قبل 7 سنوات دعمت دول غربية وشرقية والكيان الصهيوني في مقدمته انقلاب السيسي على الرئيس المنتخب محمد مرسي، وترددت تقديرات موقف حول أن السيسي يحقق للغرب وللأجندات الصهيوأمريكية أهدافها بسهولة وباقتدار، فيما الخيار الديمقراطي الذي يستقوي بالشعب، لن يحقق من ذلك شيئا.
اليوم وبعد سنوات من الانقلاب، تكشف تطورات الواقع المعاش عن فوائد حققها السيسي للغرب، من حرب مستمرة على الإسلام وإلصاق تهم الإرهاب به، وتغيير عقيدة الجيش المصري، لينتقل من محاربة أعداء الخارج إلى مطاردة النساء والأطفال في الأزقّة والشوارع وقمع وقتل المصريين بالداخل، وهو ما يحقق جملة من الأهداف التاريخية للكيان الصهيوني وداعميها الدوليين.
كما قدم السيسي للغرب ولأوروبا أجواء مصر الاستراتيجية للتوغل نحو ما يريدونه من بعثات تهويدية وتغريبية وتنصيرية في مصر وفي إفريقيا، كما قدم أراضي مصر ومياهها الوطنية في البحر الأحمر رخيصة بلا ثمن للكيان الصهيوني، بعد تنازله عن تيران وصنافير.

علاوة على منح الكيان الصهيوني معبرا بحريا بعيدا عن الأراضي المصرية والمياه المصرية للمرور بغاوزها المسروق من الفلسطينيين واللبنانيين إلى أوروبا عبر قبرص، بعيدا عن مجرد تنفيع مصر برسوم المرور الأنبوب عبر مياهها الإقليمية التي تحولت إلى دولية بترسيمٍ واهٍ للحدود البحرية مع قبرص، ويخطط السيسي لإعادة مسلسل الخيانة مجددا مع اليونان.
كما أن الدول الأبرز للسيسي، كرأس عسكرية في محور الشر الذي تديره الإمارات والسعودية لمحاربة المشاريع الإسلامية بالمنطقة والديمقراطية والربيع العربي الذي يتواجه بمشاكل حمة في تونس والمغرب والجزائر وموريتانيا والصومال وجيبوتي عبر ألاعيب السيسي وبن زايد.

أدوار من الخيانة للفلسطينيين
ولم يتوقف دور السيسي عند هذا، بل راهن على تصفية القضية الفلسطينية، عبر صفقة القرن التي تسير بخطى متسارعة حاليا، سواء بضم القدس للكيان الصهيوني وجعلها عاصمة لدولة الاحتلال، أو بوأد حركات المقاومة في غزة وحصار الفلسطينيين وتجويعهم في غزة لإخضاعهم للمشاريع الصهيونية.
ومؤخرا تأييد ضم الصهاينة للضفة وغور الأردن، مع جملة تصريحات إعلامية لا تؤثر في شيء، لكن الدعم السياسي والدبلوماسي للكيان الصهيوني متوافر من قبل الخائن السيسي. وهو ما كشفته التقارير الدولية والتقديرات الإسرائيلية نفسها.
حيث قال خبراء ودبلوماسيون داخل الاحتلال الصهيوني إن «مصر تبدي صمتا واضحا إزاء خطة الضم الإسرائيلية؛ لأنها لا تستطيع تحمل الخلاف مع إسرائيل والولايات المتحدة، ورغم أنها أعربت عن قلقها بشأنها، لكن الفلسطينيين لم يعودوا على رأس أولوياتها، فمصر تواجه اليوم أزمات أكبر، تظهر نتائجها الاقتصادية للعيان، بجانب التنافس مع تركيا في الحرب الليبية، وأزمة سد النهضة الإثيوبي، ونحن لم نعد في عهود عبد الناصر أو السادات».
وأضافوا في تحقيق مطول أعده أهارون بوكرمان، ونشره موقع «زمن إسرائيل»، أن «وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي وصل قبل 3 أسابيع في زيارة لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس برام الله، كما تمت دعوة نظيره المصري سامح شكري، وكان من المفترض أن تظهر صورة للوزيرين الاثنين بجانب عباس، لتأكيد معارضتهما للضم، لكن ما حصل أن الصورة شملت الوزير الأردني فقط، دون المصري».

ونقل عن «جبريل الرجوب، أحد كبار قادة فتح، أن شكري ألغى اجتماعه بسبب قضايا ملحة أخرى على جدول الأعمال المصري، مع أن غيابه قد يكون مؤشرا على موقف الحكومة المصرية المتناقض تجاه خطة الضم، فرغم أن مصر أعربت عن قلقها بشأنها، لكن الموضوع الفلسطيني لا يبدو أنه أولوية لديها».

أوفير فينتر، خبير الشئون المصرية بمعهد دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب، قال إن «مصر تواجه اليوم أزمات أكبر بكثير: وباء كورونا، وعواقبها الاقتصادية، والدور التركي في الحرب الليبية، وسد النهضة الإثيوبي، ولذلك جاء انتقاد القاهرة حذرا تجاه خطة الضم؛ لأنها وهي تتعامل مع تفشي وباء كورونا الحاد في الداخل، وبعض الأزمات على حدودها، لا يمكنها أن تبتعد عن حلفائها المقربين، إسرائيل والولايات المتحدة».

رفض وهمي
وأضاف: «انتقاد المسؤولين المصريين لخطة الضم جاء بعبارات عامة، دون تهديد علني بتوتير العلاقات مع إسرائيل، المصريون يريدون أن يروا حلا يضمن الحقوق الفلسطينية، ولكن بطريقة تتوافق مع مصالحهم، وبعكس الملك الأردني عبد الله، فلم يعلق عبد الفتاح السيسي علنا على الضم، رغم أنه يدعم صفقة القرن، لأنه في حال تنفيذها، فستتلقى مصر مساعدات بقيمة عشرة مليارات دولار».

السفير الصهيوني السابق في مصر، إسحاق ليفانون، قال إن «السيسي يجلس بهدوء من وراء الكواليس، يستمع، وينتظر أن يرى الضم الذي ستنفذه إسرائيل، ويبدو أنه في قمة كهنوته، فمنذ وصوله للسلطة في الانقلاب العسكري عام 2013، عزز العلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج، وأصبحت مصر تحظى بمساعدة صندوق النقد الدولي».

وأشار إلى أن «السيسي عندما وصل للسلطة سجن وطرد أعضاء التحالف الثوري الليبرالي الإسلامي الذي أطاح بالطاغية السابق حسني مبارك، أما في ليبيا المجاورة، فيراهن السيسي على انقلاب الجنرال خليفة حفتر منذ 2014، وبعد التدخل العسكري التركي في ليبيا هذا العام، خسر حفتر بعض المعارك المهمة، ومن أجل الحفاظ على الوضع الراهن، أمر السيسي الجيش المصري بالاستعداد لإرسال قوات برية إلى ليبيا».
أضرار بالغة
وأوضح أن «أزمة كورونا في مصر ألحقت أضرارا بالغة باقتصادها، الذي يعتمد بشكل كبير على السياحة والأموال التي يجلبها المصريون العاملون بدول الخليج، التي عانت من خسائر جسيمة بعد الوباء، لكن القاهرة تعتقد أن أخطر تهديد يأتيها من الجنوب، حيث تواصل إثيوبيا خطتها لبناء سد كهرومائي على النيل، سيقلل بشكل كبير من كمية المياه التي تصل مصر كل عام».
ونقل الكاتب الصهيوني عن مسؤول مصري أخفى هويته «إن سد النهضة، مسألة حياة أو موت للقاهرة، وليس الموضوع الفلسطيني أو خطة الضم، التفكير الاستراتيجي المصري هو لماذا نضيع وقتنا بذلك؟ صحيح أن بناء السد قد لا يؤثر بشكل مباشر على العلاقات المصرية الإسرائيلية، لكن مصر تحتاج للولايات المتحدة لدعم موقفها، وأي مواجهة مصرية مع إسرائيل حول الضم قد تثير غضب واشنطن، التي تدعم الضم المخطط له».

السفير الصهيوني السابق في القاهرة، حاييم كورين، قال إن «مصر لا ترغب بالمشاركة في المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة حول خطة الضم الإسرائيلية، لأنه منذ الانقلاب العسكري عام 2013، سعى السيسي لعلاقات أوثق مع إسرائيل»، واصفا علاقات البلدين بأنها «أفضل ما لدينا منذ اتفاقية السلام».
وأضاف أن «مصر تحتاج لتنسيق أمني مع إسرائيل بسيناء، فاليوم لا يمكن للسيسي محاربة الجماعات المسلحة فيها من دون إسرائيل، رغم جيشه الكبير، لكنه ليس قادرا على التعامل مع وجود داعش هناك، كما ساعدت إسرائيل بتجديد الدعم الأميركي لمصر بعد انقلاب السيسي، لأنه في 2013، علقت واشنطن مساعدتها العسكرية لمصر بقيمة 1.3 مليار دولار سنويا، بسبب الانقلاب العسكري للسيسي».

مساعدات مصرية لإسرائيل
وأكد أن «إسرائيل ساعدت مصر في الحصول على اعتراف أميركي بانقلاب السيسي، ودفعت لتجديد المساعدات الأميركية، لأن إدارة أوباما لم تعترف بالحكومة المصرية الجديدة حتى العام التالي، وكان من الصعب على الأمريكيين قبول التغيير غير الديمقراطي الحاصل في مصر».
وأشار إلى أن «العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل ومصر تعززت، ففي يناير، وقعتا ودول أخرى في المنطقة على اتفاق بشأن خط أنابيب شرق المتوسط، الذي يعزز التعاون في مجال الغاز الطبيعي، وبدأت مصر استيراد الغاز الطبيعي من إسرائيل».

وأضاف أنه «إذا تم تنفيذ الضم الإسرائيلي، فعلى القاهرة الرد بطريقة ما، لكن من المشكوك فيه أن يتجاوز أكثر من مجرد خطاب، فالنظام لا يعتبر الأمر مصلحة رئيسية، ستكون بعض البيانات الدبلوماسية للتعبير عن عدم موافقتهم.

لا خيارات
وختم بالقول إنه «ليس هناك خيارات مصرية كثيرة ردا على الضم إذا قررت إسرائيل تنفيذه، لأن الطريقة الوحيدة التي يمكن بها لمصر أن تؤذي طموحات إسرائيل هي الانسحاب من اتفاق خط الأنابيب في الشرق الأوسط، رغم أنها ستضر نفسها، لأن هذا المشروع يخدم مصلحتهما المشتركة».

ضد الإيجور المسلمين
وهكذا يحقق السيسي كل أهداف المشاريع الغربية في المنطقة بل وفي العالم أيضا. وهو ما كشفته صحيفة «أوبزيرفر» البريطانية، بأن مصر بجانب السعودية وباكستان عرقلوا قرارا أمميا لإدخال مراقبين دوليين إلى مناطق الإيجور المسلمين بالصين، لوقف معاناتهم مع الحكومة الصينية.
وقالت الصحيفة إن الدول الإسلامية «أهدرت ذات يوم دم الروائي سلمان رشدي» والذي ألف كتابا يسخر فيه القرآن والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، لكنها لم تتحرك أمام التنكيل الذي تتعرض له أقلية الإيجور المسلمة في الصين.

أفدح الجرائم
ولفتت إلى أن واحدة من «أفدح الجرائم في القرن الحادي والعشرين، تقترف أمام أعين الجميع، بينما يقفون مكتوفي الأيدي، بعد إجبار السلطات الصينية النساء المسلمات على الإجهاض، أو منع الحمل، وفي حال رفضن ذلك يودعن معسكرات الاعتقال».
وقال إنه يتم الفصل بين الأطفال الإيجور وأسرهم، بحيث يكبر الصغار منفصلين عن ثقافتهم وعن الإسلام.
وأشارت الصحيفة إلى أن دولا مثل باكستان والسعودية ومصر والإمارات والجزائر، ساعدت عام 2019، في الحيلولة دون تمرير قرار في الأمم المتحدة، يطالب الصين بالسماح بدخول مفتشين دوليين إلى إقليم شينجيانج، حيث يعيش الإيجور.
ورأت أن الدول الإسلامية تستخدم التعاون والتضامن، عندما يكون ذلك ملائما لها، ولكن التصدي لقوة الصين أو خسارة التعاون الاقتصادي أو العسكري معها لا يبدو ملائما.

Facebook Comments