تحت عنوان “ما التداعيات التي يمكن أن يخلّفها تصنيف الولايات المتحدة لجماعة الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابي؟” طرح مركز كارنيجي ضمن باب “ديوان” مطالعة دورية لخبراء حول قضايا تتعلق بسياسات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ومسائل الأمن، ومنها تصنيف جماعة الإخوان بالإرهاب.

وكان من بين من تناول هذا الملف شادي حميد، الزميل بمعهد بروكنجز، ومؤلف مشارك لكتاب “إعادة التفكير في الإسلام السياسي” الذي أعتبر أن تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابي حدث جديد وغير مسبوق.. ففي الواقع، ستكون هذه المرة الأولى التي تُعلن فيها إدارة أمريكية جهارا أن ملايين المسلمين هم إرهابيون. تستهدف عادةً هذه التصنيفات المنظمات فقط – مثل تنظيميْ القاعدة أو الدولة الإسلامية – إذ إنها مهما زادت شهرتها أو اتّسع نفوذها لا يمكنها التأثير سوى في عدد ضئيل نسبيًا من الأعضاء أو المؤيدين الناشطين. في المقابل، تُعتبر جماعة الإخوان حركة جماهيرية.

وأوضح أن مثل هذا التصنيف يبدد ادعاء أن للولايات المتحدة مصلحة عابرة في دعم الديمقراطية العربية، نظرًا إلى أن جماعة الإخوان المسلمين أو المجموعات المرتبطة بها تكون غالبًا أكبر مجموعات تعارض الأنظمة السلطوية وتدعو إلى إجراء انتخابات ديمقراطية (حتى لو اختلف المراقبون حول مدى صدقية مثل هذه الالتزامات)، بحسب حميد.

وساخرا أشار إلى أن مثل تلك الخطوة ستعطي ترامب ميزة وليس خللاً؛ حيث يشير هذا التصنيف أيضًا إلى أن الولايات المتحدة، الزعيمة الظاهرية للعالم الحر، لن تغضّ الطرف عن القمع وحسب – وهذا ليس بالأمر الجديد – بل ستمنحه تأييدًا رسميًا.

لكنه استدرك في نظر التعامل مع الواقع وقال: “هذا ما ستكون عليه السياسة الأمريكية، أقلّه إلى حين انتخاب رئيس جديد، سيكون ديمقراطيًا على الأرجح، ويقرّر التراجع عن هكذا خطوة”.

الغرق بالاستبداد

واستعرض تقرير “كارنيجي” رأي “نيرفانا محمود” الطبيبة والمحلّلة لقضايا الشرق الأوسط، المناهض للإخوان والمؤيد للقرار باعتبارهم تفشيا سرطانيا في أوساط الجالية المسلمة الأمريكية!

بالمقابل، اعتبرت أليسون بارجيتر، باحثة أولى زائرة في معهد دراسات الشرق الأوسط في جامعة كينغز كولدج في لندن، ومؤلّفة كتاب (الإخوان المسلمون.. عبء التقليد)، أن تصنيف الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابي سيفسح المجال أمام المزيد من الاستبداد في منطقة غارقة أصلاً في لُجج القمع، وأن الإدارة الأمريكية تعطي الأنظمة مبرّرات أكثر لكتم أصوات من يتجرّأ على معارضتها.

وفي طرحها للواقع قالت إن الأنظمة السلطوية لطالما استخدمت التهديد الذي تطرحه الجماعات الإسلامية لتبرير قمعها للخصوم السياسيين.

وأكدت الباحثة امتناع جماعة الإخوان عن اعتماد نهج العنف، مع أنها تواجه اليوم الكثير من التحديات.

وحذرت من أن هذا التصنيف قد يغرق واشنطن أكثر فأكثر في لُجج النزاع الإقليمي الدائر بين قطر وتركيا من جهة، وبين مصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة من جهة أخرى. مبينة أن الإخوان أصبحت بيدقًا في خضم هذا الصراع على القوة بين قوى غير ديمقراطية تعيث خرابًا في أرجاء المنطقة.

واستعرضت الباحثة المثال الليبي واعتبرته كارثيا حيث تدعم فيه الولايات المتحدة المتزايد لطرف معيّن في هذه المعركة (تقصد حفتر) وحذرت من أن ذلك سيفاقم التوتر القائم ويجلب المزيد من البؤس لمنطقة تنادي بالتغيير.

يفتقد المصداقية

ومن أبرز المشاركات كان رأي مارك لينش، الباحث الأول غير مقيم في برنامج كارنيجي للشرق الأوسط، الذي أعتبر خطوة إدارة ترامب المتجدّدة لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابي تتناسب مع نمط إعادة إحياء الأفكار الفاقدة للمصداقية والملائمة سياسيًا مرارًا وتكرارًا، بغض النظر عن العواقب المحتملة.

وأضاف أن الخبراء يجمعون بشكل صارخ على أن جماعة الإخوان المسلمين ليست تنظيمًا إرهابيًا، ويرتدي هذا الأمر أهمية نظرًا إلى الخلافات الشديدة بين هؤلاء الخبراء حول سائر جوانب إيديولوجيا المنظمة وسلوكها وسياستها. لقد تطوّرت فروع الإخوان المسلمين وتفرّعت في اتجاهات عدّة مختلفة منذ العام 2011.

ففي مصر، تبعثر الإخوان بسبب الانقلاب العسكري، فيما تولّوا إدارة الحكومة في المغرب، وتقاسموا السلطة في تونس، واضطلعوا بدور قيادي في المعارضة السورية. لذا، مثل هذا التصنيف لا علاقة له بالواقع كثيرًا، لكن من شأنه أن يخدم المصالح السياسية الداخلية لترامب، ويلعب على وتر مواقف اليمين الأمريكي المعادية للإسلام، ويمارس ضغوطًا على منظمات المجتمع المدني المسلمة.

وكشف أن خطوة ترامب إشارة إلى دعم الولايات المتحدة لدول سلطوية حليفة مثل الإمارات، والسعودية، ومصر التي أصدرت منذ فترة طويلة مثل هذا التصنيف لتبرير الانقلاب العسكري في العام 2013، والضغوط المُمارسة على المعارضين السياسيين محليًا وفي جميع أنحاء المنطقة، والمساعي لشنّ حملة ضد قطر.

من المرجّح أن تفوق هذه الفوائد التكاليف المُحتملة بالنسبة إلى ترامب؛ إذ إنه يَعتبر أن تعزيز الأنظمة السلطوية وتقويض آفاق الديمقراطية أمرين إيجابيين، لكن بالنسبة إلى المنطقة ستكون هذه الخطوة بمثابة استفزاز مزعزع للاستقرار يفاقم الضغوط على الأنظمة المترنّحة، ويؤدي إلى استفحال النزاعات في المنطقة.

Facebook Comments