أكثر من ثمانمائة شهيد على يد نظام حسني مبارك، في أحداث الحرب على ثورة يناير/ كانون ثاني 2011، أضيف إليهم نحو ثلاثة آلاف شهيد في المرحلة الأعنف من حربالنظام العسكري على الثورة بدءً من يونيو/ حزيران 2013، ناهيك عن عشرات الآلاف من المدفونين أحياء في زنازين عبد الفتاح السيسي، وآلاف المقتلعين من أوطانهم.

هناك، في سورية، أكثر من 350 ألف شهيد، وملايين المحذوفين من تعداد الوطن، بين نازح وسجين، سقطوا ضحايا الحرب على ثورة شعبٍ حلم بالديمقراطية والعدالة والحرية. وفي ليبيا، سقط عدة آلاف من القتلى ضحايا تمكين الجنرال خليفة حفتر، بدعم السيسي والقوى المعادية للربيع العربي. ولا يختلف الأمر كثيرًا في اليمن، ليصبح لدينا في المجمل مئات آلاف من ضحايا حرب الأنظمة على ثورات الشعوب، تلك الأنظمة التي تلعق الأحذية طلبًا للسلام الزائف والتطبيع، بوصفه ضمانة الاحتفاظ بالسلطة، والحجّة أنها تريد الحفاظ على الدماء والأرواح، وتعفي شعوبها من مواجهة الاحتلال الصهيوني، وتصنع لهم التنمية، وتحقق لهم الأمان والاستقرار.

لو قارنت بين عدد شهداء العرب ضد الاحتلال الصهيوني لفلسطين والأراضي العربية وعدد الضحايا الذين قتلتهم الحكومات العربية، وهي تحارب سعي الجماهير إلى التحرّر من القمع والاستبداد والفساد، ستجد أن خسائر العرب في زمن السلام الصهيوني الزائف عشرات، بل مئات أضعاف مرحلة المواجهة والسعي إلى تحرير الأرض والإرادة. وبالتالي لا يمكن الاعتداد أبدًا بما تلوكه ألسنة عرب الهرولة والانسحاق أمام إسرائيل أنها تتجرّع التسوية حقنًا للدماء والحفاظ على أرواح المواطنين.

بل ينطق الواقع بأن الأنظمة الباحثة عن دفء العلاقة مع المحتل إنما قتلت شعوبها الثائرة إنفاذًا للرغبة الصهيونية، وحمايةً للاحتلال الإسرائيلي من أمواج الربيع العربي الذي اهتزت معه أركان الاحتلال، واعتبره الخطر الأكبر على وجود الكيان الصهيوني على أرض فلسطين.

كان الربيع العربي استحضارًا لقوة الجماهير في معادلة الصراع، واستدعاءً للمواطن في صراع الوجود، وإحياءً للقضية المحورية المركزية في التاريخ العربي الحديث. وقد عبر رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، عن ذلك في قوله إلى إن الخطر على الكيان الصهيوني إنما يأتي من قوة الرأي العام العربي، وقال في نوفمبر/ تشرين ثاني 2017، في كلمةٍ أمام الكنيست، بمناسبة 40 عاماً على زيارة الرئيس المصري الأسبق، أنور السادات، إسرائيل وإلقائه خطاباً أمام الكنيست، إن “الشعوب العربية والرأي العام العربي تعرّضت، على مدار سنين طويلة، لعملية غسيل دماغ وتشويه لصورة إسرائيل، إلى درجةٍ بات وكأن هناك حاجة لإزالة طبقات جيولوجية من الوعي العربي لتحسين صورة إسرائيل، وللوصول إلى سلام بين الشعوب”. واعتبر، في تغريدةٍ له على موقع تويتر في ذلك الوقت، أن”أكبر عقبة أمام توسيع دائرة السلام ليست زعماء الدول التي تحيط بنا، بل هي الرأي العام في الشارع العربي الذي تعرّض على مدار سنوات طويلة لدعاية عرضت إسرائيل بشكل خاطئ ومنحاز”.

من أجل ذلك، كان الدعم الصهيوني المطلق لمجازر عبد الفتاح السيسي لتأمين حكمه مصر بالقمع والإرهاب المسلح، والتعبير، تصريحًا وتلميحًا، بأن بقاء بشار الأسد في السلطة فوق أشلاء مئات آلاف من الشعب السوري، يحقق مصلحةً وجوديةً لإسرائيل، فكلاهما، مع جنرالات الإبادة في ليبيا واليمن، يحققون الهدف الصهيوني الأسمى، وهو تحييد الرأي العام وإزاحة الجماهير من المعادلة، بالقتل والسجن والتغريب، بوصفها العقبة أمام التمدّد الإسرائيلي في المنطقة، عبر مجموعة من الحكام يحافظون على أرواح شعوبهم بإسقاط المواجهة مع الاحتلال، ثم يتولون هم حصد هذه الأرواح، كي يخلو لهم طريق التطبيع، طريق الاستمرار في السلطة.

ولذلك لم يكذب الصهاينة، حين اعتبروا أنهم يعيشون ربيعًا عبريًا بامتياز، صنعته وحاربت من أجله وتحميه بالدم أنظمة عربية،على مدى خمس سنوات، بدأت بفرض عبد الفتاح السيسي حاكمًا على مصر، فصار نموذجًا يُحتذى لحكامٍ يعتبرون إسرائيل مصدر السلطات.

إنهم يقتلون المواطن العربي في الميادين، وفي الزنازين، وفي القنصليات، يقتلونه على الحدود، ثم يطرقون باب إسرائيل، زاعمين أنهم يطلبون السلام والتطبيع، حقنًا لدماء شعوبهم.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments