الكاتب الصحفي وائل قنديلالكاتب الصحفي وائل قنديل

هل سمعت عن مهرجانٍ أقيم، في ذكرى استشهاد شيخ المقاومين أحمد ياسين؟ شخصيًا، بحثت عن خبر واحد عن ندوة، أو مؤتمر، في أية عاصمة عربية، إحياءً لذكرى استشهاد الشيخ القعيد، أيقونة الانتفاضة الكبرى، بعد 15 عامًا على اغتياله.

لم أعثر على ما يشير إلى أن حزبًا، أو نقابة، أو هيئة شعبية، أحيت الذكرى، احتفالًا بقيمة المقاومة، في لحظة بائسة، يتوغل فيها سرطان التطبيع مع الكيان الصهيوني في مفاصل المدن العربية.

في ذكرى أحمد ياسين، لم يحضر أحد، فقط واصل الصهاينة حضورهم في حواضر العرب، محمولين على أكتاف التطبيع الفني والرياضي، فقبل الذكرى بساعات احتفلت سفارة العدو في القاهرة بمناسبةٍ اعتبرتها تاريخية، حين نشرت أن مئات من الصهاينة وصلوا إلى القاهرة، وغنوا ورقصوا تحت سفح أهرامات الجيزة، على إيقاع حفل موسيقي صاخب لفرقة أميركية، كما ينشر موقع”إسرائيل تتكلم العربية”.

كان الصهاينة يشعرون بالأمان في حضن الهرم، بينما أهالي نزلة السمّان يقتلعون من المكان ذاته، والآلاف من أهالي جزيرة الوراق يواجهون مصير الترانسفير الإجباري من مساكنهم وأرضهم، لكي تقيم الحكومة المصرية مستوطنةً، بأموالٍ إماراتية، لرجال الأعمال والمستثمرين على نيل الفقراء، وتواصل الهدم والتدمير ومنع الغذاء والماء عن أهالي سيناء، لإتمام مخطط التهجير.

في الأثناء، يحتفل الموقع الصهيوني نفسه بعرض غناء ما أسماه “النشيد الوطني الإسرائيلي في قطر”، لمناسبة فوز لاعب جمباز بميدالية ذهبية في كأس العالم في الدوحة. وقبل ذلك كانوا يحتفلون بعزف نشيدهم في أبو ظبي وأغادير في مناسبات تطبيع رياضي وثقافي مماثلة، أدخلتنا في متاهة التبرير باعتماد التفرقة بين السياسة والرياضة، لتتحوّل الأخيرة إلى حصان طروادة الذي يتجوّل بالصهاينة تحت جلود العرب وفي أدمغتهم، والحال كذلك لن يكون صادمًا أن ترى الصهاينة، بالآلاف، جماهير ولاعبين في مونديال 2022، إذ تتجمع تفاصيل كابوس مرعب يقول إن هذا العالم الوغد سيفعل كل شيء من أجل إيصال فريق الكيان الصهيوني إلى مونديال 2022 في قطر، وسيبذل كل جهده لمد رقعة التنظيم، لتشمل عواصم خليجية أخرى، ليوجد فيها الصهيوني، لاعبًا ومشجعًا.

ولم لا؟ والذكرى الأربعون لتوقيع اتفاقيات الإذعان للسلام الإسرائيلي تأتي والصهاينة يتوغلون أكثر وأكثر في العمق العربي، في ظل تسابق محموم من النظام الرسمي العربي على خطف ريادة التطبيع، تعبر عنها حالة الصمت المطبق، العاجز، أمام “وعد ترامب” بمنح الجولان السورية للاحتلال الصهيوني، على إيقاع احتفالات صاخبة بإعلان الرئيس الأميركي القضاء نهائيًا على تنظيم داعش في سورية، عقب مذبحة الباغوز التي تحدثت الأرقام عن سقوط نحو ثلاثة آلاف من النساء والأطفال خلالها، في مشاهد لا يمكن أن تصنّف إلا جريمة حرب.

هنا تقف الذات العربية مكسورةً ومسحوقة، بين شعورها بالارتياح للتخلص من “داعش” الذي هو اختراع المستثمرين في بورصة الحرب على الإرهاب، والحزن الصامت الكسيح على هذه الآلاف من البشر الذين قتلوا في الباغوز.

إنهم يحاصرون الوجدان العربي، بالطريقة ذاتها التي حاصروا بها النظام الرسمي العربي، من خلال دفع العرب إلى حصار العرب ومعاداة أنفسهم، بديلًا للتناقض الجوهري مع العدو التاريخي والوحيد والواضح.

والشاهد أن الأمر يبدو وكأن الحصار الرباعي المفروض على قطر كان الجسر المريح والناعم والآمن الذي عبرت فوقه قوافل التطبيع إلى عواصم الخليج، لتفرض معادلة التطبيع والحصار نفسها بمنطقٍ يقول: كلما تباعد العرب عن العرب، تقاربوا مع الكيان الصهيوني.. إذ أنه منذ حصار قطر ووتيرة التطبيع تتسارع، فيما العرب تتصارع.

وتلك هي الأجواء المثالية لكي يجد العرب أنفسهم في حرجٍ من ذكر كلمة “المقاومة”، وكأنها تحولت إلى كلمة نابية، أو مفردة من خارج القاموس.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم