حرب الجنرالات في مصر على السلطة والنفوذ السياسي والاقتصادي لا تتوقف منذ سيطرة الجيش على الحكم في أعقاب انقلاب 23 يوليو 1952م. وبحسب صحيفة “العربي الجديد” التي تصدر من لندن؛ فإن الترقية الأخيرة التي حصل عليها اللواء كامل الوزيرإلى رتبة “الفريق” ثم تعيينه وزيرا للنقل خلفا للدكتور هشام عرفات الذي استقال من منصبه في أعقاب كارثة محطة مصر التي أسفرت عن مقتل 25 مواطنا وإصابة أكثر من 40 آخرين في 27 فبراير الماضي 2019م؛ هذه الترقية تأتي في سياق الإطاحة بالوزير من الهيئة الهندسية للقوات المسلحة من أجل حرقه سياسيا والإطاحة به وتقليص نفوذه ومكانته لدى رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي.

 

التقرير الذي نشرته الصحيفة في عددها الصادر اليوم الأحد؛ يعزو أسباب ذلك إلى مكيدة اللواء عباس كامل؛ رئيس جهاز المخابرات العامة؛ الذي عينه السيسي في مطلع 2018 خلفا للواء خالد فوزي من أجل التحكم في جميع مفاصل ما تسمى بالأجهزة السيادية. وبحسب مصادر مطلعة على دهاليز رئاسة الانقلاب فإن ثمة خلافات حادة بين عباس كامل والفريق كامل الوزير؛ حيث خشى رئيس جهاز المخابرات العامة من تصاعد نفوذ الوزير في ظل إشرافه على عدد من الملفات الهامة باعتباره رئيسا للهيئة الهندسية للقوات المسلحة؛ بسبب ثقة السيسي فيه بشكل كبير؛ وهو ما أغضب رئيس الاستخبارات، الذي رأى في ذلك خصمًا من نفوذه ورصيده الشخصي لدى زعيم الانقلاب.

هذه الحرب الضروس التي تدور في الكواليس ضد رئيس الهيئة الهندسية السابق؛ من جانب عباس كامل ورجاله في جهاز الاستخبارات العامة ومؤسسة رئاسة الانقلاب، التي ما زال عباس كامل يفرض نفوذاً كبيراً عليها. تجلت بتعليمات من عباس كامل لضباطه في الجهاز ومعاونيه المشرفين على ملف الإعلام، بتجاهل عدة أخبار تخص نشاط الهيئة الهندسية ورئيسها كامل الوزير.

إلى ذلك؛ فإن مقترح إسناد حقيبة وزارة النقل إلى رئيس الهيئة الهندسية، كان وراءه اللواء عباس كامل، بهدف إبعاده عن مركز قوته في الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، وترك الزي العسكري الذي يستمد منه حصانة من الهجوم والنقد الإعلامي، وذلك بهدف إحراج الوزير، الذي لم يكن يرغب حقيقة في مغادرة موقعه. وتمكن عباس كامل بهذا المقترح بوضع كامل الوزير في ورطة كبيرة؛ ففي حال رفضه كان سيواجه بموقف غاضب من السيسي؛ وإذا قبل به فإن سيفقد نفوذه وقوته بخلع الزي العسكري.

وبوصفه رئيسا للهيئة الهندسية للجيش، كان كامل الوزير يشرف فعليا على عدد من الوزارات، وهي النقل والصناعة والإسكان، فكان بمثابة استشاري لرئيس الانقلاب لهذه القطاعات”؛ وبتوليه وزارة النقل فقد تحقق هدف عباس كامل بتقليص نفوذ الوزير تمهيدا للإطاحة به في أعقاب فشله المؤكد في ملف النقل والسكة الحديد.

يعزز من هذه الفرضية، أن وزارة النقل، بالنسبة لكامل الوزير، ستكون ــ بسحب مصادر مطلعة ــ نهاية ثقة السيسي فيه، خصوصاً أن هذا الملف مليء بالعراقيل، ومن الصعب إحداث تطور كبير فيه في فترة قصيرة، وبذلك سيفقد الوزير ثقة السيسي به، كما أنه سيكون بعدها من السهل الإطاحة به خارج التشكيل الحكومي مع أول أزمة كبرى أو حادثة قطار”. وأضاف “كذلك سيكون من السهل توجيه بعض الأقلام والإعلاميين المحسوبين على جهاز الاستخبارات العامة واللواء عباس كامل لشن هجوم من وقت لآخر على كامل الوزير”؛ بهدف حرقه سياسيا.

ووفقا للتقرير فإن “اللواء عباس كامل يقوم أولاً بأول بالقضاء على أي تحالفات من شأنها الاستحواذ على نفوذه لدى السيسي، ولا ينتظر حتى تتكون مراكز قوى، حيث كان يرصد تقارباً شديداً بين مدير مكتب الرئيس، الذي خلفه اللواء محسن عبد النبي، وكامل الوزير”.

محطات من حروب الجنرالات

ومنذ يوليو 1952م؛ طفت على سطح الأحداث في مصر صور ومشاهد من الصراعات الكبرى بين الجنرالات وأصحاب الرتب العسكرية الكبيرة والتي تصل أحيانا حد الدموية؛ والوضع رهن الإقامة الجبرية؛ كما فعل عبدالناصر مع رفقاء انقلابه المشئوم؛ حيث أطاح بكل من شاركوه؛ حيث وضع اللواء محمد نجيب ــ أول رئيس للجمهورية ــ رهن الإقامة الجبرية لأكثر من عشرين سنة؛ كما قتل المشير عبدالحكيم عامر لأسباب تتعلق بالصراع على السلطة في أعقاب الهزيمة المرة في 5 يونيو 1967م.

كذلك فإن اغتيال الرئيس الأسبق محمد أنور السادات في 6 أكتوبر 1981؛ هو في حقيقته حرب على السلطة بين الجنرالات برعاية أمريكية أرادت أن تخرج الحادثة في صورة تورط ضباط إسلاميين صغار من أجل إعادة الصراع بين سلطة يوليو العسكرية والإسلاميين عموما وهي الحرب التي تستنزف مصر وتقيم شرخا اجتماعيا تأثيراته أكبر بكثير من الحرب مع الكيان الصهيوني.

وكان آخر محطات الصراع والحرب بين الجنرالات تلك التي جرت في بدايات 2018؛ قبيل مسرحية انتخابات الرئاسة؛ حيث أجبر الفريق أحمد شفيق على اعتزال العمل السياسي بعد ضغوط كبيرة مورست عليه في أعقاب إعلانه الترشح منافسا لزعيم الانقلاب عبدالفتاح السيسي.

كما تم اعتقال الفريق سامي عنان في أعقاب إعلانه الترشح وتم الزج به في السجن الحربي ومحاكمته عسكريا بتهم سياسية من أجل سحق أي منافس محتمل من داخل المؤسسة العسكرية للجنرال السيسي الذي أبدى توجهات استبدادية متأصلة بإجراء تعديلات دستورية تفضي إلى تأبيده في السلطة ومنحه صلاحيات مطلقة.