سادت حالة هرج ومرج شديدة؛ مبعثها هذا التكالب والعدو باتجاه الشمس للإلتحاق بها؛ فقد بدا قرصها المتقد أكثر قربا في هذا المكان عنه في أي موضع آخر؛ ومن ثم فهو إذن أمكن نيلا.. وعلي ذلك فإنه لحدث جلل أن يكون هذا القرص الذي ينبهر بإشراقه وأشعته الجميع متاحا آزفا.. يمكن أن يصل إليه الأفراد بسهولة ويسر؛ فيصعدوه ويبدون من فوقه في كامل البهاء والنقاء؛ ما يُجبر الآخرين علي أن يشيروا إليهم بالبنان، ويشهدوا لهم بالنور والضياء..!
*****
تجمع في هذا الطريق أفراد كٌثر؛ يحدوهم في ذلك حلمهم بالإنضام إلي تلك القدرة الخارقة للشمس التي إذا ما حصّلوها فسيظهرون وكأنهم بلورات يتلألأ بريقها فيأخذ بالعيون ويلفت الأبصار، وينادي المارون علي بعضهم البعض حين يرونهم ..:أن هنا توقفوا، وللملتحفين بالشمس انظروا..!!
كان لهذا الحدث جاذبية غريب أمرها؛ فما أن يمر أحد إلي جوار هذا المكان أو يسمع به إلا وكأن قوة خفية أُلقيت عليه فساقته واقتادته كالأسير، فيقف يزاحم الراغبين في الصعود ليأخذ الحظ الأوفر والنصيب الأكبر من فرصة التسلق.. ورغم مرور زمن طويل علي هذا إلا أن تلك الجاذبية لم تفقد خصائصها حتي مع اختلاف أحوال الدهر وتباين أيامه؛ فقد كانت في الدعة مثلما هي في النوائب والملمات..!!
*****
ورغم أنه قد بات مألوفا أن تجد الآخرين يسعون منبهرين إلي هذا المسقط ويزيدون باتجاهه يوما بعد يوم، فإن الغريب وغير الدارج بالفعل هؤلاء الذين يتركون هذا الأمر برمته مختارين، ويؤثرون علي ذلك الركض في الاتجاه المغاير بعيدا عن هذا السنا الأخاذ. يرون في ذلك انعتاقا من إسار و أغلال.
يتسللون في صمت وخفية حتي لا يحدثون الكثير من الجلبة خلفهم، وعندما تقع الأعين عليهم يأملون أن تقذف تلك الأبصار ملامحهم من ذاكرتها سريعا حتي يغدوا كطيف عابر في ظلمات ممتدة من دجي النسيان.. ولم يكن هذا الأمل عسيرا؛ لأن من يرونهم كانوا في شغل عنهم بركضهم نحو قرص الشمس الذي يحسبونه قد تدلي خصيصا ليرفعهم إليه..!
أها..من هناك..؟! يمكننا من هنا أن نلمح بعضا من السائرين في الطريق المعاكس…ما هذا..؟ أها.. إنه “ظريف الطاووس”..ولكن..ما الذي يفعله..؟! هلم ..لنقترب أكثر كي نري..
تحامل “ظريف” علي أحزانه وأخذ في رفع ذيله والمشي مشية الخيلاء والتباهي والكِبر؛ تلك التي يجبره أهله وقومه علي اتخاذها حرفة وصنعة له..
استمر في التبختر مزدهيا واثقا متابعا لهاتيك الأعين التي تنظر إليه في إعجاب وإكبار؛ فقد كانت جُل وظيفته كل يوم أن يخرج مختالا باسطا جناحيه وذيله ليظهر ما يحملانه من روعة وجمال ألوان..
باتت عيناه مؤرقتين وهو يري نفسه موضع التفقد والنظر الدائم من الآخرين، آلمته فكرة أن الأعين تبحث عنه، وأن عليه الإستمرار في التباهي بتلك المظاهر والتبختر بها والبحث دوما عما يصير به تحت مجهر الملاحظة والتتبع والملاحقة..!
كيف يمكنه أن يستمر في حياة كل مبناها قائم علي الزهو ولفت الإنتباه، كيف يمكن له أن يكون دوما محط السؤال ومَثارا للحديث حول ما يبدو عليه من حُسن وبهاء وإشراق..؟!
إن ذاته تحن إلي أن يحيا بها في هدأة ووقار ورصانة، بعيدا عن فضول القوم، ودون أن يشغل في اهتمامهم وتحريهم لتلك المساحة من البحث والترقب والإكتراث. وربما ساعده العيش بعيدا عن ذيوع الصيت علي مزاولة عمل أكثر نفعا وأجل فائدة من هذا التيه وتلك الخيلاء التي يظنها الآخرون حذاقة وتجلي، ويعلم هو عنها أنها مجرد مظاهر فارغة خواء من المعني والنفع..
أسرّ “ظريف” بآلامه لمن حوله، فلم ينل منهم إلا كل إبخاس وإزدراء، ومع إستمرار حديثه صارت كلماته موضع إنكار وسخط بين زمرته وطائفته..!
وذات يوم قرر “ظريف الطاووس” أن يعيش كما يحب؛ فالسعادة تنبع من معين قلبه وليس من أعين الآخرين وانبهارهم به.. وقبل أن يخونه الإقدام أو تفر منه الشجاعة، فما أن استقر رأيه علي الأمر، حتي سارع.. فنتف ريشه الجميل.. واختار أن يعيش كما الطيور الداجنة المنزوية، يكمل حياته مثل طيور “السمان”؛ فلونها الداكن وحياتها وسط الجموع.. كل ذلك يجعل الفرد فيها لا يظهر، ولا يشير إليه الآخرون بالبنان ولا يجبره أحد علي التميح والتطاول، في حين أن فوائده جمة، يؤديها في صمت وهدوء..ودون صخب أو أضواء لامعة حوله..
*****
وهكذا..فقد بدت صفحة الكون علي اتساعه كدرب ذي اتجاهين أحدهما كمن يركب قطارا في طريق طويل يثق فيه فيسمح لعينيه أن يأخذانه بعيدا..بعيدا..ما بين شرود ذهن، أو سنة من النعاس، أو نوم عميق. في كل الأحوال هو قد ضبط إيقاع نفسه علي حالة عدم الحضور..وإنما التيه والغفلة..انتظارا منه أن يصل قطاره للمحطة التي يريد..!
وعلي الاتجاه المعاكس هناك من يبدو كملّاح في بحر هائج متلاطم موجه، وهو يمتطيه أعلي مركب صيد مهترئة يجدف بذراعيه فوقها في الإتجاه المضاد للموج، دون عصا أو مجداف..!
*****
ياه..ما كل هذا الزحام..؟ّ! إن هناك فريقا آخر أكثر من أن يتم حذفه أو تجاهله، بل إنه يبدو كبيرا وافر العدد..إنهم من يقفون في المنتصف ما بين هذا وذاك، تحملهم الريح قليلا نحو رحلة صاحب القطار فتغرهم بعض الوقت بمقعدها الوثير ونومها الكثيف وبريق مأربها، فيسيرون نحوه.. سير التردد وعدم الإطمئنان الكامل لحقيقة رحلته ومرفئها الخاتم. في قلوبهم مساحة ضوء مختلفة وكأنها إشارات إنذار تدق فتزعجهم، وميزان له حظ من الاعتدال لا يميل نحو هذا الطريق كل الميل..
كانوا كعصافير تحوم حول قفص معد وممهد لها، تحلم أن تدخله حتي تنعم بما فيه، في حين أنها تتوقع خدعة ما في الأمر، فتفر بعيدا، ثم ما تلبث أن تعود.. تحوم حوله وتنظر إلي ملذات الحياة بداخله، فيحن شيئ في نفسها إليه، ثم يعاودها القلق…فتطير محلقة..وهكذا هي والقفص في مراوغة دائمة..وحتي كتابة تلك الأسطر وغيرها منذ بدء الخليقة لم تنته المراوغة بينهما بعد..!
*****
أها..لقد فاتنا الكثير..فالرحلة بين الطرفين قد بدت وكأنها أوشكت علي النهاية..فكل فريق يغذ الخطا ويبذل كل ما بقي له من وسع في سبيل تحصيل مأربه، الأول يسعي إلي أن يكون جزءا غير منفصل عن قرص الشمس، يظهر علي الناس مختالا ويُشار إليه بالبنان..وعلي الضفة المقابلة من يفرون من هذا القرص الذي أذل غيرهم في الركض باتجاهه، يرون أن نجاتهم في مواقع الظلمة والسكون وعدم الصخب..
ولذا فقد ركضوا وركضوا سريعا سريعا..وعندما وصولوا إلي حيث أرادوا فإذا بهم في أحضان الشمس نفسها تستقبلهم مبتسمة محيية، ثم حملتهم دون أن يطلبوا وسرعان ما كانوا جزءا من ضيها وشعاعا ونبراسا ينير للآخرين الطريق..لقد كان ركضهم في اتجاه مشرق الشمس دون أن يدروا… !
أما الفريق الأول فكان يسعي إلي حيث أغربت الشمس وأفلت؛ ولذا بدا لهم قرصها قريبا متاحا للصعود..وساعدهم لونه الخافت ودفئوه الظاهر علي الخلود إلي النوم والدعة والإنتشاء من عبق هذا المظهر الخلاب؛ حتي سرت في أنفسهم حالة أشبه بالخدر..وأقرب إلي السكر منه إلي العقل..فوصل عندها قطارهم مسرعا دون ترو إلي ظلمة الليل…ولم يكن هناك وقت للعودة..!*
______________________
الهوامش:
* حدثني أستاذي بأن:[وجودك هو الوعي بعدم وجودك]..

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها