يضعنا تحليل معنى “القبلة” ومغزاه البنائي أمام عدد من الدلالات التي يمكن أن تمثل لنا مجالات متعددة للفهم وللسعي.

ووسيلتنا في ذلك هي تتبع الخيط الناظم الأولي حول ورود مفهوم “القبلة” في صيغه القرآنية بجذره الرئيس؛ فكما أنه من الصعب رسم معالم وقيمة “السجود” من الاكتفاء بالحديث عن اسم المرة المشتق منه: “سجدة”، فكذلك لا يمكن قبول الاكتفاء بتحليل اسم الهيئة: “القبلة” دون العروج على جذرها المكون “قبل”. وبحسب “معجم ألفاظ القرآن الكريم” (1) يتضح أن النواة الرئيسة لهذا المفهوم تدور حول “الرضا بالشيء والقبول والأخذ به”، كما في قوله تعالي:{ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ…}.[آل عمران: 37] ومن الطبيعي أن فكرة “الرضا” هي حالة إيجابية تنفي القهر والإكراه والاستبداد من جهة أي آخر، وفي الوقت نفسه تؤسس لحرية اختيار لن تتوقف عند حدود الكوامن الداخلية؛ بل تتعداه وتتسع لتؤسس لكل فعل آخر سيكون نتاجا وفرعا عن هذا الرضا.

وبحسب تلك النواة يمكننا أن نستدعي زوجين من المفاهيم المركزية المرتبطين بها؛ وهما مفهومي “الاتباع”، و”الشهادة”. فالاتباع الذي مبناه الرضا السابق سيتحمل كافة الدلالات الإيجابية التي تفارق قضية التبعية المذمومة التي تشير إلي استلاب العقل والفهم، وتتحول بصاحبها إلي مجرد رقم ضمن خضم جماهيري متلاطم يحركه الاندفاع والانقياد الغوغائي، أما الاتباع الإيجابي القائم علي تأصيل الحرية التوحيدية كمنطلق؛ فمبناه في الأساس “مخالفة الهوي” والمقصود بذلك هنا:مقاومة ذلك الميل الذاتي الذي إذا حضر فإنه يجانب الحق؛ لأن مبعثه إما الضعف البشري أو قصور النظر عن رؤية المآلات؛ فالقلب الذي تكدره  الشوائب يصعب أن يكون مرآة صافية مناسبة للرؤية من خلاله، وهذه الشوائب تتعدد فتشمل علي سبيل المثال كبر النفس وشعورها المتضخم بذاتها مما تختل معه صحة النظر والحكم علي الأشياء، ومنها ما يتعلق بخوف الفاقة أو الفقد، أو الفرار اللاواعي من أمور تبدو للنفس كريهة بغيضة في حين أن بداخلها الكثير من دواعي الخير والرحمة..

وهو بذلك اتباع للبحث والتنقيب عن السنن الكونية والكشف عنها ومن ثم اتخاذها، وهو أيضا اتباع للتدبر والتأمل لفقه لامحدودية الزمان والمكان في القرآن الكريم، والسنة النبوية باعتبارها البيان للقرآن، واستخراج آليات ووسائل ورؤي كلية لمعالجة مشكلات كل عصر ومعه التخطيط للمستقبل. وبهذا المعني يمكن لنا أن نصنع نظرية حركة متكاملة، تضعنا أمام معانٍ مخالفة لمفهوم “الجماهير” عند “جوستاف لوبون” والتي تتحرك عمياء غافلة وتتابع حركتها في هوجائية واضحة.

يتكامل ذلك المفهوم مع زوجه الدائر حول “الشهادة والشهود” وما يشير إليه من الحضور القوي بالحق، بما يتضمنه ذلك من التقدم لحمل المسؤولية، كما يظهر في قوله تعالي:{…يٰمُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ ٱلآمِنِينَ}.[القصص: 31]  وهو ما يعني أن الفرد و الجماعة المؤمنة عليهم تبعة أن يكونوا لغيرهم نبراسا علي الطريق، وهم في ذلك مطالبون بحُسن الإعداد الذاتي الأخلاقي والعلمي والوجداني، وكل ما يتصل بذلك الحضور من فقه واحتياج. وهو أمر كذلك لا يتم بمخالطة إقصائية إزاحية، وإنما هو سعي لتفعيل معني الاتباع السابق، وحضور مكوناته -الكاشفة عن أسباب العمران- أفقيا كشراكة يستفيد منها الجميع. فالحضور ليس السمعة أو اذاعة الصيت، وإنما هو سعي الفعالية في بذل الخير للنفس وللآخرين.

وينبع من الخيط المركزي السابق مجموعة من الأطراف الوظيفية المرتبطة فنكون أمام مفهوم “كاشف للحقيقة” كما في قوله تعالي في قصة أصحاب الجنة في سورة القلم:{فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ(30) قَالُواْ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ(31) عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ(32)}.[القلم:30،31،32]. فهو مفهوم هادٍ إلي الصراط المستقيم، من أثر النقاش الباني بعد توبة وندم وتلاوم علي الأخطاء، كل هذا من شأنه أن يظهر معه وجه الحقيقة، ومن ثم يتم اتباعها والعزوف عن غيرها. وهو كذلك مفهوم مكوّن للجماعات؛ حيث أنه الجذر المباشر لمفردة “قبائل” كما في قوله تعالي:{..وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }.[الحجرات:13]..ما يؤصل لأهمية الوجود الجمعي في الاتباع والقبلة، الأمر الذي يعضد فكرة أن هناك ناحية وموقع سجود وصلاة واحد يتجه إليه المسلمون كافة وذلك بغض النظر عن الزمان والمكان، فالقبلة في كلاهما واحدة وباقية كما هي، وهي بذلك إشارة واضحة على معنى وأهمية “الأمة” واتحادها لتكوين تلك الجماعية القيمية والوظيفية التي يمكن لها أن تتحمل تلك الصفات والتكاليف الربانية القرآنية لها..وهي “أمة” بغض النظر عن موقع زمانها أو مكانها، بل إن وحدة قبلتها تضع جميع الأصقاع علي امتداد كافة القرون في بوتقة كلية واحدة منتمية.

وفي الختام يكشف أحد أطراف المفهوم عن مساحات “الطاقة والقدرة” اللتان هما شرطا العمل، فإذا كان كل فرد مكلف بالاتباع والسعي بما يليق بطاقته وقدرته، ففي هذا تحفيز وحث شديد للمزيد والمزيد من الكشف عن مساحات القدرة تلك؛ حتي لا يبقي أي منها مختبئا متواريا في حين أنه معلق به عمل، فهو مفهوم للكشف عن المهارات والقدرات الذاتية والجماعية، وهو كذلك باعث علي الإبداع والابتكار كل بحسب ميله وطبيعته الخاصة، طالما كان الجميع في إطار القبلة الجامعة.. بحيث لا يبقي بعد ذلك مهارة أو قوة إدراكية أو عقلية أو وجدانية إلا وتم شحذها وتفعيلها.

____________________________________

الهوامش:

* المقال في الأساس محاولة للاستفادة من منهجية الدكتور السيد عمر أستاذ النرية السياسية بجامعة حلوان، وكتاباته ومحاضراته حول بناء المفاهيم وأهيتها في نهضة الأمة

(1)معجم ألفاظ القرآن الكريم: عمل مجمع اللغة العربية،ج1، 1988،ص 871، 872، 873.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments