فتوى دار الإفتاء السيسية، مؤخرًا حول وجوب المشاركة في مسرحية الرئاسة التي تسببت في فضيحة من العيار الثقيل لمصر وتشويه صورة المحروسة في أرجاء المعمورة لا سيما بعد ترشح المخبر موسى مصطفى موسى ليقوم بدور “الكومبارس” المهزوم، جاءت كاشفة لحجم التوظيف السياسي للمؤسسة الدينية في خدمة سلطة عسكر 30 يونيو وتكريس الحكم الاستبدادي الديكتاتوري والتستر على فساده ومظالمه بغلاف براق من الفتاوى والتصريحات الدينية سواء من المؤسسة الدينية الإسلامية أو النصرانية على حد سواء.

فتوى دار الإفتاء السيسية!

وروجت صحف العسكر الصادرة أمس واليوم لفتوى دار الإفتاء السيسية التي اعتبرت فيها أن الشورى هي الديمقراطية، والشورى لازمة وواجبة بين أفراد الأمة ، ويجب على من توافرت فيه الصلاحية لأداء هذه الأمانة أن يدلي بصوته الانتخابي ولا يتأخر عن القيام بهذا الواجب بصدق وأمانة ونزاهة وموضوعية. وعلى ذلك: فالممتنع عن أداء صوته الانتخابي آثمٌ شرعًا. كما دعا مفتي الديار السيسية الدكتور شوقي علام المواطنين،الأسبوع الماضى فى برنامجه حوار مع المفتى، المواطنين للنزول بـ”كثافة” للمشاركة فيما أسماها بالعملية الانتخابية».

ورطة السياق

معلوم أن ثمة فرقا بين الحكم والفتوى، فالحكم هو ما كان عن الله والرسول بنص صحيح صريح لا يقبل الخلاف بشأن، بعكس الفتوى التي تمثل اجتهادا بشريا في فهم النص يمكن أن يصيب أو يخطئ كما يمكن عدم الأخذ بها والأخد بفتوى عالم أو مؤسسة أخرى.

ومشكلة فتوى دار الإفتاء السيسية أنها جاءت في سياق مأزوم وغير طبيعي، في ظل استقطاب حاد، وتمزق مجتمعي واختلاف واسع بشأن السلطة القائمة التي جاءت بالسطو على الحكم عبر انقلاب عسكري، وسفكت في سبيل ذلك آلاف الدماء الطاهرة الزكية، كما أن الغالبية الساحقة من القوى السياسية والشعبية ترى في المشهد الراهن مسرحية عبثية كما أعلنت عن ذلك أمس 8 أحزاب كانت داعمة لوقت قريب لجنرال لنظام عسكر 30 يونيو.

فلو أن هذه الفتوى جاءت في سياق طبيعي كما كان الحال في الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة 2012م، حيث تعدد المنافسون الذين يعبرون عن كل الأطياف والاتجاهات في ظل ضمانات ونزاهة غير مسبوقة وتكافؤ فرص وحياد مؤسسات الدولة، مع إيمان الجميع بالمشاركة وعدم المقاطعة، لما واجهت هذه الاعتراضات الكثيرة التي قوبلت بها بعد فتوى أول من أمس.

الخوف من المقاطعة الشعبية

كما جاءت فتوى دار الإفتاء السيسية، في ظل مخاوف نظام عسكر 30 يونيو من مقاطعة شعبية واسعة، تفوق فضيحة مسرحية 2014م، والتي شهدت مد المسرحية ليوم إضافي وتذلل أبواق العسكر الإعلامية للموطنين للنزول والمشاركة في ظل تواتر مشاهد اللجان الخاوية.

هذه المخاوف عبر عنها من قبل الكاتب ياسر رزق رئيس مجلس إدارة الأخبار المقرب من العسكر والسيسي، حيث أشار إلى هذه المخاوف في مقاله المنشور يوم الأحد 7 يناير الماضي بعنوان: «فرض عين في انتخابات الرئاسة».

يقول رزق: «نعم.. التحدي الحقيقي في الانتخابات الرئاسية المقبلة هو حجم الإقبال الجماهيري». ويسوق رزق أسباب المخاوف من المقاطعة الشعبية الكبيرة والمتوقعة مضيفا: «ثمة من يتكهن أن الانتخابات المقبلة، لن تحظي بإقبال مماثل لانتخابات ٢٠١٢، أو لانتخابات ٢٠١٤، ومنطقهم أن الجماهير لا تحتشد إلا في مراحل التحول أو في حالات الخطر. وثمة من يعتقد أن الأعباء المعيشية، ربما تؤثر في إحجام قطاعات من الناخبين على النزول إلى صناديق الاقتراع».

ويضيف المقال سببا ثالثا بأن إدراك الشعب من فوز السيسي الحتمي يحد من درجة الإقبال الجماهيري حسب الكاتب الذي يرى في ذلك ما وصفه بـ«مكمن الخطورة».. وهو تعبير دقيق عن يعكس حجم المخاوف من العزوف الشعبي عن المسرحية.

ومن ثم يمكن قراءة فتوى دار الإفتاء السيسية باعتباره تخدم على مصالح السلطة وتقدم مزيدا من فروض الولاء والطاعة في ظل تفشي مظاهر النافق والتزلف لنظام مستبد ظالم يرفضه الغالبية الساحقة من الشعب.

توريط المؤسسة الدينية

من جانبه اعتبر الكاتب والمحلل السياسي جمال سلطان هذا الفتوى توريطا لدار الإفتاء في الضلال السياسي. قائلا : أفزعني ما تداولته الصحف أمس عن فتوى من دار الإفتاء المصرية تتعلق بالانتخابات الرئاسية المقبلة ، وتوقفت طويلا عند وصف الفتوى من يقاطع الانتخابات أو يمتنع عن الإدلاء بصوته أنه آثم شرعا ، ولا أعرف من أين أتت دار الإفتاء بهذا الهراء ، ومن الذي أدخلها في هذا “المستنقع” البغيض».

ويتساءل الكاتب «هل بشرطة قلم قررت دار الإفتاء أن عشرات الملايين من المواطنين المصريين أصبحوا آثمين شرعا ومجرمين في حق ملة الإسلام لأنهم لم يذهبوا إلى انتخابات غير مقتنعين بها أو يرون أنها تحصيل حاصل؟» متابعا «هناك دائما خيار المقاطعة والامتناع عن التصويت ، باعتباره حقا دستوريا وحقا إنسانيا ، ولا يجوز لأحد أن يملي على أحد إرادته إذا كان غير مقتنع بها ، والناس أحرار فيما يختارون ، ولا وصاية لأحد على ضميرهم الوطني ، وعلى تقديراتهم لمصالح وطنهم ، حتى لو كانت الوصاية من مقام مفتي الجمهورية أو حتى فضيلة شيخ الأزهر ، فالاختيار السياسي وحريته حق كفله القانون والدستور ، ومفتي الجمهورية عندما يصادر هذا الحق فإنه يعتدي على الدستور وعلى القانون»!.

ويغمز الكاتب في دوافع الفتوى مشيرا إلى الآية القرآنية: (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب ، إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ، متاع قليل ولهم عذاب أليم)، لافتا إلى أن عبارة (متاع قليل) تحمل إشارة إلى كثرة الارتزاق بهذه “اللعبة” وبيع دين الله والفتوى بمتاع قليل من الدنيا.

Facebook Comments