من واقع خبرة المصريين مع ثورة يناير، تأكدوا أنه كُلّما اقترب سقوط النظام المستبد القمعي، سواء الذي مثّله مبارك أم الذي يُكرره السيسي، تتزايد الأكاذيب والافتراءات والتلفيق بالكذب لمحاولة تعويم النظام الساقط.

حيث تعتمد أذرع النظم المستبدة التي لم تتعلم الدرس على الكذب حينما تجف رُدودهم بالمعلومات الصحيحة، وتنسج قصص الخيال والهالات الكاذبة حول أحداث غير واقعية وغير منطقية بالمرة، كما ردد إعلام مبارك في يناير 2011 بأن الأمريكان والأجانب كانوا في مظاهرات التحرير يمدُّون المتظاهرين بوجبات “كنتاكي”، يردد إعلامي الحظيرة عمرو أديب قصة جديدة تصلح لتكون مسرحية، حيث زعم وجود خلية إرهابية تم القبض عليها من ميدان التحرير، بعد أن قامت برصد تحركات المتظاهرين ورجال الأمن بمحيط ميدان التحرير، لدعم الإخوان بها وقناة “الجزيرة”.

وزعم “أديب” أن قوات الأمن قامت بتفريع هواتفهم المحمولة، ووجدت معهم العديد من الصور والفيديوهات.. إلى هنا يمكن تصديق الرواية، حيث يحمل الكثير من الشباب الناقمين على نظام السيسي على هواتفهم مثل تلك الصور، سواء من باب الذكرى أو المشاركة الوجدانية. إلا أن الكذب يأبى الوقوف عند هذا الحد، فقال أديب: “احتوت التليفونات على عمليات نفذها قبل ذلك تنظيم الدولة الإسلامية”.

وبغضّ النظر عن التفاصيل الواهية التي ضمنها أديب في خليته المتوهمة، تعبر مثل تلك القصص والحبكات عن ضعف خيال رجال السيسي، الذي ما زال خيالهم العلمي عند مستوى متدنٍ من التصورات والتحليلات، التي تخطاها “توم وجيري” منذ زمن بعيد.

وألقت قوات الأمن على ما يقرب من 2000 مواطن، خلال الأسبوع الماضي، ضمن حملة اعتقالات شرسة تلت مظاهرات طالبت برحيل عبد الفتاح السيسي.

ويشكك حقوقيون على نطاق واسع في الأدلة التي تعلنها السلطات المصرية، وكذلك الاعترافات التي تبثها، مشيرة إلى أنها أدلة ملفقة واعترافات جرت تحت الإكراه.

السيسي على المحك

وتضع التظاهرات الشعبية التي انطلقت الجمعة الماضية وتستكمل الجمعة المقبلة على نطاق واسع في عموم مصر، السيسي ونظامه على المحك، بسبب تصاعد الغضب الشعبي من التقشف الاقتصادي، والفساد الكبير المتورط فيه السيسي وحكومته وقيادات عسكرية.

وجاءت التظاهرات المتصاعدة على وقع فيديوهات الفساد التي كشفها الفنان والمقاول محمد علي للسيسي وزوجته وأركان نظامه.

وانزعج المستثمرون من دعوة تطالب بمزيد من الاحتجاجات يوم الجمعة، وسط تراجع سندات مصر الدولارية، وضياع المكاسب التي حققها المؤشر الرئيسي للأسهم عام 2019، خلال ثلاثة أيام فحسب.

ووجه “السيسي”، الموجود حاليا في نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، اتهامًا غير مباشر لجماعة الإخوان المسلمين بإثارة الاحتجاجات، زاعما أن اللوم يقع على ما سماه “الإسلام السياسي”.

ويقول محللون، إنه لن يكون من السهل كبح المعارضة من دون معالجة أسبابها الاقتصادية والسياسية. ولا يثق كثير من المصريين في وعود الحكومة بعد ثلاثة أعوام من التقشف المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي، مقابل قرض بقيمة 12 مليار دولار.

ومنذ ذلك الحين، طبقت مصر ضريبة القيمة المضافة، وخفضت قيمة العملة، ورفعت أسعار الكهرباء والوقود.

رفض شعبي

وارتفع عدد المصريين الذين يعيشون تحت خط الفقر إلى 32.5% في السنة المالية 2018/2017، بعد أن كانت النسبة 27.8% قبل عامين.

وقال الحقوقي محمد زارع، من معهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان: “ما حدث تحذير خطير للغاية.. الوضع ليس تحت السيطرة بالكامل”، لافتا إلى أن معظم الناس التي خرجت إلى الشوارع ليسوا أعضاء بأحزاب سياسية منظمة، ما يوضح مدى الغضب العام”.

ويقول محللون، إن المحتجين يفتقرون إلى القيادات والانتماءات السياسية والتنسيق، وإن الحشود عفوية مما يجعل من الصعب السيطرة عليها.

وقالت مديرة برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، “ميشيل دون”: “ليس واضحا الآن إن كانت الاحتجاجات ستتصاعد أم ستنحسر.. ولكن إن لم تكن هذا الأسبوع فسوف تعود الاحتجاجات على الأرجح في الأسابيع والشهور القادمة”.

من جهتها تحاول وسائل الإعلام الرسمية التشكيك في دوافع “محمد علي”، وتبث الأغاني المؤيدة لـ”السيسي”، وتعرض تقارير عن إنجازاته، في الوقت الذي تحذر فيه أيضًا من زعزعة الاستقرار.

لكن هذا لم يمنع معارضين آخرين من نشر مقاطع فيديو تتحدث عن الإجراءات الأمنية المشددة والفساد والفقر.

وقد وصل المصريون إلى حد كبير من الغضب الشعبي إزاء سياسات السيسي وقمعه للمواطن العادي، في الوقت الذي تتوسع فيه اقتصادات المؤسسة العسكرية لتبتلع 60% من اقتصاد مصر، وهو ما يقرب نظام السيسي من خط النهاية في الأيام المقبلة.

Facebook Comments