوقفها بمحطة بشتيل.

فيما رد أحد أهل الصعيد عبر مقطع فيديو بالقول: "انت عارف الصعيد ده كام محافظة، تعرف إنه 55 مليون مواطن في مصر من الصعيد، اللي انت عايز تمنعهم من دخول محطة رمسيس". وواصل المواطن رسالته الغاضبة: "طلعولنا جواز سفر نروح بيه هناك بقى كأننا داخلين دولة تانية، ليه بتهزمونا الهزيمة السيئة دي، ماحدش قالك اللي بتقوله ده غلط؟ ماحدش عدل عليك وقالك ماينفعش كده؟".

ثورة الصعايدة

في كتابه “كل رجال الباشا” لمؤلفه الدكتور خالد فهمي، رئيس قسم التاريخ في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، تُبيّن أن العملية القتالية الأولى التي انخرط فيها الجيش المصري والذي تشكل حديثاً، تمثّلت في قتل المصريين، عندما اندلعت ثورة على سياسة التجنيد في العام ١٨٢٤، وكانت المقاومة الأشد فى الصعيد بمشاركة أكثر من ٣٠ ألف فلاح وفلاحة.

يروي "فهمي" كيف انتشر العصيان إلى الوحدات العسكرية، ليشارك في الثورة ٧٠٠ من الفلاحين المجندين حديثاً، وبدت دولة محمد علي الجديدة على وشك الانهيار، فأمر “اللواء الأول”، المشكّل لتوه، بالهجوم عل معاقل الثوار، وانتصر الجيش خلال شهور ثلاثة، بعد قتل أكثر من ثلاثة آلاف رجل وامرأة. وفي الكتاب نفسه، يسعى "فهمي" بوضوح إلى إثبات أن المشروع النهضوي لمحمد علي جيشاً ومؤسسات لم يكن وطنياً مصرياً، بل خدمة لبقائه في الحكم، ثم بقاء أسرته العلوية من بعده، فأي إسقاطات أو تقاطعات يمكن رسمها، اليوم، مع التاريخ هذا، كون الجيش يمسك زمام السلطة في مصر الحبلى بالثورة ضد العسكر، والتي اضناها العطش للكرامة والعدالة والحرية.

وتبدو ملامح القلق والخوف واضحة على وجه العسكر الكالح، سواء في الإعلام أو بالنظر إلى الانتشار الأمني المكثف على الأرض، وهو ما يرجع إلى الأجواء التي خلفتها إجراءات انتقامية غير مسبوقة بحق المصريين فاقت المعتاد من قرارات الجباية ورفع الدعم ورفع الأسعار وسوء الخدمات والتضييق على الحريات، لتصل إلى هدم المنازل. وفي 22 يناير 2018 حاول السفاح السيسي، مغازلة أهل الصعيد برفع سعر طن القصب 20 جنيها، وأمر وزير ماليته عمرو الجارحي، برفع سعر توريد طن القصب من 700 جنيه إلى 720 جنيها، وقال مغازلا أهالي الصعيد: "إحنا موجودين هنا علشان أهل الصعيد، وعاوزين نقولهم كل سنة وإنتوا طيبين ونزود لهم سعر توريد قصب السكر 20 جنيه".

وتبلغ نسبة الفقر بالصعيد تصل نحو 50 % والبطالة أكثر من 25 %  حسب الإحصائيات الرسمية، فيما وعد السفاح السيسي أهالي الصعيد بالانتهاء من إنشاء 3 آلاف مصنع صغير خلال 2018، وزعم أنه قام بتنفيذ 11 ألف مشروع بالبلاد في 3 سنوات ونصف، ما يوازي 8 مشروعات ونصف يوميا، لكن وعوده المعتاده عادة ما تذهب ادراج الرياح وتتبخر ولا يبقى منها الا صدى الكلام.

يذكر أنه في 25 يناير 2011 كانت رحلة فيسبوك الذي أشعل الثورة إلى صعيد مصر متأخرة وبطيئة، تمامًا مثل رحلات الخدمات والإصلاحات والمشاهير إلى تلك المنطقة المعزولة والمحرومة من مصر بأمر العسكر.

ميدان التحرير

وبعد سقوط المخلوع مبارك قرر العديد من شباب الصعيد إنشاء حسابات على موقع فيسبوك لمتابعة حقيقة ما يحدث، بعدما تجاهل الإعلام ذكر أي أخبار عن خروج عدد لا بأس به في جمعة الغضب 28 يناير، بل كانت الأخبار تحمل عبارات التأييد، وكأن مصر قد انقسمت بين وجه بحري ثائر ووجه قبلي متواطئ ومؤيد للمخلوع مبارك، لذا فقد قرر أهل الصعيد استخدام فيسبوك لنشر الحقيقة فيما اهتم آخرون بمتابعتها من "ميدان التحرير".

وقبل ثورة 25 يناير كان أقل من 10 ملايين مشترك في الصعيد ضيوفًا على موقع التواصل الأشهر "فيسبوك" بنسبة 12% تقريبًا من إجمالي عدد الشعب المصري بكل أطيافه، أما حاليًا فقد أصبح الأشهر بكل تأكيد بجماهيرية وصلت إلى 37 مليون بنسبة 38% تقريبًا أي أكثر من ثلث الشعب يُعد نشطاً على موقع الفيسبوك.

ويرى مراقبون أن عددا قليلا من شباب الصعيد الذين جذبتهم مواقع التواصل وتفاعلوا مع الثورة كانوا يدرسون أو يعملون في محافظات الوجه البحري، أما باقي شباب الصعيد لم يكن يضع نصب عينيه تصفح فيسبوك أو تويتر بحثًا عن أي دعوة للثورة، بل معظم الشباب في الصعيد كانوا حينها ما بين حديثي العهد في عالم الفيسبوك أو ما زال لم يخطُ خطوته الأولى في هذا العالم الاجتماعي من الأساس، ربما بضعة مواقع المحادثات مثل skype أو camfrog هي التي كانت على قائمة أولويات الصعيد لسهولة التواصل مع أقاربنا خارج مصر والاطمئنان عليهم، مع العلم أنه حتى ذلك الوقت لم يكن كل بيت يمتلك جهاز كمبيوتر، بل كان امتلاك هذا الصندوق السحري أمرًا استثنائيًا للغاية.

والأمر الذي بات يربك العسكر هو زيادة رقعة التواصل الاجتماعي بين شباب الصعيد، وبالتالي سهولة تفاعلهم مع نداء الثورة ضد السفاح السيسي، ولمن لا يعرف كيف كان يقضي شاب صعيدي يومه العادي ما قبل ثورة 25 يناير 2011، أو لمن يتخيل أن الشباب في الصعيد مثلاً كانوا يتصفحون موقع فيسبوك ويغمضون أعينهم كلما ظهرت لهم تدوينة تدعو للثورة المنتظرة، فيجب أن تكون هناك نظرة ثانية للأمور، حتى يتلمس الجميع جسد "آلة الزمن" أو مواقع التواصل والتي باتت تربط بين وجه قبلي ووجه بحري وتقلق العسكر.

Facebook Comments