توقّعت دراسة للشارع السياسي بعنوان “تشكيل الحكومة اختبار صعب أمام برلمان تونس المنقسم”، أن نتائج الانتخابات التشريعية التونسية كانت غير حاسمة للقوى السياسية التونسية، والتي تهدد بائتلافات على غير هوى التونسيين لتشكيل الحكومة الجديدة.

وربطت الدراسة بين فوز “قيس سعيد” بالاستحقاق الرئاسي المقبل في13  أكتوبر، وفك الصعوبة، متوقعة أن “التوافق بين النهضة والقوى القريبة من الثورة التونسية والمستقلين سيكون قريبًا وسهلًا، وفي حال صعود “القروي” رئيسًا فسيصعب التوافق، ما يهدد بتوافق قوى الثورة المضادة مع حزب “قلب تونس” الذي شكله نبيل القروي، والذي صدر قرار بالإفراج عنه!.

أما السيناريو الثالث، فتوقعت فشل التوافق على تشكيل الحكومة الجديدة، والعودة للمربع صفر بإعادة الانتخابات التشريعية.

وأثنت الدراسة على التجربة الفريدة عربيًّا، حيث تأكد تمسك التونسيين بالديمقراطية والصندوق الانتخابي كطريق للتغيير السياسي، وأنه رابع اختبار ديمقراطي منذ ثورة الياسمين في 2011، وتأصل من خلاله التداول السلمي للسلطة وقرار الشعب باختيار من يحكمه.

مؤشرات سلبية

وركّزت الدراسة على المؤشرات السلبية، ومنها ضعف المشاركة، ويرجع ذلك إلى تلازم الانتخابات التشريعية والرئاسية، وعدم قيام الهيئة بجهد في تشجيع الناخبين، وتركيز الجميع طيلة الأسبوع الماضي على مشاكل الانتخابات الرئاسية، بالإضافة إلى مسائل تقنية، ونفور الناخبين من العمل السياسي، فامتنع 60% من الناخبين عن التصويت.

أما المؤشر الثاني فكان البرلمان المنقسم، فالنتائج لم تعط أي قوة لأي حزب أو قوى منفردة، تمكنها من العمل بأريحية وتنفيذ برامجها، مع مضاعفة المخاوف من المشهد الجديد ومن التقلبات المتواصلة.

ولفتت إلى أن حزبي “النهضة” و”نداء تونس” كانا يتمتّعان بـ69 مقعدًا و89 مقعدًا على التوالي في البرلمان السابق، ومعهما أحزاب أخرى، ومع ذلك لم ينجحا في تكوين حكومة مستقرة بإمكانها تحقيق مطالب الناس.

بعيد المنال

وبحكم الدستور، سيوكل لحركة “النهضة” تكوين الحكومة، إلا أن أحزاب “قلب تونس” و”التيار الديمقراطي” و”الحزب الدستوري” أعلنت عن عدم استعدادها للتحالف مع النهضة بمجرد صدور النتائج.

غير أنَّ حركة النهضة استبقت هي الأخرى بإعلان إجراء مشاورات لتكوين حكومة كفاءات، سواء من داخل الأحزاب أو خارجها، محاولة تجنب إعادة الانتخابات.

قوى جديدة

وكشفت نتائج الانتخابات عن قدوم قوى جديدة للساحة السياسية، من بينها “ائتلاف الكرامة” و”عيش تونسي”، و”الجمعية” التي تتحول شيئًا فشيئًا إلى حزب، وحزبا “حركة الشعب”، “التيار الديمقراطي” اللذان رُفعا إلى مرتبة أعلى ومرحلة جديدة من مساريهما، بالإضافة إلى “الحزب الدستوري الحر” الذي يدخل البرلمان بقوة، وسيكون صوتًا معارضًا قويًّا على مدى السنوات القادمة.

وشكّلت النتائج خليطًا بين قوى الثورة والنظام القديم، والإسلاميين والحداثيين، واليسار الاجتماعي والأحزاب الليبرالية، بما يؤكد المزاج التونسي العام.

كما كان لافتًا تراجع حصة حزب الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي من مقاعد البرلمان من 89 مقعدًا منحته الصدارة في انتخابات 2014 إلى 3 برلمانيين فقط.

تحديات مقبلة

وبحسب الدراسة، قالت “يُنتظر أن ترث الإدارة التونسية (الحكومة) المقبلة، نصيبًا مهمًا من الإصلاحات الاقتصادية التي لا يزال صندوق النقد الدولي يطالب بها، بعد أن أنجزت حكومة يوسف الشاهد جزءًا مهمًّا من الإجراءات المتعلقة بخفض دعم الطاقة، وتقليص عجز الموازنة، وتجميد التوظيف في القطاع العمومي.

ويعد إصلاح المؤسسات العامة واحدا من أبرز الملفات التي تنتظر حكومة ما بعد الانتخابات، بعد أن تجنّب الشاهد مرارا الخوض في هذه المسألة؛ منعًا للاصطدام مع الاتحاد العام التونسي للشغل الذي يعتبر مؤسسات القطاع الحكومي خطا أحمر.

وألمحت إلى أنَّ تطوير وثيقة “قرطاج 2” تفرض نفسها ما بعد الانتخابات؛ نظرًا للتنوع الحزبي للبرلمان القادم وللتشكيل الحكومي الذي قد ينبثق عنه، وسط توقعات بأن تكون السياسات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة في شكل مبادرة جديدة (قرطاج 3) يقودها الرئيس المقبل للبلاد لتجنب الصعوبات التي اعترضت الحكومة السابقة في تنفيذ الإصلاحات وتمرير برنامجها الاقتصادي.

وتواجه تونس ضغوطًا من المقرضين الدوليين، وفي مقدمتهم صندوق النقد الذي وافق، العام الماضي، على إقراض تونس 2.8 مليار دولار، مقابل حزمة إصلاحات في عدد من القطاعات.

ومن أبرز التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة، مشروع الموازنة الجديدة، حيث يجري توجيه أكثر من 85% من الموازنة نحو تمويل النفقات الجارية، لا سيما منها كتلة “أجوا” تقدر بـ19 مليار دينار (تمثل 15% من الناتج المحلي الخام) والمنح والتدخلات والتحويلات بما يقدر بـ8 مليارات دينار، وخدمة الدين العمومي بأكثر من 11 مليار دينار.

أي أن “ثلث الثروة الوطنية، التي يتم إنتاجها سنويا، من القطاع العمومي والخاص، يتم تبديدها في النفقات العمومية وغير المنتجة والاستهلاك الجاري وتسوية الديون السابقة”.

وينتظر أن تبلغ قيمة موازنة تونس، وفقا لميزانية السنة المقبلة، 47 مليار دينار، مقابل 40.8 مليار دينار للسنة الحالية، من بينها 6 مليارات دينار ستخصص للتنمية، و12 مليار دينار لخدمة الدين.

Facebook Comments