تواجه صفقة القرن رفضًا شعبيًا منقطع النظير فى العالم العربى والإسلامى، كما تواجه نفس الرفض على المستوى الرسمى من جانب حكام العالم الإسلامي وعدد محدود من حكام العالم العربى.

وبدأت خانة المؤيدين والمطبعين والخونة وعملاء الصهاينة تضيق، وتكاد تنحصر الآن فى التحالف الثلاثى المشئوم، والذى يضم قائد الانقلاب الدموى عبد الفتاح السيسي وعيال زايد فى الإمارات وولى العهد السعودى الأمير المنشار محمد بن سلمان.

وعقب إعلان الجامعة العربية والبرلمان العربى عن رفضهما لهذه الصفقة التى تنتصر للصهاينة على حساب الفلسطينيين بجانب رفض الرئيس الفلسطينى محمود عباس لها حتى من قبل اعلان الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لها فى الثامن والعشرين من يناير الماضى، وتهديده بإنهاء التعاون الأمنى والاقتصادى والسياسى مع إسرائيل، يثار التساؤل: هل يستطيع السيسي التراجع عن تأييده ودعمه لصفقة القرن ومجاملة أسياده الصهاينة والأمريكان خوفا من ثورة المصريين ضده واقتلاع حكم العسكر؟ ولماذا يصر على تأييد هذا المشروع الصهيونى؟ وهل هناك مصالح يحققها من وراء ذلك غير استمرار بقائه وهيمنته على كرسى السلطة؟.

​​​كان الرئيس الأمريكى دونالد ترامب قد أعلن في 28 يناير الماضي، عن خطة منحازة للصهاينة، وتضمنت إقامة دولة فلسطينية في صورة “أرخبيل” تربطه جسور وأنفاق، وعاصمتها في جزء من القدس الشرقية، مع جعل مدينة القدس المحتلة عاصمة مزعومة وغير مقسمة لـ(إسرائيل)، وسط رفض عربي ودولي واسع.

جهات سيادية

يشار إلى أن علاقة السيسي بصفقة القرن كانت قد كشفتها صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، حيث نشرت في يناير 2018 تسجيلات لإعلاميين مصريين يتلقون تعليمات من مسئول بجهة سيادية يدعى “أشرف الخولي”، بعد إعلان ترامب نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى القدس.

تضمنت التسجيلات- التي نشرتها “نيويورك تايمز”- تعليمات للإعلام بتناول قرار ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، بشكل يمهد الرأي العام لقبول القرار .

وظهر صوت هذا المسئول وهو يطلب من الإعلاميين ترديد فكرة “ما الفرق بين القدس ورام الله” كعاصمة للدولة الفلسطينية؟.

وبعد أقل من عام على تصريح السيسي عن صفقة القرن، أعلن البيت الأبيض- في يناير 2018- أن مستشاره جاريد كوشنر اجتمع مع السيسي، في إطار اجتماعاته بالشرق الأوسط حول خطة مرتقبة منذ فترة طويلة يعدها للسلام بين إسرائيل والأراضي الفلسطينية.

وفي أغسطس 2019 كشفت سفارة الولايات المتحدة في القاهرة عن كواليس لقاء جمع ترامب والسيسي، قبل الاجتماع الثنائي الذي جمعهما على هامش قمة مجموعة السبع في فرنسا، حيث نقلت السفارة- في بيان لها- تأكيد ترامب على أهمية السيسي في تمرير صفقة القرن.

وقال ترامب: السيسي هو شخصية مهمة جدا في خطة السلام، ووزير الخارجية يعمل بجهد كبير وبكفاءة على هذا الموضوع، نريد أن نرى إذا كنا نستطيع التوصل إلى إبرام صفقة بالنظر إلى ما يحصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

3 أهداف

وفي تقرير لها، كشفت صحيفة “إسرائيل اليوم” الصهيونية عن وثيقة داخلية تم تسريبها في وزارة الخارجية الإسرائيلية، حول تفاصيل خطة القرن.

ومن بين التفاصيل التي ذكرتها الوثيقة أن دولة العسكر ستقوم بمنح أرض جديدة لفلسطين، بهدف إقامة مطار ومصانع ومكان للتبادل التجاري والزراعة، دون السماح للفلسطينيين بالسكن فيها، ويُشق طريق “أوتستراد” بين غزة والضفة الغربية، ويسمح بإقامة ناقل للمياه المعالجة “أنفاق” بين غزة والضفة.

وحول الثمن الذي قد يحصل عليه السيسي مقابل دوره في تمرير صفقة القرن، كشفت صحيفة “هآرتس” الصهيونية عن أن السيسي لديه 3 أهداف رئيسة: هي زيادة المساعدات الاقتصادية، والمساعدات العسكرية لمكافحة الإرهاب، وإدراج الإخوان كمنظمة إرهابية.

وأشارت الصحيفة إلى أن ترامب لديه طلبات أخرى؛ أهمها انخراط دولة العسكر بشكل أكبر في عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، والتأكد من أن نظام السيسي لن يعرقل قرارات تخص تل أبيب، أو يتحول شرقا في اتجاه روسيا وإيران.

رؤية صهيونية

الرؤية الصهيونية تكشف أكاذيب السيسي التى يزعم فيها أنه يرفض فرض أى خطة سلام لا يريدها الفلسطينيون، وأنه لن يؤيد صفقة القرن المزعومة بدون إقامة دولة فلسطينية.

هذه الأكاذيب السيساوية فضحها رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو”، حينما وصف “صفقة القرن” المزعومة التي قدمها الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” بأنها “تحقيق للرؤية الصهيونية”، وكشف عن أن الصفقة تحقق كل الأهداف الصهيونية بمباركة السيسي وعيال زايد والأمير المنشار.

وقال “نتنياهو” عبر مقال نشرته صحيفة “إسرائيل اليوم” الصهيونية: “قدمت صفقة القرن التي طرحها صديقي، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لدولة إسرائيل فرصة تاريخية لن تتكرر: لحماية بلادنا والدفاع عنها، وتحديد حدودنا، وضمان مستقبلنا. يجب أن نبذل قصارى جهدنا للاستفادة من هذه الفرصة وليس تبديدها”.

وأشار إلى أن الخطة ستؤدي إلى تطبيق “السيادة الإسرائيلية” على المستوطنات في الضفة الغربية وغور الأردن. وأضاف: “لأول مرة منذ إنشاء الدولة، ستمنح صفقة القرن اعترافا أمريكيا بسيادتنا على هذه المناطق من وطننا. هذا هو تحقيق الرؤية الصهيونية”.

وتابع نتنياهو: سويا مع الرئيس ترامب، سأطبق القانون الإسرائيلي على جميع مجتمعاتنا في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)، وغور الأردن وشمال البحر الميت، ومساحات كبيرة إضافية، موضحا أنه للدخول في مفاوضات، يجب على الفلسطينيين القيام بما يلي: وقف فوري لجميع الرواتب للإرهابيين وعائلاتهم. وقف كل الجهود للانضمام إلى المنظمات الدولية دون موافقة إسرائيل. وقف رفع دعاوى قضائية ضد إسرائيل في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.

وشدد على أن كل هذه شروط مسبقة يجب على الفلسطينيين الوفاء بها فقط للدخول في محادثات دبلوماسية، موضحا أنه لإتمام هذه المفاوضات، يجب أن يلبوا كل من الشروط التالية: الاعتراف بدولة إسرائيل كدولة يهودية، الاعتراف بالقدس الموحدة كعاصمة لإسرائيل، الموافقة على السيطرة الأمنية الإسرائيلية على كامل الأراضي الواقعة غرب نهر الأردن- على الأرض وفي البحر وفي الجو- ووقف كل أوجه التحريض ضد إسرائيل، بما في ذلك الكتب المدرسية والمناهج الدراسية، وفي جميع مؤسسات السلطة الفلسطينية.

وذكر نتنياهو أن من الشروط أيضا: تجريد قطاع غزة وسكان فلسطين بالكامل من السلاح، والتنازل تماما عن حق العودة، ونزع سلاح حماس والجهاد الإسلامي والمنظمات الإرهابية الأخرى، وإجراء انتخابات حرة، وحماية حرية الصحافة، وحماية حقوق الإنسان، وحماية حرية الدين، ومنح حقوق متساوية للأقليات الدينية.

وأشار إلى أن إسرائيل والولايات المتحدة هما اللتان تحددان ما إذا كان الفلسطينيون قد استوفوا هذه الشروط بالفعل، قبل أن يصبح الانتهاء من الاتفاق ممكنا.

موقف ضعيف

من جانبه أكد الدكتور مصطفى كامل السيّد، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكيّة بالقاهرة، أن نظام السيسي لا يستطيع رفض صفقة القرن، مشيرا إلى أنه لم يعلن رفضه لخطّة ترامب مباشرة لكونه يولي أهميّة كبيرة لعلاقته مع الولايات المتّحدة، خصوصا أنّ الأخيرة تقوم بدور كبير في الوساطة مع إثيوبيا لحلّ مشكلة سدّ النهضة.

وقال السيد، فى تصريحات صحفية: إن حكومة الانقلاب لم تعترض على هذه الخطّة، ولكن دعت في بيان وزارة خارجيّتها الطرفين الفلسطينيّ والإسرائيليّ إلى دراستها بشكل متأنٍّ. مؤكدا أنّ موقف حكومة الانقلاب كان أضعف من موقف وزراء الخارجيّة العرب، والذي انتهى برفض الخطّة.

وأضاف: بعد رفض الفلسطينيّين والجامعة العربيّة، وكذلك منظّمة التعاون الإسلاميّ، خطّة ترامب للسلام، لا أعتقد أن نظام العسكر سيواصل مساعيه في دعوة أطراف النزاع إلى الحوار مرّة أخرى مؤكدا ان خطة ترامب صفقة فاشلة ولن تبقى ولن تحقق شيئا .

بيان ملتبس

وقال الدكتور أحمد يوسف أحمد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة والعميد الأسبق لمعهد البحوث والدراسات العربيّة: إنّ نظام السيسي لم يدع صراحة إلى التفاوض على أساس صفقة القرن، ولكن دعا إلى الدراسة المتأنّية، ثمّ التفاوض المباشر. مشيرا إلى أنّ بيان السيسي وكلمة وزير خارجيّة الانقلاب سامح شكرى في اجتماع الجامعة العربيّة كافيان لتوضيح أنّ أيّ مفاوضات تدعو إليها دولة العسكر ستتمّ على أساس رؤية عربيّة، وفقاً للشرعيّة الدوليّة.

وأضاف أحمد، فى تصريحات صحفية، أنّ البيان الأوّل، الذي صدر من خارجيّة الانقلاب، أثار نوعا من الالتباس لأنّه لم يكن مكتملاً ولم يرفض الصفقة، لكنّه دعا الطرفين إلى دراستها، ثمّ التفاوض المباشر.

وتابع: هذه ليست مشكلة لأنّ التفاوض هو أساس النهج الذي يتّبعه العرب دائما، ولكن ما أذيع على الرأي العام كان خالياً من التأكيد على ثوابت الرأي المصريّ التي تؤكّد ضرورة إنشاء دولة فلسطينيّة عاصمتها القدس الشرقيّة.

Facebook Comments