احتاج المخلوع مبارك نحو عقدين في السلطة ليبدأ في اتخاذ خطوات جدية لتمهيد الطريق لابنه جمال من أجل خلافته، بينما احتاج معمر القذافي نحو عقدين ونصف من الزمن لفعل نفس الأمر مع ابنه سيف الإسلام، واحتاج جنرال إسرائيل السفيه السيسي أن ينشر أولاده الذكور الثلاثة في مفاصل المخابرات والجيش والرقابة الإدارية، أما الرئيس التونسي الراحل الباجي قائد السبسي فمن قبل أن يتولى مهام منصبه أواخر العام 2014، وهو يسعى لفرض ابنه حافظ كخليفة له على عرش تونس، والجلوس بقصر قرطاج.

لم يسع السبسي الأب الانتظار كثيرًا؛ مبارك والقذافي كان أمامهما عمر طويل للتمهيد البطيء لابنيهما، أما السبسي الذي سيحتفل بعيد مولده الـ92 في نوفمبر القادم لا يمتلك رفاهية الوقت، وكذلك السبسي الابن ذو الـ57 عامًا، لذا تم الإسراع في عملية طرح حافظ ليصبح رقمًا صعبًا في المعادلة التونسية، لكن العجلة في مثل هذه الأمور تأتي بنتائج عكسية، وهو ما يحدث الآن، إذ يسعى قادة في "نداء تونس" إلى الانقلاب على حافظ السبسي وطرده من الحزب الذي أسسه والده.

عينه على السلطة

وفي أوضح ظهور له وفور اعلان وفاة أبيه أكد حافظ السبسي على أن الرئيس الراحل ترك وصية قبل وفاته للتونسيين بأن يكونوا موحدين، وبأن البلاد أمانة في أعناقهم، ولم يخفِ نجل الرئيس حالة الحزن والألم التي تعتريه بعد رحيل والده، وهو شعور قال إنه يشاركه فيه التونسيون بجميع أطيافهم السياسية والحزبية تاركين خلافاتهم جانبا.

وشدد حافظ السبسي على دعوة التونسيين لرص الصفوف من أجل الحفاظ على مكاسب الثورة، ومسار الانتقال الديمقراطي في البلاد الذي كان للرئيس الراحل دور في إرسائه، وتجنيب تونس سيناريوهات الفوضى والانقلابات مثل دول أخرى.

بالمقابل، عبر حافظ السبسي عن عدم قلقه على مصير الانتخابات في البلاد، خصوصا بعد دعوة الرئيس الناخبين قبل وفاته بإمضاء الأمر الرئاسي بهذا الخصوص الذي انطلقت بموجبه الأحزاب في تقديم ملفاتها استعدادا لخوض سباق الانتخابات التشريعية.

وأوضح أن جنازة وطنية تليق بمقامه ستنظم السبت المقبل في قصر الرئاسة بقرطاج، وستدعى لها شخصيات سياسية بارزة وقيادات عربية ودولية أبدت رغبتها في الحضور.

 

ترتيبات التوريث

ورحل الرئيس التونسي اليوم عن عمر يناهز 93 عاما، فيما أعلنت رئاسة الحكومة الحداد سبعة أيام وتنكيس الأعلام بكافة المؤسسات الحكومية، وتولى رئيس البرلمان محمد الناصر منصب رئاسة الجمهورية مؤقتا وفق ما يمليه دستور البلاد.

يشار إلى أن حافظ السبسي نقل والده مساء أمس إلى المستشفى، ووضعه في قسم الرعاية الفائقة، وعزا ذلك إلى آثار "تسمم غذائي" تعرض له مؤخرا.وأضاف أن وضع والده ليس على ما يرام، لتعلن الرئاسة بعد ذلك ببضع ساعات وفاته.

وكان الباجي قايد السبسي نقل أواخر الشهر الماضي إلى المستشفى العسكري إثر وعكة صحية وصفت بالخطيرة، ولم تحدد الرئاسة التونسية سبب مرضه، وبعد أيام غادر المستشفى ليعود إليه لاحقا لإجراء فحوص طبية.

لم يكن حافظ السبسي معروفًا قبل عام 2012؛ لم يتول مناصب رسمية أو حزبية كبيرة ولم يكن فاعلًا مؤثرًا في الشأن العام. شارك بشكل غير رسمي مع السبسي الأب في تأسيس «نداء تونس»، وأصبح منذ ذلك الحين يتبع خطوات والده وهو يتجول بين المدن لحشد أنصاره تمهيدًا للمعارك المقبلة.

وفي عام 2013، برز اسم حافظ السبسي بعدما أسند له والده رئاسة لجنة الهيكلة والتنظيم بحزب «نداء تونس»، وهي مهمة دقيقة في الأحزاب السياسية بشكل عام، إذ تُمكن مديرها من التحكم في كل هياكل الحزب، لاسيما هندسة المؤتمر التأسيسي. ومن هنا بدأ حافظ في تكوين علاقات مع رجال أعمال الحزب، وخلق شبكة من الولاءات داخل هياكل الحزب ومكتبه التنفيذي مستفيدًا من منصبه الجديد ومن منصب وعلاقات أبيه.

طرح اسم حافظ خلال الانتخابات التشريعية عام 2014 لرئاسة قائمة الحزب بدائرة انتخابية مهمة بالعاصمة، لكن بعض الأعضاء المؤسسين بـ«نداء تونس» احتجوا على هذه الحركة التي خافوا أن تتطور لاحقًا لتصبح شكلًا من أشكال «التوريث السياسي»، فتدخل السبسي الأب وحسم الأمر على حساب رغبة ابنه، خوفًا من إحداث أزمة في الحزب.

Facebook Comments