شكك الخبير الاقتصادي عبدالحافظ الصاوي في مؤشرات وأرقام تعطي انطباعا جيدا عن الاقتصاد في مصر، لا سيما ما يتعلق منها بالتضخم والبطالة ومعدلات الإنتاج والاستثمار والمدخرات، مؤكدا أن الدعم المقدم للسيسي من خلال القروض والتسهيلات الائتمانية من قبل الخليج والصين، لمساندة صورته الاقتصادية حاليًا، وليس صواب السياسات الاقتصادية المتبعة، أو الأداء الاقتصادي في مختلف القطاعات.

واستدرك قائلا: “علينا أن ندرك بان هذا الدعم ليس مجانيًا، ولكن تدفع مصر ثمنًا له على حساب وضعها السياسي والاقتصادي”.

وقال “الصاوي”، في دراسة جديدة أطل بها من موقع المعهد المصري للدراسات بعنوان “الوضع الاقتصادي في مصر.. تراجع لا تعافي” إن النظر للاقتصاد أنه في طريقه للتعافي والاستقرار متسرعة تشبه تجربة مصر في 1991/1992، حيث حققت مصر تقدمًا في نفس المؤشرات المالية والنقدية، ولكنها أخفقت في تحقيق استقرار اقتصادي، وتقاذفتها تقلبات اقتصادية إقليمية ودولية، جعلتها تمر بأزمات مالية في نهاية التسعينيات وفي بداية الألفية الثالثة، ومع مرور الأزمة المالية العالمية في 2008.

الأشد قتامة

وشدد الباحث على أن نتائج تجربة حكومة السيسي المنقلب أشد قتامة من مبارك بعد الدور المتوحش لتدخل الجيش في مقومات الاقتصاد المدني، وسيطرتها على مفاصل الاقتصاد الحكومي، فضلًا عن مزاحمة شديدة للقطاع الخاص، واستهداف أن يعمل القطاع الخاص لديه في إطار ما يسمى “مقاول الباطن”، وأعطى لذلك 5 مؤشرات:

أولًا: الفجوة التمويلية:

وأشار إلى أنه وفق موازنة العام المالي 2019/2020، يقدر العجز الكلي بـ445 مليار جنيه (26 مليار دولا)، ولا مجال أمام الحكومة لتغطية هذا العجز إلا الاقتراض.

وتمثل أعباء الدين العام المتصاعد بشكل كبير نحو 83% من الإيرادات العام للدولة المصرية، حيث تقدر الإيرادات بنحو 1.13 تريليون جنيه، بينما أعباء الدين تقدر بنحو 944 مليار جنيه. ولا يتوقع أن تخرج مصر من مأزق عجز التمويل وزيادة المديونية في الأجلين القصير والمتوسط.

واتهم “الحكومة” بالذكب فيما يتعلق بأن الدين العام انخفض إلى نسبة 89% من الناتج المحلي الإجمالي (مستهدف في موازنة 2019/2020)، نجد أن قيمة الدين في تزايد، حيث وصل الدين المحلي في ديسمبر 2018 إلى 4.1 تريليون جنيه مصري، والدين الخارجي وصل إلى 96 مليار دولار، فضلًا عن الاتجاه الصعودي لأعباء الدين من أقساط وفوائد.

ثانيًا: الفجوة الإنتاجية:

وهي الفجوة الكبيرة بين صادرات والواردات السلعية، واشار إلى عجز السيسي عن ردمها، ولو في الأجل المتوسط، وحسب أرقام ميزان المدفوعات للعام المالي 2017/2018، فالعجز التجاري 37.2 مليار دولار، فالصادرات السلعية بحدود 25.7 مليار دولار، بينما الواردات السلعية 63 مليار دولار، هذا فضلًا عن أن الصادرات النفطية تمثل نحو 33.7% من إجمالي الصادرات السلعية. يقتنص الشريك الأجنبي، منها نحو 40%.

واعتبر أن مدفوعات الواردات السلعية غير النفطية، يكشف مدى ضعف أداء الإنتاج المصري، حيث تمثل السلع الاستهلاكية ثاني أعلى مراتب هذه المدفوعات بنسبة 27.5%، بعد السلع الوسيطة التي تمثل نسبة 34.3% من هذه المدفوعات بينما السلع الاستثمارية (العدد والآلات ووسائل النقل وقطع الغيار) 19.2%، والمواد الخام 13.5%.

وخلص إلى أن مصر ستستمر في التبعية للخارج في استيراد الغذاء والعدد والآلات ووسائل المواصلات، وكذلك استيراد التكنولوجيا، وتتعمق الفجوة على المدى القصير والمتوسط.

ثالثًا: الفجوة بين المدخرات والاستثمارات:

وقال الصاوي “منذ انقلاب 3 يوليو في مصر، يلاحظ أن معدلات الادخار شديدة التواضع، بسبب الإجراءات الاقتصادية التي تم اتباعها، وبخاصة بعد توقيع اتفاق صندوق النقد الدولي في نوفمبر 2016. ووفق بيانات وزارة المالية المصرية، فإن المدخرات المحلية تمثل نسبة 6.2% من الناتج المحلي، بينما الاستثمارات تمثل 16.7% في عام 2017/2018. وبالتالي فهناك فجوة تمثل نسبة 10% من الناتج المحلي تمولها القروض. وتصل الاستثمارات المحلية 16.2% من الناتج بما لا يتناسب مع طبيعة معدلات النمو الاقتصادي المستهدفة، والتي تتطلب أن تصل نسبة الاستثمارات المحلية للناتج إلى 30%.

ولا يتوقع الباحث في ضوء الإجراءات التقشفية، واستهداف تحرير السلع والخدمات العامة، أن تزيد المدخرات المحلية، بالشكل المطلوب، واستحالة القضاء على الفجوة بين المدخرات والاستثمار. فضلًا عن أن طبيعة الاستثمارات في مصر، ذات طابع تقليدي في مجالات الزراعة والصناعة والخدمات، وتفتقد إلى القيمة المضافة العالية، بسبب غياب مصر عن إنتاج التكنولوجيا.

رابعًا: هشاشة الناتج المحلي الإجمالي:

وأكد الباحث أن مصر يعتمد ناتجها المحلي الإجمالي بشكل كبير على الاستهلاك، حيث يمثل الاستهلاك 93% من الناتج في عام 2017/2018، والمشكلة أن تلبية احتياجات الاستهلاك تعتمد على الخارج بشكل كبير، وفق قيمة فاتورة الواردات السلعية.

وتوقع أن تستمر هشاشة الناتج في الأجلين القصير والمتوسط. ولذلك أتى البيان الصحفي الصادر عن البنك الدولي مؤخرًا صادمًا، والذي أشار إلى وصول معدلات الفقر بمصر إلى حوالي 60%، وأن الطبقة المتوسطة التي تعتبر مصدر المدخرات، تزداد معاناتها بشكل كبير، وأن عدم المساواة في ازدياد.

ومما يؤكد على صحة ما توصل إليه البيان الصحفي لخبراء البنك الدولي، أن نسبة المدخرات المحلية إلى الناتج لا تزال هزيلة، كما ذكرنا في السطور السابقة عند 6.2%، ويستنتج من ذلك أن الحديث عن ارتفاع معدل نمو الناتج في مصر إلى نحو 5.5%، يفقد مصداقيته.

وحديث حكومة السيسي عن تحقيق معدل نمو 5.5%، يحتاج إلى وقفات، منها أن هذا المعدل تحقق من خلال التمويل بالدين، حيث بلغت نسبة الزيادة في الدين المحلي فقط خلال نفس العام 20%، وإذا اضفنا له الزيادة في الدين الخارجي فسنجد أن الزيادة في الدين العام قد تصل إلى 25% أو 30%، مما يعني أن التكلفة عالية.

خامسًا: تواضع الاستثمارات الأجنبية المباشرة:

كثير ما تحدث السيسي ووزرائه عن طموحاتهم الكبيرة في الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ولكن الواقع لم يعكس هذه الطموحات، لافتقار مصر إلى المقومات الإيجابية لجذب هذه الاستثمارات، فحسب بيانات البنك المركزي المصري، بلغت هذه الاستثمارات 7.7 مليار دولار عام 2017/2018، متراجعة عما تحقق في العام السابق عليه بنحو 200 مليون دولار.

ترويج فاسد

وفي إشارة لحقيقة تطور الاقتصاد المصري، قال الصاوي إن الخطاب الاقتصادي للنظام يروج مع بعض المؤسسات الدولية، نجاح برنامج الاصلاح الاقتصادي، بمجموعة من المؤشرات مثل ارتفاع احتياطي النقد الأجنبي، وكذلك تراجع معدلات البطالة والتضخم، وانخفاض نسبة الدين العام للناتج المحلي الإجمالي، أو تحسن سعر صرف الجنيه أمام الدولار.

ولكن بتحليل مضمون هذا الخطاب والرجوع لدلالات حقائق الأرقام، وليس مجرد ارتفاعها أو انخفاضها، نجد أن ارتفاع الاحتياطي مرتبط بزيادة الدين الخارجي لمصر والبالغ 96 مليار دولار بنهاية 2018، وأن انخفاض التضخم ناتج عن انتهاء موجة سابقة وليس نتيجة تحسن الإنتاج وتحسن الدخول الحقيقية للأفراد، أما عن تراجع معدلات البطالة فهو مجرد تلاعب بالإحصاءات، حيث يتعمد ذكر أرقام الداخلين الجدد لسوق العمل بأقل من قيمتها.

واضاف أن التلاعب الرقمي والإحصائي فيما يتعلق بنسب البطالة بمصر من خلال ما ورد بالنشرة السنوية لبحث القوة العاملة لعام 2017 والصادرة في مايو 2018، حيث تبين في ص 13 أن قوة العمل كانت بحدود 28.4 مليون فرد، 28.9 مليون فرد، 29.5 مليون فرد، خلال أعوام 2015 و2016 و2017 على التوالي، أي أن عدد الداخلين لسوق العمل في أعوام 2016 و2017، نحو 500 ألف فرد و600 ألف فرد.

وهذه الأرقام تتنافي تمامًا مع ما جاء في الكتاب الاحصائي السنوي لعام 2018، والمنشور على موقع معهد الاحصاء، والتي تبين أن خرجي الجامعات والتعليم الفني بلغوا 922 ألف فرد و978 ألف فرد على التوالي في عامي 2016 و2017. وإذا ما أضفنا إليهم الداخلين لسوق العمل من غير المتعلمين، فسنجد أن الرقم في أقل تقديراته يتجاوز المليون فرد.

واشار إلى أن بعض الخريجين يذهبون لأداء الخدمة العسكرية ولا يلتحقون بسوق العمل، ولكن هذا العدد يقابله آخرون أنهوا الخدمة العسكرية، ومؤهلين للالتحاق بسوق العمل، إذًا هذا المتغير الخاص بالالتحاق بالخدمة العسكرية في حكم العدم في تأثيره على تراجع أعداد الملتحقين بسوق العمل. وبناء على هذه النتيجة ستكون قوة العمل في عام 2017 على سبيل المثال بحدود 30 مليون فرد، وليس 29.5 مليون كما هو معلن من قبل جهاز الاحصاء، وعليه فيكون معدل البطالة عند معدل 13.3% وليس 11.8%. وبذلك فكل معدلات البطالة التي أُعلنت بعد الانقلاب العسكري في يوليو 2013، هي محل شك، والغريب أن خبراء صندوق النقد الدولي يصدقون عليها.

واضاف أن الحديث عن تراجع نسبة الدين العام للناتج يفقد مصداقيته أمام الفجوة التمويلية بالموازنة العامة للدولة، وكذلك تحسن سعر صرف الجنيه، يعود بنسبة كبيرة إلى استثمارات الأجانب في الدين العام المحلي، فضلًا عن أن ثمة شبهة دور للبنك المركزي بالتدخل في سعر الصرف، وهو ما نقلته وكالة “رويترز” عن خبراء اقتصاديين في مايو 2019، وأضافت بأن شركة (لايتهاوس لأبحاث السوق، والتي تتخذ من دبي مقرًا لها) تذهب إلى “أن موجة صعود الجنيه المصري في الآونة الأخيرة تخالف الاتجاه التراجعي العام في أصول الأسواق الناشئة العالمية”.

الوضع الاقتصادي في مصر ـ تراجع لا تعافي