بنظرة تاريخية لموقف الإخوان المسلمين منذ انطلاقتهم على يد الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله، أيقن الصهاينة ومن يدور في فلكهم أن أحلامهم التوسعية في المنطقة العربية والإسلامية مرهونة بالقضاء على الإخوان المسلمين.

غير أن الحاذقين من اليهود استطاعوا، منذ مؤتمر بازل بسويسرا 1897، أن يصلوا لأبعاد غير متوقعة في التخطيط للحفاظ على سرقتهم لأراضي المسلمين وبدماء المسلمين وأموالهم. وبشواهد وأدلة مما كتبوا خلصت ورقة بحثية بعنوان “صفقة القرن والإخوان في الكتابات اليهودية”، نشرها موقع “إخوان ويكي”، إلى أن مواقف بعض الدول العربية- وعلى رأسها السعودية والإمارات والبحرين ومصر- في العمل على تنفيذ مخطط صفقة القرن الذي رسمته الإدارة الأمريكية، والعمل على القضاء على الإخوان المسلمين إذا أرادت إسرائيل أن تعيش في سلام، والدفع بساستهم بالتعاون مع الحكام العرب للقضاء عليها والتطبيع معهم، ما هو إلا نتاج سنوات من التخطيط من قبل الساسة ومراكز البحث الإسرائيلية.

وخلصت الورقة إلى أن جماعة الإخوان المسلمين هي امتداد لمسيرة الأمة الإسلامية، والتواصل مع ماضي الإسلام المجيد، ولهذا اعتبرهم الصهاينة وكثير من حكام المسلمين أعداء للصهاينة وعملائهم من الحكام الذي يريدون أن يجعلوه حقيقة طمعًا يهوديًّا في فلسطين ومن الحكام في ميراث العروش التي يجلسون عليها.

دون خفاء

ودون مواربة لم تنقطع الكتابات التي سجل بها اليهود عداءهم للإخوان، يقول اليهودي إيل بيرغر في كتابه (العهد والسيف) المنشور عام 1965م: إن المبدأ الذي قام عليه وجود إسرائيل منذ البداية هو أن العرب لا بد وأن يبادروا ذات يوم إلى التعاون معنا ولكن هذا لن يتحقق إلا بعد القضاء على جميع العناصر التي تغذي شعور العداء ضد إسرائيل في العالم العربي، وهي عناصر رجعية تتمثل في رجال الدين والمشايخ، وفي مقدمة هذه العناصر رجال الدين المتعصبين من أتباع الإخوان المسلمين.

ويقول الدكتور ميشيل هيدرسون، الخبير في الشئون العربية وشئون الشرق الأوسط، في مقاله بعنوان الإسلاميون هم الخطر الأكبر على إسرائيل، والذي نشرته مجلة (يو إس نيوز) في 16 /10/ 1964م قوله: أعتقد أن الفئات الإسلامية المتطرفة وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين ستشكل خطرًا حقيقيًّا على إسرائيل.

ويكتب غوردن كريمر، في كتابه اليهود في مصر الحديثة 1914–1952م، صـ145: إن أول شعارات ضد الصهيونية عرفتها جدران المدن المصرية كانت من صنع الإخوان المسلمين الذين ملئوا جدران مدينة بورسعيد بالشعارات المناهضة للصهيونية والمتعاطفة مع الشعب الفلسطيني خلال زيارة رئيس جمعية الشبان المسلمين في فلسطين إلى بورسعيد في شهر سبتمبر من عام 1936م.

قضاء مبرم

وسعت جميع الحكومات الغربية إلى تنفيذ استراتيجية القضاء على الإخوان المسلمين، حيث اجتمع سفراء أمريكا وبريطانيا وفرنسا في فايد، في شهر نوفمبر من عام 1948م، وقرروا إلزام الحكومة المصرية بقيادة النقراشي باشا بحل جماعة الإخوان المسلمين والعمل على القضاء عليها، وهو ما تحقق بقراره العسكري يوم 8 ديسمبر 1948م.

ولم يتوقف المخطط على ذلك، بل ذكر مايلز كوبلاند في كتاب لعبة الأمم، والذي قام بترجمته مروان خير، ونشر في بيروت عام 1970م، ما سعت إليه الدول الغربية لاستكمال منهجية القضاء على الإخوان، حيث قال: إن هاجس قيام ثورة شعبية في مصر يقودها الإخوان المسلمون دفع بوزارة الخارجية الأمريكية إلى تبني فكرة قيام انقلاب عسكري يفوت الفرصة على الإخوان المسلمين لتزعم ثورة شعبية تدفع بهم إلى زعامة مصر، وأن وزارة الخارجية الأمريكية شكلت في نهاية عام 1951م لجنة خبراء سرية لدراسة العالم العربي، مع التركيز بشكل خاص على “الحالة المصرية” برئاسة أحد كبار مخططي المخابرات الأمريكية في وزارة الخارجية الأمريكية المستر “كيرميت روزفلت”.

مخطط الدعاية السوداء

وقالت الورقة إن الحكومة الأمريكية أرسلت إلى مصر أحد كبار المتخصصين فيما يسمى بالدعاية السوداء (أي التشهير بالخصوم)، واسمه “بول لايبرجر” لتدريب الإعلاميين المصريين على أساليب الدعاية التشهيرية ضد جماعة الإخوان المسلمين.

خاصة بعدما ظهرت قوة الإخوان في حرب فلسطين ثم حرب القنال عام 1951م، حيث استشعر الإنجليز الخطر من جراء العمليات الفدائية التي يقوم بها شباب الإخوان، فكتب الكاتب الإنجليزي “توم ليتل” في كتابه مصر الحديثة الصادر عن دار “أرنست بن” للنشر في لندن عام 1967م في طبعته الأولى قوله: إنَّ كلَّ الحركاتِ النشطة والعاملة في مصر بما فيها حزب الوفد اشتركت في العملياتِ الهجومية ضد قوات الجيش البريطاني المرابطة في قناة السويس، ولكن المصدر الذي انبعثت منه استراتيجية حرب العصابات ضد الإنجليز، وإثارة الشغب ضدهم، تتمثل في جماعة الإخوان المسلمين المتوغلة في تطرفها الوطني.

الحركات الإسلامية

لم يخف الكتاب والباحثون والسياسيون الصهاينة مدى خوفهم من الحراك الإسلامي، والذي يقوده الإخوان على مستقبل دولتهم، ولذا ظلوا يعملون على قدم وساق من أجل القضاء عليهم، ففي شهادة اليهودي موشيه شارون، في ندوة نظمها معهد شيلواح في جامعة تل أبيب في يناير 1979، يقول: “إن الجهود التي بُذلت منذ أكثر من نصف قرن بواسطة علماء الدين المسلمين، من أمثال مفتي فلسطين الأسبق الشيخ الحسيني، والشيخ حسن البنا في مصر، وغيرهما من علماء المسلمين، والتي ما زالت حتى الآن لها تأثير كبير في كسب العالم الإسلامي إلى جانب العرب الفلسطينيين باسم الإسلام، وباسم حماية الأماكن المقدسة الإسلامية”.

ويذكر زياد محمود علي في كتابه عداء اليهود للحركة الإسلامية الصادر عن دار الفرقان بعمان عام ١٩٨٢م، صـ16، خطابًا لموشى ديان أمام وفد من الأمريكيين اليهود عام 1979م، طالب فيه أمريكا والغرب بالوقوف ضد الصحوة الإسلامية التي بدأت تزحف في الدول المحيطة بإسرائيل وخاصة مصر.

وجاء في صحيفة جويش كرونيكل البريطانية (The Jewish Chronicle) بتاريخ يناير 1979م، مقالا بعنوان (الجهاد في سبيل الله) حيث طالبت خبراء الاستراتيجية في الحضارة الغربية والمعسكر الشيوعي أن ينتبهوا للأخطار التي تمثلها الحركات الإسلامية كجماعة الإخوان المسلمين المنتشرة في البلدان العربية والإسلامية، والتي تهدف إلى إحياء الجهاد في سبيل الله من جديد.

حسن البنا

كما أظهر اليهود عداوة خاصة للشيخ حسن البنا، وكان ذلك راسخا حتى عند صغار السن منهم، فتحت عنوان (اعرف عدوك) نشرت مجلة حائط، يصدرها الطلاب اليهود في الجامعة العبرية عام 1970م، تعليقًا تحت صورة الشيخ حسن البنا: “إن صاحب الصورة كان أشدَّ أعداء إسرائيل؛ لدرجة أنه أرسل أتباعه عام 1948م من مصر ومن بعض البلاد العربية لمحاربتنا، وكان دخولهم مزعجًا لإسرائيل لدرجة مخيفة.

ويذكر الباحث البريطاني ديفيد برايز جونز في كتابه “خيانة: فرنسا والعرب، واليهود” والصادر عام 2006م، أن حسن البنا الأب الروحي لكل الحركات الإسلامية في العالم، وأنه المغذي الأكبر لمشاعر الكراهية ضد اليهود والغربيين.

وتكتب الدكتورة كاري ردزنيسكي- الباحثة في جامعة هارفارد الأمريكية- في بحث بعنوان “حركة الشبيبة الإسلامية والصناعة الأدبية الحالية في مصر” قولها: “استطاع حسن البنا أن ينتشل الآلاف من شباب مصر من المقاهي ومواخير المخدرات والمسكرات، ليصنع منهم دعاة للإسلام، ويحولهم من حالة الضياع إلى قوة شبابية تخوض غمار السياسة مزاحِمةً أقوى الأحزاب العريقة في مصر، نشروا الدعوة الإسلامية في أكثر من 85 دولة من دول العالم”.

وهو ما جعل تفكيرهم الأول ينصب على التخلص من الأب الروحي لجماعة الإخوان المسلمين ومؤسسها الشيخ حسن البنا، يقول ناداف سافران– وهو يهودي ولد بالقاهرة وعمل في جامعة هارفورد واختير كمستشار للبيت الأبيض حتى تقاعد عام 2002م– في كتابه مصر تبحث عن هويتها السياسية، والصادر عن دار جامعة أكسفورد، ونشر عام 1961م: سارعت حكومة النقراشي باشا بأوامر مباشرة من السفارة البريطانية لحل جماعة الإخوان المسلمين واتهامها بالتآمر ضد النظام واعتقال الآلاف من أعضائها، ثم الإقدام على اغتيال مؤسس الحركة حسن البنا بأوامر مباشرة من الملك فاروق، ويضيف أنه لو لم تفعل الحكومة كل ذلك لنجح الإخوان في الاستيلاء على السلطة.

حرب فلسطين

كان شعار الصهاينة حينما رأوا قوة الحركات الإسلامية الداعمة لفلسطين وحريتها والواقفة في وجه المخطط الصهيوني في إقامة وطن قومي لهم على أرض فلسطين، خاصة بعدما شاهدوه على أرض الواقع في حرب فلسطين، والقدرة الفائقة لجنود الإخوان المسلمين، وهو ما كتب عنه الكولونيل اليهودي ناتنيال لورشي في كتابه حد السيف والذي نشر باللغة العبرية في عام 1950م، حيث قال: “كان محاربو الإخوان المسلمين يمتازون بروح قتالية “متعصبة” وكانوا على استعداد واضح للتضحية بالحياة.

وفي كتاب (الحركة الإسلامية وقضية فلسطين- صـ 165) يقول مؤلفه اليهودي دوف جوزيف- رئيس بلدية القدس- في مذكراته عن معارك القدس والتي اعترف فيها بأن وجود الإخوان المسلمين في جنوب القدس كان مصدر قلق وإزعاج دائمين للقيادة اليهودية العامة.

كما جاء في شهادة الضابط الكندي الكابتن ج.ب.هاردي قوله: “لا جدال في أن متطوعي الإخوان في هذه الحرب كانوا بفضل نظامهم وتدريبهم بين النجاحات البارزة للقوات العسكرية المصرية”.

Facebook Comments