كتب: سيد توكل
"بلاش كلام في السياسة"، ارتفع صوت عبدالصبور بهذا النداء بعد أن ظل صامتا يتابع حوار صديقيه حول الغلاء والبلاء الذي عم مصر بعد انقلاب 30 يونيو، وقد وجد أن الأمور قد تتطور عن ذلك، فتلفت حوله يحاول أن يلمح المخبر المدسوس في المقهى، وقرر التدخل عند تلك النقطة بالقول: "صحيح بلا سياسة بلا غم.. شوفت ماتش منتخب مصر الأخير والهزيمة الفضيحة؟".

إذا سألت شابا في الشارع أو "الحاج" الذي يجلس بجانبك في المترو أو المكروباص، عن سبب نفور الناس من الحديث في السياسة في ظل تلك الأيام، ستتلقى إجابات كلها تدور بين الخوف من بطش زبانية نظام الانقلاب أو الإحباط جراء حاضر أسود ومستقبل أشد قتامة منه.

ردود أفعال الناس ربما تتباين ما بين خوف المصريين من الاعتقالات والبطش الأمني، ونجاح الانقلاب في إلهاء الناس باللهث وراء قوت يومهم، الذي بات نادرا في ظل الغلاء وانهيار الاقتصاد.

الأدهى من كلام الناس ما حدث مع الرئيس المنتخب محمد مرسي، ففي عام 2014 وأثناء تأجيل محاكمة الرئيس، وقيادات الإخوان المتهمين فى هزلية وادى النطرون، شهدت الجلسة حديثا مقتضبا للرئيس «مرسى» مع القاضي الشامخ "شعبان الشامى"، وجه القاضى حديثه إلى الرئيس قائلا له: «المتهم محمد مرسى.. صوتك عالى وطالع عندى»، فرد الرئيس: «إنت عاوز تسمع صوتى، أنا بوجِّه التحية للشعب المصرى العظيم من محبسى»، وتابع الرئيس ساخرا من قضاء الانقلاب: «إحنا فى مأساة»، فأغلق شعبان الصوت عنه وهو يتلفت قائلا: «مش عاوزين كلام فى السياسة»!.

ممنوع الكلام في السياسة!

تقول الناشطة السياسية "لميس سامي": "أيوه زى ما بقولكم كده هى دى الورقة اللى قريتها، وأنا داخلة مطعم لقيت فيه ورقة بدل ما يكتبوا الحد الأدنى للطلبات كاتبين بخط عريض "عذرا ممنوع الكلام فى السياسة"، ولقيت الراجل بيقولى هو حضرتك جاية لوحدك ولا معاكى ناس قولتله معاية صحباتى سألنى: معاكى على نفس الخط؟".

وتابعت "استغربت ولقيته قالى: يعنى كلكم مؤيدين أو معارضين إحنا مش ناقصين ده لسه امبارح متكسرلنا 6 أطباق صينى فرنسى، والله يا أستاذة عليها إمضة لويس العشرين!.. إحنا محل فى حاله وملناش فى السياسة".

 

وتضيف "ليس هذا الموقف الوحيد الذى وقعت فيه، وجدت فى كافيه ورقة كبيرة «برجاء عدم الحديث فى السياسة للحفاظ على هدوء المكان».. فكلمت الجرسون وقولتله: طيب ما كل واحد يبص فى ورقته.. وضحك ضحكة صفرا وقالى: لأ يا أستاذة العبى كوتشينة أو طاولة أو اتفرجى على الماتش.. بدأت أشعر أنى فى محاضرة وسيمنعون الأحاديث الجانبية".

وتابعت "بس كل ده حوار وإنى ألاقى كمان فى محل جزم ورقة كبيرة بدل ما يتكتب فيها ممنوع الفصال.. المدير كاتب «ممنوع الكلام فى السياسة للحفاظ على زبائننا».. حوار تانى بجد خرجت فورا وأنا مستغربة وصلت كمان لمحل الجزم؟ أمال أتكلم فين لمؤاخذة أنا خايفة أدخل حمام فى مول ألاقى ورقة بدل برجاء عدم رمى المناديل فى الأرض.. ألاقى ورقة فيها "بلاش كلام فى السياسة الحمامات لها ودان".

فاكرين ثورة 25 يناير؟

وأوضحت "فاكرين زمان.. لما كان حد بيكلمنا فى السياسة.. كنا بنوطى صوتنا ونقول بلاش كلام فى السياسة إحنا ماشيين جنب الحيط لأ ده إحنا الحيط نفسه.. ولما كنا نقول نكتة فيها سيرة الرئيس ولا وزارته كنا بنقولها وإحنا بنلف ورانا نشوف حد مراقبنا ولا سامعنا عشان نقولها ما إحنا مش حمل أمن دولة".

وتابعت "ولكن قمنا بثورة وركبوا ناس وعاموا ناس وغرقوا ناس تانيين، غالبا غرقوا اللى عملوا الثورة وبدأنا فى شد وجذب بين مؤيد ومعارض.. فاهم ومش فاهم.. مؤامرات وأجندات.. وقلنا ساعتها هنبدأ نتكلم فى السياسة وفعلا مكدبناش خبر، الكل اتكلم فى السياسة اللى له فيها واللى ملوش دى الحاجة الوحيدة اللى مسبنهاش لخبازها".

وأضافت "كلنا خبزنا وعجنا، حتى عم عثمان البواب خبز معانا، وقلنا كويس الشعب فاق ودى الحاجة الوحيدة اللى فعلا كانت نهضة إننا نفوق ونتكلم فى السياسة اللى اتحرمنا نتكلم فيها وقلنا هتحصل الديمقراطية وإننا دلوقتى فى مرحلة النضج السياسى، وفضلنا ننضج كده لغاية ما بقينا زى الأرز المعجن فى المحشى وبعد ما استوينا سياسة.. رجعت ريما لعادتها القديمة.. وقالك نضج سياسى قال؟!.

جدير بالذكر أن حسرة النشطاء على الحرية التي جاءت بها ثورة 25 يناير وانقلب عليها الجيش في 30 يونيو 2013، تتواصل في تدويناتهم ومقالاتهم وأحاديثهم على مواقع التواصل الاجتماعي، من هؤلاء أحد النشطاء كتب يقول "زي الأيام دي من ست سنين كان مرسي في السجن ومبارك بيخطب والبرادعي على تويتر، النهاردة مبارك خرج من السجن ومرسي دخل السجن تاني والسيسي عمل انقلاب والبرادعي لسة على تويتر.. تحية للبرادعي اللي قدر يحافظ على مكانه لمدة 6 سنوات"!.

Facebook Comments