انتهت دراسة بحثية إلى أن جماعة الإخوان المسلمين لم تكن أبدا بادئة بالصدام مع نظم الحكم المتعاقبة على مصر منذ تأسيس الجماعة سنة 1928 م على يد الإمام الشهيد حسن البنا. لافتة إلى أن الجماعة وقادتها وأعضاؤها تعرضوا على يد الحكومات المستبدة لشتى أنواع الظلم والطغيان من إزهاق الأرواح ومصادرة الحريات والأموال وحملات الدعاية السوداء والتشويه المتواصل.

الدراسة التي جاءت بعنوان «الإخوان المسلمون» وأسباب الصدام مع الأنظمة الحاكمة»،  والمنشورة على موقع “ويكي إخوان”، تعزو أسباب الصدام بين الجماعة وحكومات الأقلية في العهد الملكي إلى عدة أسباب منها:

  1. الفكر الذي احتضن به الانجليز بعض المصريين وصنعوا منهم زعمات يخدمون بها سياستهم في مواجهة المصريين.
  2. تقديم بعض من في السلطة المصالح الفردية والحزبية على المصالح العامة للوطن والشعب وخدمة القضايا الوطنية مما جعلهم يصطدمون مع كل من يعمل ضد مصالحهم ورغبات المحتل.
  3. التغييرات التي أحدثتها جماعة الإخوان في صفوف الشعوب والعمل على نشر الوعي الوطني والمطالبة المستمرة باستقلال البلاد والتحرر من قبضة المحتل وأعونه من الحكام.
  4. تكالب الدول الغربية والصهاينة على حركات المقاومة ضدهم وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين والتي برز أفردها في العمليات النوعية ضد أهداف المحتل، والمقاومة العنيفة التي ظهرت منهم في حرب فلسطين عام 1948م وحرب القنال عام 1951م.

وحول أسباب تأسيس النظام الخاص، تقول الدراسة إن الإمام البنا عندما أدرك مرامي وأهداف الإنجليز ومماطلتهم في الانسحاب من البلاد قام بتكوين جهاز النظام الخاص الذي أنشأه عام 1941م،  وكان يهدف من نشأته إلى:

1- محاربة المحتل الإنجليزي داخل القطر المصري.

2- التصدي للمخطط الصهيوني اليهودي لاحتلال فلسطين.

وتشدد الدراسة على أن النظام الخاص للإخوان لم يكن هو النظام العسكري السري الوحيد في مصر، فقد كان لكل حزب مثل الوفد ومصر الفتاة عناصر عسكرية متمثلة في القمصان الزرقاء والخضراء، كما كانت جماعة اليد السوداء والتي كان يرأسها أحمد ماهر وكان نائبه النقراشي هي الجمعية السرية لحزب الوفد، وقامت بعمليات اغتيال كثيرة مثل السير لى ستاك، وحسن عبد الرازق باشا وإسماعيل زهدي بك عضوي حزب الأحرار، كما اشترك إبراهيم عبد الهادي (رئيس الوزراء فيما بعد)، وعبد الرحمن بك فهمي بجرائم اغتيال سياسية. بل كانت من أهم الأحداث والاغتيالات السياسية حادثة مقتل أمين عثمان، والذي قام بها حسين توفيق ومحمد أنور السادات والذي كان يعتبره السادات عملًا بطولياًّ وكان يفتخر به.

مراحل الصدام

وحول مراحل الصدام تناولت الدراسة الصدام الأول بين الجماعة وحكومة الأقلية برئاسة النقراشي باشا، ومن بعده إبراهيم عبدالهادي. وأكدت أن النقراشي هو من بدأ بالصدام بالاستجابة لأوامر المحتل الإنجليزي بحل الجماعة بعد الاجتماع الذي ضم سفراء الإنجليز وأمريكا وفرنسا في مدينة فايد في 11نوفمبر 1948م حيث قرر حل جماعة الإخوان المسلمين في 8 ديسمبر 1948م ومصادرة أموالها واعتقال أفرادها. هذا بخلاف قراراته الأخرى التي مالأ فيه الإنجليز على حساب الوطن والشعب ومذبحة كبرى عباس الشهيرة ضد طلاب مصر والقبول بالهدنة خلال حرب فلسطين ما أتاح لعصابات اليهود التفوق بعد ذلك على الجيوش العربية.

المحطة الثانية من الصدام جاءت بعد خروج الإخوان من سجون إبراهيم عبدالهادي في بداية الخمسينات حيث ألغى القضاء قرار حل الجماعة الذي أصدره النقراشي وعده قرارا غير دستوري ، وأمرت بإعادة أملاك الإخوان لهم غير أن حكومة الوفد رفضت ذلك كما رفضت الاعتراف بجماعة الإخوان كهيئة إسلامية جامعة، وحاولت سن قانون لحصرها في كونها جمعية خيرية كغيرها من الجمعيات. كما حاول «فؤاد سراج الدين» بيع المركز العام في المزاد العلني، وحوَّله إلى قسم شرطة الدرب الأحمر، كما أصدرت حكومة الوفد بعد ذلك قانون الجمعيات في 26أبريل من عام 1951م، وهو القانون (66) لعام 1951م بشأن الجمعيات ذات الأغراض الاجتماعية والدينية والأدبية، وكان الغرض من هذا القانون تحويل الإخوان إلى جماعة دينية بعيدة عن السياسة، إلا أن قرار محكمة القضاء الإداري الصادر في 17سبتمبر 1951م لم يمكِّن حكومة الوفد من تنفيذ مخططها؛ إذ قرر أن جمعية الإخوان المسلمين تكوَّنت في ظلِّ الحقِّ الأصيل في تكوين الجمعيات الذي أعلنه دستور 1923م. وجاء الحكم في الموضوع في القضية (190) لسنة 3 قضاء إداري ليؤكِّد الحكم السابق، ويؤكِّد أن الإخوان هيئة إسلامية جامعة، وأن الإخوان وفقوا أوضاعهم وفقًا للقوانين المعمول بها.

أما المحطة الثالثة فكانت في عهد الطاغية جمال عبدالناصر، حيث تعزو الدراسة أسباب الصدام بين الجماعة ونظام 23 يوليو ، إلى روح الانفرادية والسيطرة على السلطة من قبل بعض العسكر الذين وجدوا أنفسهم بين عشية وضحاها في سدة الحكم.

وتشير الدراسة إلى أن هذه الفترة «اتسمت  بالصدام بين كل الأطراف، التي حاول كل منها أن يكون هو الفائز. فوجدنا صراع العسكر بين بعضهم البعض حتى تغلب فريق على الأخر. ورأينا الصراع بين العسكر والأحزاب السياسية، في محاولة لتفريغ الساحة من الأحزاب المؤثرة. بل إن عبدالناصر قام باعتقال الشيوعيين وقادة الأحزاب في سعيه للحكم الفردي السلطوي. ورأينا الصراع بين العسكر ودعاة الديمقراطية وعودة العسكر إلى ثكناتهم مثل السنهوري والذي كان جزاءه الضرب من العسكر. ورأينا الصراع بين الإخوان والعسكر في محاولة لضرب الحركات الإسلامية القوية».

وتستخلص الدراسة من ذلك أن  أزمات الصراع والصدام في اصلها نابعة من السلطة الحاكمة، وليس من الإخوان كما يدعون لأنها لو كانت الجماعة هي سبب الصدام فلماذا اشتبك النظام العسكري مع كل القوى الموجودة – بما فيهم أنفسهم – في محاولة لسيطرة فئة قليلة على الحكم والاستئثار به؟

وتنقل الدراسة عن الدكتور هالة مصطفي في كتابها “الدولة والحركات الإسلامية المعارضة بين المهادنة والمواجهة في عهدي السادات ومبارك”ص(111: 119): «انتهت أغلب الدراسات في مجال النظم السياسية المقارنة إلى إدراج النظام المصري في عهد جمال عبد الناصر ضمن النظم السلطوية – Authoitarian Regime- وأنه نظام يتسم بعدد من الخصائص أهمها 1- إنه نظام لا ينهض على وجود أيديولوجية سياسية قوية متماسكة، 2- وجود حزب سياسي واحد يحتكر القوة السياسي، 3- لا يوجد تعبئة سياسية في النظام السياسي السلطوي إلا في بداية قيامه، أما بعد استقراره فإن النظام لا يعتمد إلى الاعتماد على التعبئة الجماهيرية، 4- يهتم النظام بالسيطرة على الجيش ويحتل القادة العسكريون وضعا متميزا في النظام السياسي حيث يتحولون إلى سياسيين.كما تميز هذا النظام بضعف الأيديولوجية الرسمية، والضعف المؤسسي».

وترى الدراسة أن هذه الخصائص قام عليها نظام عبد الناصر والسادات ومبارك ومن بعدهم السيسي حيث الانفراد بالسلطة وعدم إشراك الهيئات أو المؤسسات في إدارة دفة الحكم ومن ثم وجد الصدام مع كل طوائف الشعب غير أنه زاد مع الإخوان بسبب محاولتهم إصلاح هذا النظام وإرساء الحياة النيابية فتؤدي بطبيعة الحال إلى الصدام.

وتعزو الدراسة أسباب الصدام في المحطة الرابعة في عهد الرئيس السادات إلى رفض الإخوان اتفاقية كامب ديفيد. كما أن السادات لم يتصادم مع الإخوان وحدهم بل تصادم مع الجميع؛ حتى بلغت ذروة الصدام بين النظام والقوي السياسية والدينية في سبتمبر 1981م حينما قام السادات باعتقال رموز وبعض أعضاء هذه الهيئات الدينية السياسية بما فيهم الأستاذ التلمساني والبابا شنودة والشيخ أحمد المحلاوي وفتحي رضوان والكثيرين من القوى السياسية وغيرهم.

وفي المحطة الخامسة، في عهد مبارك تعزو الدراسة أسباب الصدام إلى النظام نفسه حيث تستشهد بتصريحات مبارك نفسه التي يشهد فيها أن الإخوان يعملون من خلال مؤسسات الدولة وذلك في تصريحه الذي نشرته صحيفة الأهرام العدد 39046 السنة 118 ليوم 16 جماد الأولي 1414 هـ الموافق 1/11/1993م صـ(1) حيث قال: «إن هناك حركة إسلامية في مصر تفضل النضال السياسي على العنف وقد دخلت هذه الحركة بعض المؤسسات الاجتماعية واستطاعوا النجاح فيها في انتخابات بعض النقابات المهنية مثل الأطباء والمهندسين المحامين».

وتؤكد الدراسة أن الصدام بدأ من جانب النظام، عن طريق الاعتقالات المستمرة بعد القضية الشهيرة بسلسبيل ثم تقديم رموز الجماعة للمحاكمات العسكرية المتتالية بدون تهمة كعسكرية 1995م و2001م وعسكرية 2007م والتي حوكم فيها 40 من قيادات الجماعة، أضف لذلك التضييق الذي مارسه النظم ضدهم داخل النقابات والانتخابات التشريعية وتزويرها المستمر وشطب الطلبة من انتخابات الاتحادات، وضرب شركاتهم الاقتصادية، وزاد من الصدام وقوف الجماعة ضد توريث الحكم وهو ما جعل نظام مبارك أكثر شراسة معهم.واستمر الصدام حتى اندلعت ثورة 25 يناير والتي لم تدم كثيرة حتى عاد النظام القديم تكوينه وأجهض على الثورة ورجالها، ولم تقتصر مصادماته مع الاخوان فحسب بل بلغت ذروتها مع جموع الشعب كله.

Facebook Comments