ما كان لنصر أكتوبر”العاشر من رمضان”، الذي تتباهى به المؤسسة العسكرية المصرية حتى اليوم أن يكون نصرا من الأساس لولا  الشعب ولولا المقاومة الشعبية الباسلة بالسويس التي قادها إمام مسجد الشهداء الشيخ حافظ سلامة؛  هذه المقاومة هي التي حمت المدينة من السقوط  وحالت دون احتلالها رغم إعلان المحافظ الاستسلام، وإلا لكانت فضيحة مدوية، وما كان لوصف أكتوبر بالنصر أي معنى. ورغم هذا الدور الشعبي العظيم إلا أن الآلة الإعلامية للنظام العسكري تبالغ في تمجيد الدور العسكري كما تبالغ بذات القدر في طمس الدور الشعبي الذي كان له أبلغ الأثر  في حماية ما تحقق من نصر كان سيتحول إلى هزيمة مرة  لو تمكنت قوات أريئيل شارون من احتلال السويس ورفع العلم الإسرائيلي عليها.

حققت مصر انتصارا باهرا في 6 أكتوبر واستمر هذا التفوق حتى 17 أكتوبر، ويعترف موشيه دايان وزير الحرب الصهيوني بذلك في مذكراته فقد قال عن يوم 9 أكتوبر «ليس لدينا في الوقت الحالى إمكانية رد المصريين إلى ما وراء القناة، لقد دمرت المئات من مدرعاتنا في المعركة، وفقدنا خمسين طائرة في ثلاثة أيام ويجب أن ننسحب إلى خط دفاع جديد داخل سيناء.. إن ما يعنينا هو مستقبل دولة إسرائيل ولتذهب البحيرات المرة (كانت خط الدفاع الصهيونى الأول) أو سواها إلى الشيطان»!

لكن الذي غير موازين الحرب هو التدخل السياسي في العمل العسكري؛ فالقرارات الخاطئة بل المتواطئة التي اتخذها الرئيس الأسبق محمد أنور السادات أثناء الحرب، تسببت في ثغرة الدفرسوار بين الجيشين الثاني والثالث، رغم رفض رئيس الأركان الفريق سعد الدين الشاذلي وقادة الجيشين الثاني الثالث هذه القرارت.

كان السادات يريد تطوير الهجوم البري إلى منطقة المضايق لكن رئاسة الأركان وقادة الجيوش رفضوا هذه الأوامر محذرين من خطورة الدفع بمئات الدبابات والمدرعات وآلاف الجنود إلى الأمام دون غطاء جوي ودون أي حماية من السماء؛ ما يجعلهم  صيدا سهلا لطيران العدو؛ لأن مظلة حائط الصواريخ كانت لا تزيد عن 12 كم  فقط. وهو ما حدث بالفعل. وخسرت الجيش المصري مئات الدبابات وآلاف الجنود في معركة 14 أكتوبر بسبب هذه القرارات السياسية التي كانت تستوجب عزل السادات ومحاكمته على هذه الجريمة.

استغل الصهاينة  قرارات السادات الخاطئة وسحب الفرقتين الرابعة والواحد وعشرين واللتين كان موكولا لهما حماية مؤخرة الجيش المصري غرب القناة وسد قوات الصهاينة إذا تمكنت من التسلل عبر أي أي ثغرة من الثغرات حيث كان هناك 3 نقاط ضعف في الخطة المصرية(المآذن العالية) إحداها منطقة الدفرسوار.

في اليوم الحادي عشر من الحرب (21 رمضان 17 أكتوبر) بدأ الصهاينة يتسللون عبر الثغرة. وكان الهدف هو احتلال السويس بكل ما تمثله من قيمة ووزن وتاريخ واسم عالمى. واستعدت السويس للمقاومة التى كانت مقاومة شاملة قادها الشيخ حافظ سلامة إمام مسجد الشهداء إلى جانب لفيف من الضباط و الجنود الذين رفضوا خنوع قادتهم العسكريين ومحافظ المدينة واللذين قررا  التسليم للعدو.

المسجد يقود المقاومة

قاد المسجدُ المقاومةَ: فكان مسجد الشهداء، الذى يؤمه ويرأس مجلس إدارته الشيخ حافظ سلامة، هو مقر المقاومة، منه تنطلق، وفيه تحفظ إمداداتها، وبما يجرى فيه ترتفع الروح المعنوية للمقاومين جميعا، حيث شارك في المقاومة الباسلة الأهالي وضباط وجنود رفضوا خنوع قادتهم العسكريين واستسلامهم أمام العدو كما شارك عمال شركات البترول وهيئة القناة وأفراد بالجهاز الحكومى ومتطوعو المقاومة الشعبية والدفاع المدنى وبوجه خاص أبطال منظمة سيناء.

أمام خنوع القادة العسكرية والفرقة التي كانت تحمي المدينة وكذلك خنوع محافظها، ارتفع من مكبرات صوت المسجد نداءٌ بصوت الشيخ حافظ سلامة إلى أهل السويس يقول: «إن اليهود قد أنذروا المدينة بالاستسلام، وإن المدينة قد رفضت هذا الإنذار بإذن الله، وقررت مواصلة القتال إلى آخر قطرة من دمائنا، وعلى كل فرد من أفراد المقاومة أن يدافع عن موقعه إلى أن يقضى الله أمرا كان مفعولا، وما النصر إلا من عند الله».

فقد اليهود في مدينة السويس 67 دبابة ومصفحة، من الدبابات التى حاولوا أن يحتلوا بها مدينة السويس. هذا غير العربات المصفحة والعادية. وسحب اليهود كل ما استطاعوا سحبه من قتلى الجيش الصهيونى وجرحاه ومع ذلك فقد تركوا خلفهم 33 جثة لم يستطيعوا سحبها، وصرح الناطق العسكرى للجيش الصهيونى بأن قواته لم تدخل إلى مدينة السويس، ولم تسيطر عليها في تكذيب صريح لتصريحاتهم السابقة.

اعترافات عسكرية بدور المقاومة

في مذكرات الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس أركان القوات المسلحة المصرية في أكتوبر 1973، قال نصًا: «لقد خسر العدو في محاولته احتلال السويس 100 قتيل وحوالي 500 جريح، رغم أنه استخدم فرقة مدرعة من ثلاثة ألوية مدرعة ولواء مظلي، فقد صد هجومه سكان السويس ومجموعة من الجنود الشاردين». ويضيف الفريق الشاذلي في مذكراته: «إن ملحمة السويس هي شهادة أخرى للمواطن المصري ومدى قدرته على التحمل والتحدي وقت الشدائد».

إلى جانب ذلك هناك ما ذكره اللواء محمد عبد الغني الجمسي، رئيس هيئة العمليات بالقوات المسلحة في خلال حرب أكتوبر فيقول نصا كتابه مذكرات حرب أكتوبر: «لقد فشلت القوات الإسرائيلية في اتجاه مدينة السويس أمام المقاومة الشعبية بالتعاون مع القوة العسكرية المحدودة التي كانت بها».  استخدم رئيس الأركان، لفظ «الجنود الشاردين»، ووضع اللواء الجمسي كلمة «المحدودة» كدلالة كافية على أن القوات المسلحة لم يكن لها تواجد مكثف، في السويس فهم جنود قليلي العدد ممن وصل إلى السويس بعد الثغرة، وكان دورهم مساندة المقاومة وليس العكس.

حصار المائة يوم

حاصرت قوات شارون مدنية السويس “101” يوم، ورغم ذلك لم تستسلم المدينة ولم لم يقبل المقاومون الأبطال الخنوع والمذلة أمام العدو الصهيوني، واجهوا دبابات العدوة بأسلحة خفيفة ومناورات أرعبت العدو وأوصلت له رسالة واضحة إذا دخلت المدينة فسوف نقضي عليك وعلى جنودك أجمعين.

ربما لهذه الأسباب  يعمل الكيان الصهيوني ورعاته الدوليون في أمريكا والغرب على وأد أي مشاركة شعبية في الحكم، لأن تجارب الصهاينة مع الشعب المصري مريرة، بينما   تجاربهم مع الجنرالات الفسدة  تمكنهم من تحقيق جميع أهدافهم بأقل الخسائر ولهذا ينصبون على عرش مصر جنرالات فسدة لا  بلا مواهب أو قدرات والأهم بلا إيمان بقدرة هذا الشعب العظيم على مواجهة الصعاب والنصر على العدو حتى لو كان مدججا بشتى الأسلحة وأحدثها.

ولعل هذه البطولات الشعبية العظيمة هي التي تفسر أسباب تواطؤ الأمريكان الغرب على التجربة الديمقراطية القصيرة التي عاشتها مصر بعد ثورة 25 يناير ، كما تفسر أسباب الاستعجال في الانقلاب على الرئيس الشهيد المنتخب محمد مرسي فلم يتركوه سوى عام واحد كان مليئا بشتى الفتن والدسائس والمؤامرات.

Facebook Comments