أكدت دراسة أن المقاطعة الاقتصادية لها جدواها الملموسة، وليست طرحًا دعائيًا أو رمزيًا، وغالبية معوقات أو عدم تفعيل المقاطعة الاقتصادية هي عوامل داخلية، يمكن التغلب عليها، مشيرة إلى أن تحدي العوامل الخارجية سوف يفجر طاقات الأمة إذا ما اعتبرت أن تدبير احتياجاتها فرض عين، ولقد لمس أثر المقاطعة الاقتصادية قديمًا وحديثًا.

وأوصت الدراسة التي جاءات بعنوان "سلاح المقاطعة الاقتصادية.. الجدوى والآفاق" للباحث الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي ونشرها "مسار للدراسات الإنسانية" بأهمية تبني المؤسسات والحركات الإسلامية التأصيل لدعوة المقاطعة الاقتصادية لكل من يحارب الإسلام وأهله، والتركيز على الجانب التوعوي لدى المستهلكين، وأن قوة الأمة الاقتصادية هدف لقوتها السياسية، واستعادة حقوقها.
وأضافت أنه في ظل "المرجعية الرأسمالية" الحاكمة لمقدرات الاقتصاد العالمي، ينبغي التركيز على لغة المصالح الاقتصادية، بحيث تكون المعاملات الاقتصادية على مستويات الدول ومجتمع الأعمال مصحوبة برسائل تؤيد الحق العربي الإسلامي في استعادة حقوقه، والحفاظ على هويته.

تفعيل الاتحادات النوعية
وأوصت الدراسة أيضا بتفعيل المؤسسات العربية الإسلامية الموجودة حاليًا، مثل الاتحادات العربية النوعية، التي يزيد عددها عن نحو 60 اتحاد نوعي، كغرف التجارة العربية الإسلامية، ومجموعة الثمانية للتنمية التي تضم أكبر ثمانية بلدان اسلامية، ومؤخرًا مجموعة الخمس الإسلامية التي تم تكوينها في ديسمبر 2019 وتضم كلا من (إندونسيا، إيران، تركيا، ماليزيا، قطر) بما يؤدي إلى وجود تعامل تجاري اقتصادي نشط في المرحلة المقبلة.
وأشارت إلى أهمية الدفع للتوظيف السياسي للمال العربي في ضوء المصالح العربية الإسلامية، وبخاصة بعد ظهور ملامح خريطة جديدة للقوى الاقتصادية العالمية.

ورأت الدراسة تشجيع استخدام المنتجات القطرية والعربية الإسلامية، كنوع من المقاطعة الإيجابية، وبخاصة في ظل توافر سلع بديلة على الصعيد التكنولوجي من ماليزيا وأندونسيا، أو سلع تقليدية وسيارات من تركيا، مع مراعاة أن تكون المنتجات للشركات الوطنية وليست الأجنبية.
وشجت الدراسة خروج الحكومات العربية والإسلامية من وضع الصراع والمشاحنات والطائفية إلى روح الأخوة والتعاون، ويكون ذلك من خلال تبني النخبة الحديث عن أهمية هذا الطرح، وأنه من أهم عوامل تقييم الحكومات.

الخروج من التبعية
واقترحت الدراسة تصحيح منطلقات مجتمع أعمال في ممارسة العمل الاقتصادي والتجاري، بحيث يكون آداؤهم مكملًا لأدوار الحكومات والمجتمع الأهلي، والتركيز على سد احتياجات الدول من خلال صناعات ومنتجات وطنية، والخروج من التبعية الاقتصادية، وأن مساحات التعاون الاقتصادية مع 57 دولة إسلامية ونحو 1.7 مليار مستهلك أرحب من غيرهم.

المقاطعة المؤثرة
واعتبرت الدراسة أن دعوة المقاطعة الاقتصادية، أظهرت طبيعة الأمة الإسلامية من كونها مازالت تملك مقومات قوتها، عندما أتيحت لها حرية التعبير عن رأيها وهويتها. وفي ظل تراجع جُل الدول العربية والإسلامية عن تبني مشروع المقاطعة الاقتصادية، فإن فُرص المجتمع الأهلي تأتي في الصدارة لتفعيل المقاطعة الاقتصادية، كما يحتاج مجتمع الأعمال إلى دعم قوي ليكون مكملًا لدور المجتمع الأهلي، حيث إن مجتمع الأعمال في البلدان العربية والإسلامية لايزال يعمل في حضن الحكومات، وهو امتداد طبيعي لاقتصاديات العولمة، حيث ترسخت لديه أولوية المصالح الاقتصادية وتعظيم الربح.

مسئولية الحكومات
وحرصت الدراسة على تأكيد أن قيام المجتمع الأهلي بهذا الدور، فينبغي أن ينطلق من قاعدة أنه ليس بديلًا للحكومات في الدول العربية والإسلامية، وإنما دوره هو دور المكمل، حتى لانعفي هذه الحكومات من مسئولياتها التاريخية، تجاه واجباتها في ظل حالة الهوان والضعف للأمة.

وشدد على ضرورة إعادة روابط مهمة حاول البعض إزالتها، مثل الإخوة الإسلامية، وأن مقدسات الأمة وقيمها لا تتسم بالقُطرية، بل هي كل لا يتجزئ.
وأضافت أن تفاعل رجل الشارع مع دعوة المقاطعة حدثت موجات انزعاج كبيرة لدي المعنيين، ولولا مخافة الحكومات العربية والإسلامية من توظيفها لصالح المشروع السياسي للإسلاميين لكان للمقاطعة الاقتصادية من جانب المجتمع الأهلي شأن ونتائج أخرى.

دراسة موجزة
وتناولت الدراسة تعريف المقاطعة الاقتصادية وأنواعها وأهدافها، ثم المبررات والاعتراضات على تفعيل دعوة المقاطعة الاقتصادية، وواقع ممارسة المقاطعة الاقتصادية مسترشدة في ذلك بحالات من السيرة النبوية والممارسة العربية في العصر الحديث، سواء من قبل الحكومات أو المجتمع الأهلي، ثم الممارسة الدولية في ضوء ما تعرضت له دول عربية وإسلامية (نموذج العراق وإيران).
وخلصت الدراسة في هذا الجانب إلى تراجع المقاطعة الرسمية العربية والإسلامية منذ دخول الدول العربية في حلبة السلام مع دولة الكيان الصهيوني، وحلت محلها مقاطعة المجتمع الأهلي بالبلدان العربية والإسلامية، حيث حققت جوانب إيجابية ملموسة، ولكنها لم تخلُ من بعض الأخطاء، أبرزها افتقادها للمؤسسية والديمومة.

إشكاليات المقاطعة
واستعرضت الدراسة بعض الإشكاليات السياسية والاقتصادية والتنموية التي تعتبر حجر عثرة في تفعيل دعوة المقاطعة الاقتصادية، سواء على الصعيد البيني العربي الإسلامي، أو غياب الدور على صعيد المؤسسات الاقتصادية الدولية، وتهميش الدور السياسي للمال العربي. ثم طرحت الدراسة مجموعة من الآليات على صعيد دوائر ثلاث، هي: الحكومات، ومجتمع الأعمال، والمجتمع الأهلي.
وركزت الدراسة على أن المجتمع الأهلي رغم نجاحه في تفعيل سلاح المقاطعة الاقتصادية، إلا أنه يجب ألا يفهم أنه بديل لدور الحكومات ومجتمع الأعمال، وينبغي وضع الحكومات العربية والإسلامية أمام مسئولياتها التاريخية تجاه القضايا التي تخص مقدرات ومقدسات الأمة. وأشارت الدراسة إلى أهمية تفعيل مؤسسات التعاون الاقتصادي العربي الإسلامي الحالية، ومن أهم الآليات التي طرحتها الدراسة لكي يفعلها المجتمع الأهلي هي عدم الاكتفاء بالمقاطعة السلبية والتوجه للمقاطعة الإيجابية، من أجل خلق نموذج تنموي يعتمد على الذات ويكون ظهير وسند لقضايا الأمة السياسية وغيرها.

Facebook Comments