قال جوزيف مسعد أستاذ السياسية والتاريخ الفكر العربي الحديث بجامعة كولومبيا: إن رفض السلطة الفلسطينية حضور مؤتمر البحرين قبل أسبوعين لم يكن عملاً بطوليا، بل لم يكن سوى محاولة للحفاظ على النفس.

وأضاف – في مقال نشره موقع “ميدل إيست آي” – أن السلطة تعي بأن هدف صفقة القرن هو إجبار السلطة على حلّ الطبقة السياسية التي تسيطر عليها، فقد قرر رجال السلطة عدم المشاركة. وحيث حضر بعض رجال الأعمال الفلسطينيين مؤتمر البحرين (قامت شرطة السلطة بتوقيف أحدهم هو صلاح أبو ميالة بعد عودته إلى الضفة ومن ثم أطلقت سراحه)، إلا أن أغلبيتهم فضّلت عدم المشاركة في المؤتمر تضامنًا مع طبقة السلطة السياسية.

وعن مؤشرات انهيار صفقة القرن من هذا الجانب أوضح “مسعد” أن طبقة السلطة السياسية تعي جيدًا بأنه في حال نجحت الولايات المتحدة وإسرائيل في فرض صفقة القرن، فإن رجال الأعمال وأجهزة الأمن الفلسطينية على الأغلب لن يتوانوا عن التضحية بالطبقة السياسية وبالتقدم لتحرير فلسطين عبر ملء جيوبهم بعوائد النصر وقمع باقي الشعب الفلسطيني دون هوادة.

صنيعة إسرائيل

وقال الأكاديمي جوزيف مسعد إن إسرائيل صنعت السلطة الفلسطينية، ضمن عدة معايير وطبقات حكم تمنعها من الانفكاك من اتفاقية أوسلو.

وتساءل مسعد في مقال له على موقع “ميدل إيست آي” البريطاني عن كيفية “تحوّل نضال الفلسطينيين الذي بدأ منذ أكثر من قرن للتحرر من الاستعمار الاستيطاني الصهيوني إلى نضال من أجل تمكين رجال الأعمال الفلسطينيين ورجال الشرطة الفلسطينيين الذين يقومون بحمايتهم وحماية الاحتلال الإسرائيلي”.

واعتبر أن “أوسلو” التي انبثق عنها محمود عباس كبير مفاوضي الاتفاق ومعه صائب عريقات ونبيل أبو ردينة وآخرون تمثّل النصر المبين الذي حققته إسرائيل عندما وقّعت المعاهدة مع منظمة التحرير الفلسطينية عام 1993 بإلزام منظمة التحرير بنقل جميع علاقاتها المستقبلية مع إسرائيل إلى كيان جديد أسمته السلطة الوطنية الفلسطينية.

أوسلو الالتفاف

وأوضح أنه تم اختزال المنظمة التي كانت تمثل كل الفلسطينيين – في إسرائيل وفي المهجر وفي الضفة الغربية وغزة – إلى السلطة الفلسطينية التي تزعم تمثيل فلسطينيي الضفة وغزة فقط وحرمانها من تمثيل فلسطينيي القدس وقد تمّ فعليّاً حلّ المنظمة وتم استبعاد ثلثي الشعب الفلسطيني، ليصبح مختزلاً في فلسطينيي الضفة وغزة فقط.

وأضاف أن السلطة الفلسطينية اعترفت بحق إسرائيل بالوجود في سلام وأمان، وهو حق، بحسب زعم إسرائيل، يجعلها دولة كل يهود العالم.

وهكذا ضاعفت إسرائيل شعبها إلى ثلاثة أضعاف بزعمها بأن كلّ يهود العالم الذين يعيشون خارج إسرائيل هم في الحقيقة إسرائيليون، وهكذا اختزل الفلسطينيون إلى ثلث عددهم الحقيقي بينما تضاعف عدد يهود إسرائيل ثلاث مرات.

نتائج أوسلو

وأشار إلى أنه بأوسلو تم وأد الانتفاضة عبر القمع تارة وعبر احتواء نشطائها ومثقفيها الأهم داخل بعض هذه الطبقات تارة أخرى. وتشمل هذه الطبقات:

طبقة سياسية لتسيير أعمال السلطة الفلسطينية يتكون معظم مسئوليها من المنظمة من داخل وخارج فلسطين.

طبقة بيروقراطية لإدارة السكان تحت إدارة السلطة تتكون من طاقم من المحليين ومن العائدين.

طبقة أمنية لقمع المقاومة الفلسطينية المناهضة لإسرائيل ولأوسلو تتكون من فدائيين سابقين تحولوا إلى مرتزقة في خدمة إسرائيل تمولهم وتدربهم الولايات المتحدة والأوروبيون.

طبقة موظفي المنظمات غير الحكومية التي أنشأها الأميركيون والأوروبيون وتتكون من النشطاء السياسيين السابقين والمثقفين الذين شاركوا في الانتفاضة الأولى.

وطبقة رجال الأعمال العائدين من المنفى والساعين للتربح من عملية السلام ومن شعبهم إضافة إلى رجال الأعمال الذين
كانوا مقيمين في الضفة وغزة وكانوا يتربحون تحت الاحتلال قبل عملية أوسلو.

نائب الاحتلال

قال إن المنظمة كممثل للشعب الفلسطيني، لم تعد تطالب بالسماح للفلسطينيين بإقامة دولة أو بالانسحاب من الأراضي المحتلة أو بالتوقف عن بناء المستوطنات، ناهيك عن تفكيك المستوطنات القائمة، أو بالاعتراف بحق الشعب الفلسطيني بتقرير المصير، فقد كان الدور المنوط بالسلطة الفلسطينية كمساعد ونائب للاحتلال هو وضع حدٍّ نهائي للانتفاضة وقمع أيّ مظهر من مظاهر المقاومة المستقبلية للإسرائيليين.

واتهم الطبقة السياسية واصلت اعتناق الأوهام بأنها ستحصل في نهاية المسار على دولة بانتوستان (أقامها نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا للسود قبل سقوطه) كانوا سيتظاهرون لو حصلوا عليها بأنها دولة حقيقية كي يتمكنوا من الإبقاء على أي نفوذ قد تسمح لهم إسرائيل به، فلم يكن عند الإسرائيليين أية نية بمنحهم كيانًا كهذا.

رؤية جديدة

وخلص جوزيف مسعد إلى أنه بعد أن انتهت مهمة السلطة الانتقالية بقمع مقاومة الشعب الفلسطيني لإسرائيل عبر تنسيقها الأمني، وهي المهمة المركزية للسلطة التي وصفها محمود عباس بـ المقدسة، يشعر دونالد ترامب وإسرائيل اليوم بأن السلطة قد استنفدت دورها ولم يعد لها حاجة.

وأشار إلى أن صفقة القرن هي أوسلو في مرحلتها الأخيرة، وهو أن كل ما يحتاج له الشعب الفلسطيني في كل مكان هو رجال الأعمال ورجال الشرطة وليس إنهاء الاستعمار الاستيطاني والاحتلال الإسرائيلي.

أما الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي قامت بقتل وسجن الفلسطينيين منذ عام 1994، فقد أثبتت بأنها مدرّبة بشكل ممتاز وبأنها تحظى بثقة الأمريكيين وإشادتهم، وأنه في نوفمبر 1994، فور دخولها قطاع غزة، قامت شرطة ياسر عرفات بقتل أكثر من ثلاثة عشر متظاهرا فلسطينيا وجرح 200 لأنهم تجرءوا على التظاهر ضد معاهدة أوسلو.

وفي أثناء زيارته لغزة في عام 1995، أثنى نائب رئيس الجمهورية الأميركي آل جور على عرفات لتشكيل الأخير محاكم عسكرية لمحاكمة كل من تسوّل له نفسه من الفلسطينيين الاعتراض على أوسلو.

وأشرفت “سي آي إيه” الاستخباراتية الامريكية على تدريبهم على الانقلاب على حكومة حماس المنتخبة في 2007؛ ولكن انقلاب غزة فشل ونجح في الضفة. وقبل وصوله إلى الضفة، كان دايتون منشغلاً بالمشاركة في الحرب الأميركية على الشعب العراقي في 2003، وقد خلفه الفريق مايكل مولر الذي خدم حتى عام 2012 وخلفه بعد ذلك المشرف الحالي اللواء البحري بول بوشونغ.

دعم الأوروبيين

ونبه إلى أن الاتحاد الأوروبي مول ودرب شرطة السلطة لذات المهمات عبر مكتب الاتحاد الأوروبي للتنسيق الشرطي لدعم الشرطة الفلسطينية (أو ما يسمى بـ يوبول كوبس EUPOL COPPS) منذ 2006. وقد أثبتت شرطة السلطة بأنها تمثل إنجازا إسرائيليا باهراً وأنها تستحق نظير نجاحها في قمع معظم عمليات المقاومة الفلسطينية ضد جيش الاحتلال عبارات الامتنان الإسرائيلية.

وأضاف أنه نتيجة خوف السلطة من المقاضاة القانونية في محاكم أمريكية من قبل اللوبي الصهيوني، استمرت المحاولات الأميركية لإمداد الأجهزة الأمنية بالتمويل (الذي بلغت قيمته منذ 2007 فقط حتى الآن 850 مليون دولار).

وأشار إلى أن طبقة رجال الأعمال، كان دورها الرئيسي هو إقناع ياسر عرفات بالتوقيع على معاهدة أوسلو في عام 1993، فتواصل تنسيق نشاطاتها التجارية مع الإسرائيليين. فإذا كانت طبقة رجال الأعمال والمثقفين الفلسطينيين الذين يدعمونها هم من وعد الشعب الفلسطيني بأن عملية السلام ستحوّل الأراضي المحتلة إلى سنغافورة.

وهو نفس المطلوب اليوم من جاريد كوشنر عبر صفقته. في خضم التحضير لمؤتمر صفقة القرن في البحرين، تم الكشف على موقع وللا الإسرائيلي بأن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي أفيف كوخافي كان قد اجتمع قبل شهرين مع المليونير الفلسطيني بشار المصري في رام الله لمناقشة الوضع الاقتصادي الراهن في الضفة. ويحتفي الإسرائيليون بملياردير فلسطيني آخر، له استثمارات كبيرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، على أنه اللورد روثتشايلد الفلسطيني.

Facebook Comments