أشارت دراسة «عملية الحزام الأسود بغزة تكتيك عسكري لخلخلة الجمود السياسي الصهيوني.. قراءة في التداعيات والنتائج»، إلى أن النتائج السياسية للعملية العدوانية التي نفذها الصهاينة الأسبوع الماضي، جاءت في غير صالح السياسة الصهيونية داخليًّا وخارجيًّا.

وقالت الدراسة- التي أعدها “الشارع السياسي”- “أرادت إسرائيل منع سائر الفصائل الفلسطينية، تحديدا «الجهاد»، من مقاومة الاحتلال والتخلّي عن سلاحها والرضوخ للحصار القاتل”، مضيفة: “ولأن المقاومة أصبحت مرفوضة أكثر بعد اعتبار إيران راعيها الوحيد؛ ما أدخل غزّة وفصائلها في بؤرة الصراع الإقليمي الأوسع”.

وسواء التزمت إسرائيل بالهدنة أم لم تلتزم، فإن الفصائل الفلسطينية بل والعالم كله يعي أن إسرائيل لن تلتزم بها مستقبلا، وتسعى وفق أهدافها وخططها لتقليم أظافر الفلسطينيين، حتى من ارتضوا المقاومة الدبلوماسية في رام الله، فإنها تواجههم بالعنف وبهجمات المستوطنين، ومصادرة الأراضي، وقرصنة الأموال كما يقول (د.عبد الوهاب بدرخان) في العرب القطرية.

وتابعت الدراسة: “ففي الجولة العدوانية الجديدة، أرادت إسرائيل أن تثبّت قاعدة “الاشتباك القتالي”، إذ افتعلت التصعيد باغتيال (بهاء أبو العطا)، القائد العسكري في حركة “الجهاد الإسلامي”، ولاحقت قياديا آخر في دمشق، ثم قادة ميدانيين خلال غاراتها على غزّة”.

وترافق الاستهداف الصهيوني بمزيج من الإنذار والتحييد لحركة «حماس»، مع لومها لأن «التهدئة» مسئوليتها.

الوقيعة بين حماس والجهاد

وبيّنت الدراسة، في تحليلها للمشهد الفلسطيني، أن إسرائيل سعت عبر سلسلة تصريحات ملغومة، إلى الإيحاء بأن حماس تتخذ موقفًا سلبيًّا من الرد العسكري للجهاد الإسلامي ضد الغارات الإسرائيلية لحرقها أمام الشعب الفلسطيني، وهو ما ردّت عليه حماس على لسان (موسى أبو مرزوق)، وبمشاركتها في الغرفة المشتركة بغزة، ضد العدوان الصهيوني. كما استخدمت إسرائيل الهجمات الأخيرة كجزء من العلاج النفسي للمزاج الإسرائيلي العام المحبط من استمرار الأزمة الحكومية، وقد تكون مهّدت الطريق لاتفاق على “حكومة وحدة”.

وكانت الرسالة الأبرز معروفة لكن جرى تأكيدها، وهي أن غزة ليست موضوع خلاف بين (بنيامين نتنياهو) و(بيني غانتس) فالأول أمر بالاغتيال، والآخر وافق عليه، ويعتبره ملحقًا لحروبه التي يفتخر بها على غزّة، بما تضمّنته من جرائم وثّقتها تقارير للأمم المتحدة.

دلالات استهداف “أبو العطا”

وبحسب الدراسة، يشكل المشهد الإسرائيلي الداخلي عنصرا حاسما في الضربة النوعية الإسرائيلية، ضد المقاومة  الفلسطينية، فالكل يعلم أن الإسرائيليين منشغلون حتى أعناقهم في مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة، بعد أن أعلن بنيامين نتنياهو، رئيس الحكومة الحالي، عن فشله في أن يحصل على 61 مقعدا يعلن بهم حكومته، وتبقى على خصمه (بيني غانتس) 6 أيام فقط على المهلة الزمنية الممنوحة له لإعلان نجاحه أو فشله في ذات المهمة.

وقد جاء الاغتيال الإسرائيلي لـ(أبو العطا) في الدقيقة تسعين، فالرد الفلسطيني على هذا العدوان، والرد الإسرائيلي على الرد الفلسطيني خصم من هذه الأيام الستة، مما يعني انقضاء هذه المهلة، وإعلان (غانتس) عن إخفاقه في تشكيل الحكومة، إلا أن غانتس فهم لعبة (نتنياهو) فأعلن فور تنفيذ هذا الاغتيال عن تجميد مشاوراته الحزبية والائتلافية، ومباركته للاغتيال، وفي هذه اللحظات يكون (نتنياهو) قد حقق أول أهدافه.

وهو ما يتوقع معه أن يستخدم رئيس الدولة صلاحيته بالإعلان عن انتخابات ثالثة في فبراير القادم، أو إجبار (نتنياهو) و(غانتس) على تقديم تنازلات قاسية لبعضهما للنجاة من هذا السيناريو المرفوض من كل الإسرائيليين.

وبحسب خبراء، استند “الشارع السياسي” لآرائهم، حيث إن اغتيال (أبو العطا) أمني عسكري ولكن بطعم ومذاق انتخابي إسرائيلي، على اعتبار ما كشفه وزير الدفاع السابق (أفيغدور ليبرمان) قبل ساعات عن طلبه من (نتنياهو) العام الماضي اغتيال (أبو العطا)، لكنه رفض وتمنع، متسائلا: ماذا جد من ظروف حتى يوافق (نتنياهو) ذاته على اغتيال (أبو العطا)؟ وكأنه يغمز بقناة المصالح الحزبية والشخصية للأخير للبقاء رئيسا للحكومة.

هذا الاتهام لم يقتصر على (ليبرمان) ذاته، بل إن أوساطا عديدة في المنظومة الحزبية الإسرائيلية وصلت لقناعات في هذا الاتجاه، لأنه كان واضحا منذ البداية أن (نتنياهو) الذي ينتظر تقديم لائحة اتهام ضده بالفساد، ويقضي ما تبقى من عمره في السجن، مستعد لأن يهدم المعبد فوق رؤوس الجميع، كي ينجو من ذلك، فجاء اغتيال (أبو العطا)، والتصعيد في غزة، هدية من السماء له على طبق من ذهب.

ولعل أبرز ما أكدته عملية “الحزام الأسود” الصهيونية، ويكاد يُجمع محللون ومراقبون عليه أن عملية الاغتيال التي نفذها الجيش الإسرائيلي للقيادي الفلسطيني (بهاء أبو العطا)، جمعت بين جُملة من الأهداف السياسية والعسكرية والأمنية، التي سعى رئيس الحكومة الإسرائيلية (بنيامين نتنياهو) إلى تحقيقها من وراء ذلك، مُتسلحا بمعطيات أمنية “قُدّمت له على طبق من ذهب” من قبل المنظومة الاستخبارية والأمنية.

فمع تأكيد رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي (أفيف كوخافي)، بأن هذه العملية تمت وفق تقديرات أمنية، ومع أن المستويات العسكرية والأمنية تُغذي القيادة السياسية بالتقديرات الأمنية والعسكرية بشكل مُستمر، إلا أن المصادقة في النهاية على مثل هذه العمليات منوطة بشخص (بنيامين نتنياهو) كرئيس للحكومة.

وتضيف الدراسة أن “(نتنياهو) لم يكن ليُقر هذه العملية إلا لتوقعّه أنها تخدم أهدافه السياسية والانتخابية في هذا التوقيت، حيث أراد اغتيال خصمه السياسي زعيم حزب أزرق أبيض (بيني جانتس) سياسيا – إن جاز التعبير – إلى جانب اغتيال الشهيد (أبو العطا)”.

خسائر الصهاينة 

وعلى الرغم من حديث (نتنياهو) عن نجاح العملية عسكريا وأمنيا وسياسيا، إلا أن إطلاق زخات صواريخ المقاومة على مناطق إسرائيل وغلاف غزة سبّب العديد من الخسائر المادية والاقتصادية لإسرائيل، لدرجة قد تسفر عن تعميق أزمات الساسة الصهاينة في المرحلة المقبلة، حيث ذكرت صحيفة “غلوبس” الاقتصادية أن التقديرات الأولية لحجم الخسائر التي لحقت بالمرافق الاقتصادية الإسرائيلية في خلال كل يوم من يومي المواجهة مع حركة الجهاد الإسلامي بخمسة مليارات شيكل (مليار و150 مليون دولار)، ما يعني أن الخسائر التي تكبدها الاقتصاد الإسرائيلي في يومين بلغت عشرة مليارات شيكل (نحو مليارين و300 مليون دولار). ولا تشمل هذه الخسائر كلفة النفقات الأمنية الناجمة عن الجهد الحربي الذي نفذه الجيش خلال يومي المواجهة.

وهو ما دفع الخبير الاقتصادي (يوفال ليدور)، لمهاجمة قيادة الجبهة الداخلية في الجيش؛ بسبب قرارها تعطيل العمل في المرافق الاقتصادية والأنشطة الاقتصادية في منطقة “غوش دان”، وسط إسرائيل، التي تضمّ جلّ المرافق الاقتصادية والبنى التحتية إلى جانب احتوائها على أكبر تجمّع ديموغرافي في إسرائيل. وأشار ليدور إلى أن قيادة الجبهة الداخلية عطلت مرافق القطاع العام والخاص والمؤسسات التعليمية في أثناء المواجهة مع الجهاد، بهدف تقليص فرص إصابة الإسرائيليين بأضرار نتيجة إطلاق الصواريخ من قبل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة.

وأعاد (ليدور) إلى الأذهان حقيقة أن القانون يمنح قائد قيادة الجبهة الداخلية في الجيش الحق في إصدار تعليمات بإغلاق مرافق القطاع الخاص والعام والمرافق الأهلية والتعليمية الأخرى في حال اندلاع مواجهة مع طرف خارجي.

وأشار إلى أن الجيش لم يصدر تعليمات بإغلاق المرافق الاقتصادية للقطاعين العام والخاص والمؤسسات التعليمية في أثناء حرب 2014، على الرغم من أنها امتدت لأكثر من (50) يوماً، وسقط في خلالها آلاف الصواريخ على العمق المدني الإسرائيلي.

وحذر من أن الخسائر الاقتصادية ستكون أكثر جدية إذا أقدم الجيش على إغلاق المرافق الاقتصادية في حال اندلاع مواجهات شاملة.

أما (إياليت نحمياس)، العضو السابقة في لجنة الخارجية والأمن التابعة للبرلمان، التي تدير حاليا أحد المرافق الصناعية، فقد رأت أن نتائج المواجهة مع حركة الجهاد الإسلامي تفرض على إسرائيل إعداد مخطط شامل لكيفية التعامل مع أصحاب المصالح الاقتصادية في وقت الطوارئ. وفي مقال نشرته صحيفة “غلوبس”، حذرت (نحمياس) من خطورة أن تتحول الأوضاع الأمنية الطارئة إلى مسوغ للمسّ بالواقع الاقتصادي، ودعت الحكومة والبرلمان إلى التوافق بسرعة على بلورة شبكة أمان للمرافق الاقتصادية.

من ناحيتها، نقلت صحيفة “ذي ماركير” الاقتصادية عن الجنرال (مئير ألران)، الباحث في “مركز أبحاث الأمن القومي” قوله إنّ من غير المناسب أن يحتكر الجيش صلاحية تعطيل المرافق الاقتصادية والجماهيرية في وقت الطوارئ لدواعٍ أمنية.

ودعا (ألران) إلى ضرورة تحديد معايير يجري على أساسها التعامل مع المرافق الاقتصادية والمدنية وقت الطوارئ، مشدداً على أن التهديدات التي تعرضت لها الجبهة الداخلية خلال المواجهة مع الجهاد الإسلامية كانت ذات مستوى متدنٍّ.

نجاح استراتيجية المقاومة

وعلى الرغم من قوة الضربات الصهيونية في قطاع غزة وعمق الخسائر الفلسطينية، إلا أن التعاطي السياسي للمقاومة مع التصعيد، أثبت نجاحا وحنكة سياسية معتبرة، فجاء رد المقاومة الفلسطينية استراتيجيا، فقد تبع إعلان الاغتيال إطلاق رشقات صاروخية فلسطينية زادت عن (200) قذيفة خلال (24) ساعة فقط، شملت معظم المدن الإسرائيلية في الجنوب والوسط ومشارف القدس وتل أبيب، وأصابت حياة الإسرائيليين بالشلل الكامل، وعطلت الدراسة فيها للمرة الأولى منذ حرب الخليج 1991.

ومن الصمود العسكري جاء النجاح السياسي في فرض شروط المقاومة الفلسطينية، التي تبدو مقبولة إلى حد ما في ضوء العقلية الصهيونية المستهترة بكل القيم والقواعد القانونية والدبلوماسية والمواثيق الدولية، والتي لا تخضع لأية معايير أو تحترمها، وجاءت الهدنة سريعة بعد شلل مدن إسرائيلية بشكل كامل، وهو ما يغذي استراتيجية توازن الرعب.

Facebook Comments