“تارة صنيعة بريطانيا وتارة أخرى عملاء الأمريكان وثالثة يتآمرون مع الألمان”، بهذه الترهات يتهم الانقلابيون جماعة الإخوان المسلمين، صوت الحق والقوة والحرية في عالمنا العربي والإسلامي، ويستغلون رفض حكومات غربية– بمنطق المصالح- كما فعلت بريطانيا بتصنيف الإخوان كتنظيم إرهابي، ويستكثرون أن تعتبر وزارة الداخلية في الحكومة الألمانية جماعة الإخوان المسلمين، أقدم تنظيم سياسي واجتماعي، والأكثر شعبية وتأثيرًا على الحياة الاجتماعية والسياسية في بلدان العالم الإسلامي، وفي مقدمة من يسعون لتلبية احتياجات شعوب البلاد التي ينتمون إليها.

جاء ذلك في إطار الرد على استفسار أعضاء لجان شئون السياسة الخارجية والداخلية من كتلة الحزب البديل لألمانيا بالبرلمان الألماني، هذا الحزب المعادي للإسلام والأجانب، الثلاثاء 19 فبراير الماضي.

دراسة وإيضاحات

وفي إطار تفنيد الاتهامات، يخصص موقع “إخوان ويكي” مساحة لدراسات أو أوراق بحثية تستند إلى الدليل والبرهان، والايضاحات عن الإخوان المسلمين لمقارعة الحجة بالحجة، وقد أعد الموقع دراسة من نحو 4300 كلمة تتناول “حقيقة العلاقة بين الإخوان المسلمين وألمانيا النازية”. وقال إن ما يحدث الآن من هرولة الأنظمة العربية للارتماء في الأحضان الإسرائيلية الأمريكية ليس بغريب ولا جديد، فطباع الحكام قد توارثوها جيلا بعد جيل، حيث كانت طباع الأجيال الأولى للحكام العرب بعد إلغاء الخلافة الإسلامية مثل طباع حكام اليوم، منذ الحسين بن علي، شريف مكة، وغيره من الحكام الذين عمدوا إلى تذليل العقبات لإقامة الدولة الصهيونية، أو من عمل من أجل أمنها بعد ذلك.

وخلصت الدراسة إلى أن الاتهامات الموجهة إلى جماعة الإخوان المسلمين خاصة، والحركات الإسلامية المتصدية للمشروع الصهيوعربي عامة، لن تتوقف أو تنتهي، حيث إن إسرائيل تسعى لدعم قواعدها وتثبيت أركانها مقابل تثبيت الحكام العرب لعروشهم وممتلكاتهم، وهو ما يجعلهم يتفقون على هدف واحد، وهو القضاء على كل من يعمل على تقويض أهدافهم.

دوافع صهيونية

وفي تحليل لهذا الاستهداف، أشارت الدراسة إلى اللوبي الصهيوني والتابعين للحكام العرب من أجل إلصاق التهم بجماعة الإخوان المسلمين، لافتة إلى أن المواقع الإلكترونية بالإنجليزية تؤكد أن اللوبي الصهيوني أكثر من نشط في العمل على الصاق عمالة الإخوان لألمانيا عن طريق مفتي فلسطين أمين الحسيني، وربطه بجماعة الإخوان المسلمين؛ لما جمعهم من هدف مشترك في الأربعينيات وما بعدها، وهو التصدي للمشروع الصهيوني، بل وإعداد كتائب استطاعت أن تقوض الحلم الصهيوني لولا الخيانة العربية.

وقالت إن الجزء الأكبر من هذه المعضلة؛ العمل على محاربة الحركات الإسلامية والقضاء عليها– إن استطاعوا إلى ذلك سبيلا – وفي القلب جماعة الإخوان المسلمين؛ لأنهم يعتبرونها الخطر على المشروعات الوراثية للحكم في البلاد العربية، كما أنها التهديد الفعلي للوجود الصهيوني في المنطقة، ومن ثم لن تتوقف هذه الحرب، ولن تتوقف التهم ضدهم، ولن يتوقف السعي للقضاء عليهم وعلى أي حركة أو جماعة ترفع الإسلام شعارا.

علاقات لا عمالة!

وقالت الدراسة، إن حسن البنا لم يكن يوما عميلا للألمان ولا غيرهم، ولم يرحبوا يوما بهتلر وجنوده؛ لكونهم نظروا إليهم على أنهم محتلون مثل الإنجليز، إلا أنهم– مثلهم مثل غيرهم– أظهروا التعاطف مع الانتصارات الألمانية في محاولة لكسر قوة الإنجليز والتخلص منهم، حيث كانت الدوائر الرسمية تتطلع لهذا الانتصار، حيث نجد الملك فاروق يسعد بأخبار انتصارات الألمان– وهو ما أدى لحصار القصر في 4 فبراير والضغط عليه لتولية النحاس باشا رئاسة الوزراء– حيث كان القصر يتزعم تعبئة الشعور العام ضد بريطانيا وتأييد المحور تأييدا معنويا، بل إن الملك فاروق– كما جاء في صحيفة الأهرام- قام بالاتصال بإيطاليا، مؤكدا دعمه لها ولألمانيا حتى إن المارشال بالبو حاكم ليبيا زاره في قصره.

وأضاف أن حزب مصر الفتاة المصري كان يسير على نهج الفاشية والنازية في كل تصرفاته، حتى إنه رفع علم الفاشية والنازية فوق مقر الحزب وقام بزيارة لإيطاليا وألمانيا– كما ورد في صحيفة مصر الفتاة جمادى الأول 1357هـ، الموافق يوليو 1938م– فلم يتهمه أحد بالعمالة، أو الخيانة مثلما كيلت التهم للحركات الإسلامية.

بل إن السادات كان على تواصل بالألمان في وقت كان فيه في الجيش المصري، وقد تفاخر بذلك في مذكراته، بل قام بالتعاون مع حسين توفيق وجماعته باغتيال أمين باشا عثمان– وزير المالية في حكومة النحاس– لتعاونه الوثيق مع الإنجليز، ولدعمه لاحتلالهم البلاد.

بل إن الإنجليز حينما اشتدت عليهم الضربات من قبل القوات الألمانية، حتى وصلت قوات روميل إلى العلمين، أحاطوا القطر الملكي المصري في 4 فبراير من 1942م لإجبار الملك على تعيين النحاس باشا رئيسا للوزراء أو التنازل عن الملك، حتى إن أحمد ماهر باشا– رئيس الوزراء فيما بعد– قال للنحاس: لقد جاءت وزارتك على أسنة الحراب البريطانية، وقد قبلها النحاس دون مبالاة، ولم يتهمه أحد بالخيانة العظمي للوطن أو الملك.

محاولة احتواء

وتحت عنوان (بريطانيا وأمنها القومي في مصر) سردت الدراسة كيف حاولت بريطانيا من خلال مستشرقيها ومندوبها الدائم “كلايتون” التواصل مع الإخوان في 1941، وكيف رد عليهم الإمام البنا، وكيف نشر هذه المقابلات في صحف “النذير” و”الإخوان المسلمين” في وقت تشتعل فيه الحرب العالمية الثانية.

واستعرضت الدراسة كيف عرض المستشرق البريطاني “هيورث دان” إجراء اتصالات مع الإخوان، طالبا تأييد الجماعة الإنجليز في الحرب ضد الديكتاتورية النازية، وذلك في مقابل تقديم الإنجليز دعمًا ماليًا للإخوان قدره 20 ألف جنيه، غير أن الإخوان رفضوا التعاون إلا في مقابل الجلاء وعدم مساعدة بريطانيا لهجرة اليهود إلى فلسطين، وذلك في شروط أربعة أملاها عليهم وكيل الجماعة أحمد السكري، يضاف للشرطين السابقين الاتفاق مع فرنسا على إخلاء سوريا ولبنان من جنودها، وأن تمدنا (بريطانيا) بالأسلحة والمعدات، ونحن مستعدون لطرد الطليان وحكومة فيشي من شمال إفريقيا، ونحمى بلادنا من أي غزو أجنبي.

وفي جريدة الإخوان المسلمين اليومية: رمضان 1365هـ / يوليو 1946م، كشفت عن محاولة لطي الإمام حسن البنا تحت إبط الإنجليز، وشرحت زيارة الكولونيل كلايتون المركز العام في أغسطس 1941م، وقابل حسن البنا وطالبه بالتعاون، وأبدى كلايتون إعجابه بالدين الإسلامي؛ وأخذ يتحدث عن الديمقراطية وما يقابلها في الإسلام من الحرية والشورى، وأمور أخرى، والأستاذ البنا يصغى إليه تمامًا حتى فرغ كلايتون من كلامه دون أن يقاطعه.

ثم قال الإمام البنا: إنكم لستم ديمقراطيين؛ حيث إن من يؤمن بالديمقراطية لا يمكن أن يطبقها في جهة ويهملها في جهة أخرى؛ فأنتم قد تكونون ديمقراطيين داخل بلادكم، ولكن إذا ما عبرتم البحار لا ترون الناس إلا عبيدًا. قال له كلايتون: لا، إنما جئت لأقول لك: إننا لا نريد أن نعمل شيئًا إلا برضا الشعوب واختيارها. فرد عليه الإمام البنا قائلا: تعلمون أن ما من بلد عربي فيه جندي أجنبي إلا وله كاره، فإن كنتم جادين في الديمقراطية فأول شيء أن تعلنوا الجلاء التام بلا قيد ولا شرط عن جميع البلاد التي تحتلونها. فقال كلايتون: سنفعل هذا بعد الحرب. قال له الإمام البنا: وما المانع أن تعلن أثناء الحرب؟ فراغ كلايتون من هذا السؤال ثم علق الإمام البنا قائلا: لقد قطعتم مثل هذه العهود أثناء الحرب العالمية الأولى، وبعد انتهائها لم تزيدوا الشعوب إلا اضطهادًا واستعبادًا، هذه واحدة، أما الثانية يا مستر كلايتون فهي قضية فلسطين البلد العربي بمسلميها ومسيحيها التي تعلنون الانتداب عليها، وترتكبون مع اليهود أفعالا أشد مما فعلته محاكم التفتيش في القرون الوسطى بأهلها من قتل وتشريد وإزالة القرى ونسفها؛ فأين تكون الديمقراطية في هذا؟ ولما لا تنسحبون منها وتتركون لأهلها إدارة شئونها؟ الأمر الثالث: إنكم تحتكرون المواد الخام في بلادنا وخاصة القطن المصري، تأخذون القنطار بجنيه وتردونه علينا بأكثر من مائة جنيه لمنعنا من إقامة مصانع غزل ونسيج، كما تحرمون على الحكومات أن تبيع القطن لغيركم.. فهل هذه ديمقراطية؟.

ثم قال حسن البنا: ماذا تقولون عن هتلر الذي دفع بالعالم إلى هذه الحرب؟ قال كلايتون: مجنون، قال: وماذا يقول الروس عنكم وعنه؟ قال: يقولون مجانين، قال البنا: كل فريق فى الحرب يقول عن الآخر: إنه مجنون، أما بقية العالم فيقولون عن الجميع: إنهم مجانين، والحقيقة أن الجميع مجانين؛ لأنهم لو أنفقوا ما ينفقون على الحرب فيما بينهم لحلوا المشاكل التي بينهم، ولكن لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها، ولكن أخلاق الرجال تضيق. والسبب فى ذلك يا مستر كلايتون أنكم- معشر الغربيين- قطعتم الصلة بينكم وبين الله، ولو أنكم ارتبطتم بالله لوفرتم على البشرية كل هذه الآلام. ومهمة الإخوان هى أن تصل مَنْ فى الأرض بالسماء (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: 13]. هنا قال كلايتون: صحيح، وأعدكم إذا انتصرت بريطانيا فسنحقق ما تريدون!.

دفع ذلك كلايتون ليعرض على البنا المال، حيث عرض عليه ما يقرب من خمسمائة ألف جنيه مقابل التعاون، غير أن حسن البنا رفض التعاون إلا بالشروط السابقة، وقال له: ستجد التعاون معي هو أصعب الطرق على بريطانيا.. خزائننا هي قلوب الإخوان؛ ولهذا فلو شئت سأجمع من هؤلاء الرجال مئات الآلاف فى أقل من أسبوع، فنحن لسنا كأي هيئة لقيتها من قبل.

وأنصحك أن توفر كل قرش لخزينة بلادك؛ لأننا لن نقبل شيئًا من مثلكم، كما أن الزعماء الذين تشترونهم بأموالكم لا يملكون إلا أنفسهم، أما الشعوب فلن تقبل بغير استقلالها التام مهما كلفها من ثمن، ووفروا أموالكم هذه أو اشتروا بها معدات، وواجهوا بها أعداءكم بعيدًا عنا؛ فنحن لا توجد بيننا وبين ألمانيا أو إيطاليا نزاع؛ فهلا ابتعدتم عنا وواجهتم أعداءكم!.

أقلام حفريات

وهنا مربط الفرس، كما يقولون، حيث تناولت الكثير من الأقلام- من منطلق الاختلاف مع الإخوان– أن يصوروا الجماعة على أنها كانت صنيعة الغرب وعميلة للألمان، هذا غير عمالتها للإنجليز والأمريكان وغيرها من التهم التي لم ولن تتوقف، حيث استند مثلا الباحث أحمد بان- في مقال له على (حفريات)- على نص في كتاب الأستاذ محمود عبد الحليم (الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ) حيث قال: كان أحرار المصريين يمقتون الإنجليز، ويتربّصون بهم الدوائر، ويتمنّون لو أصابتهم كارثة تأتي عليهم… وكان تكوين هذه الجبهة يجري تحت ستار السرية التامة، وأنا شخصيا، رغم أنّني كنت أقوم ببعض ما يوكل إليّ من أعمال لهذه الجبهة، لا أعرف من الجهات المشتركة فيها، ولا الأشخاص المشتركين فيها، إلّا الأستاذ المرشد، وعلي ماهر، والسيد أمين الحسيني، مفتي فلسطين، مؤكّدا أنّ الجبهة ظلت تعمل حتى شاءت إرادة الله أن ينقلب الموقف رأسا على عقب، عندما أقنع تشرشل أمريكا بالتدخل في الحرب، وهو الأمر الذى كان حاسما في تغيير موازين الحرب لصالح الحلفاء.

وحاول أحمد بان أن يسلط الضوء فقط على علاقة حسن البنا وعمالته للألمان، وتغافل عن عمد أن اللجنة كانت مكونة من كبار الشخصيات، وعلى رأسهم القائد المصري عزيز المصري، ورئيس الوزراء علي ماهر، ومفتي فلسطين السيد أمين الحسيني، بالإضافة للإمام البنا، حيث يذكر بان: [التقى هذا الوهم لدى حسن البنا بمساعي ألمانيا في تلك الحقبة، في البحث عن زعامات عربية وإسلامية، تستطيع تعبئة أبناء المستعمرات الإنجليزية والفرنسية لخدمة مشروع ألمانيا الإمبراطوري الجديد، لقوة لم يكن لها ماضٍ استعماري، أو خبرة تمكنها من السيطرة على تلك المجتمعات، وتسخيرها لخدمة مشروعها].

ويضيف [لم يخفِ حسن البنا إعجابه بهتلر وموسوليني، وربما انعكس ذلك في حرصه على استلهام منهجهما في بناء جماعته وتشكيلاته، بدا حرصه على تدشين قسم الجوالة والنظام الخاص تأكيدا على هذا التأثر].

وقالت الدراسة إن “بان” تناسي أن قسم الجوالة أُنشئ في 1935م، بعد أن أقرها مجلس الشورى العام الثالث للإخوان الذي عقد في القاهرة، وهو الوقت الذي لم يكن هتلر قد شاع بريقه ليتأثر به حسن البنا، أضف لذلك أن الملك وعلي ماهر وعزيز المصري بل وكل مصري كان قد عانى الويلات من الاحتلال البريطاني وكان الجميع يسعد لانتصارات الألمان في تصور منهم أنه سيخلصهم من الإنجليز، وليس حسن البنا وإخوانه فقط.

ادعاءات مجدي

واستغربت الدراسة ما ذكره الكاتب المصري، توحيد مجدي، مؤلف كتاب [عملية شرفة القصر .. أسرار حسن البنا فى الرايخ الثالث] ويتكون من 10 فصول فى 285 صفحة، والصادر عن مؤسسة أخبار اليوم، من أن العملية التي جندت فيها الاستخبارات النازية مؤسس جماعة الإخوان المُسلمين للعمل لحساب ألمانيا كجاسوسٍ بدوامٍ كاملٍ فى مصر والشرق الأوسط، وتسببت تلك العملية البالغة السرية فى كوارث تاريخية عصفت بمصر ثم ظلت خافية لعقودٍ مُتصلة هي مُفاجأة ذلك الكتاب الموثق.. حيث تحدث كثيرا في مشهد سينمائي عن هذه الرواية والتي نحاول معالجتها.

وقالت الدراسة إن الكثيرين تحدثوا عن أن علاقة الإخوان بالألمان وصلت لحد اتهام الإخوان بالعمالة لهم، سواء عن طريق مفتي فلسطين أو أحد المحامين الإخوان، غير أنه لم يكتب أحد من قبل بهذه الصورة عن عمالة البنا للألمان.

لقد ذكر أن البنا ظل جاسوسًا لمدة 5 سنوات، وأن المخابرات البريطانية اكتشفت ذلك، والسؤال: لماذا بريطانيا لم تعتقل حسن البنا بتهمة العمالة لألمانيا طالما لديها الأدلة؟.

ولماذا لم تتحدث بريطانيا وتفجر هذه القضية– خاصة بعدما خرجت منتصرة من الحرب كما أن البنا كان عدوها اللدود– وتعمل على تشويه البنا وجماعته لإضعاف شوكته؟

وتساءلت: كيف نوفق بين ما صاغه الكتاب مع اتهامات رفاقه بعمالة الإخوان للإنجليز؟ وهل كان البنا عميلا ألمانيا أو إنجليزا أو أمريكيا؟.

وأضافت، لماذا ظل البنا الشخصية المحورية في هذه الفترة سواء مع السياسيين وغيرهم طالما كان عميلا لجهات أجنبية؟.

قضية وحيدة

وأوضحت الدراسة أن قضية وحيدة هي التي حركتها بريطانيا ضمن اتهامها لبعض الإخوان بتهمة معاونة روميل والترحيب به.

ففي عام 1942 قام المجلس البريطاني بطنطا باتهام محمد عبد السلام فهمى (مهندس في مصلحة الطرق والكباري بطنطا)، وجمال الدين فكيه (موظف ببلدية طنطا)، بأنهما يعدان جيشًا للترحيب بمقدم الألمان، وأنها يحدثان بلبلة في الأفكار، ويعدان عناصر معادية للحلفاء، وأن هذين الأخوين هما الوسيطان بين حسن البنا ومجموعة أفراد عرضت على الأستاذ البنا شخصيًّا أنواعًا من السلاح والعتاد الألماني، وقد رحب بالحصول على هذه الأسلحة، وجعل من هذين الأخوين الوسطاء في هذه الصفقة، وقد اعترف الأفراد المقبوض عليهم من غير الإخوان بذلك.

وقبض على محمد عبد السلام فهمي وجمال الدين فكيه، وقد طالبت النيابة بإعدامهما، وسميت هذه القضية بالجناية العسكرية العليا 883 لسنة 1942م قسم الجمرك، وقدمت القضية أمام محكمة الجنايات العسكرية العليا باب الخلق، وكانت مكونة من خمسة أعضاء برئاسة المستشار فؤاد بك أنور، وعضوية المستشارين محمد توفيق إبراهيم بك، وزكى أبو الخير الأبوتجى بك، ومعهم اثنان من العسكريين، وبعد عدد من الجلسات وتضييق الخناق على المدعى وتهديده من قبل المحكمة بالمواجهة مع المدعى عليه كذب نفسه وتراجع في اعترافه، وذكر أن ذلك لم يحدث، وبعد المداولة نطق رئيس المحكمة بالأحكام ببراءة جمال الدين فكيه، ومحمد عبد السلام مما نسب إليهم من تهمة الاتصال بالألمان وشراء السلاح.

ولقد ذكر حسن البنا هذه القضية في رده على مذكرة عبد الرحمن عمار بك -وكيل وزارة الداخلية- بقوله: “الجناية العسكرية العليا رقم 883 لسنة 1942 قسم الجمرك، كان موضوع الاتهام فيها الدعاية للمحور، وشاء ذوو الأغراض أن يقحموا فيها الإخوان المسلمين، وادعى أحد المتهمين بأنه عرض على الأستاذ البنا شخصيًّا أنواعًا من السلاح والعتاد الألماني، وأن الأستاذ البنا سر بذلك، ورحب بالحصول على هذه الأسلحة، وأن الوسيط في ذلك أخوان من إخوان طنطا، وقد قبض عليهما فعلاً وقضيا في السجن ثمانية أشهر ونصف وماذا كانت النتيجة بعد ذلك؟ كانت النتيجة أن كذب هذا المدعى نفسه حينما ضيق عليه المحقق الخناق، وهدده بالمواجهة وحكم ببراءة الأخوين براءة نقية واضحة كاملة.

ولم تذكر الصحف الصادرة في هذا الوقت أو غيرها أو الصحف البريطانية أي نوع من هذه التهم التي يسوقها البعض الأن.

عبد العظيم رمضان

وكشفت الدراسة عن أن الدكتور عبد العظيم رمضان– وهو عدو الإخوان اللدود– فند هذه التهم بقوله: [وقد نسبت بعض المصادر الإنجليزية إلى المفتي أنه لعب دور الوسيط بين الإخوان وزعماء النازي ومع أنه لا توجد إشارات إلى وقوع اتصالات بين الإخوان والمحور فيما نشر من الوثائق العربية أو الوثائق الألمانية والإيطالية، إلا أنه من الثابت أن موقف الإخوان المسلمين أثناء الحرب كان متعاطفا لحد كبير مع الألمان ومعاديا للإنجليز].

وعلقت صحيفة النذير (الناطقة باسم الإخوان في هذه الفترة) على اتهام صحيفة يهودية للنشاط المعادي لليهود في مصر بالعمل لصالح الألمان بقولها: “نشرت جريدة (جويش كرونكل) الأسبوعية بلندن خبرًا سخيفًا يدل على جهل؛ ذلك أنها تريد أن تلوث حركتنا المباركة فادعت أن لجنة (وودهد) البريطانية في فلسطين أعطت الفرصة لجماعة من الألمان يقومون بالدعاية ضد اليهود بأن يفتعلوا حركة مصرية ضد اليهود بالقاهرة.

هذه طريقة استعمارية خبيثة يريدون بها الحط من قدر نهضتنا الوطنية، ويضعفون بها من الرابطة الإسلامية التي تزداد وتنهض كل يوم.

تأكيدات البنا

وفي حديث صحفي بين حسن البنا وصحيفة المصري (لم ينشر إلا بعد سقوط حكومة إبراهيم عبدالهادي عام 1949م- يقول حسن البنا: “اتهم الإخوان بأنهم على صلة بالنازية من قبل، وأن شبابهم ينظم على نسق شباب هتلر، وأن بعض تشكيلاتهم تشبه هذه التشكيلات… إلخ، ولكنى أؤكد كل التأكيد أن الإخوان لم يتصلوا بأحد، ولم تساعدهم أية دولة أجنبية بشيء مادي أو أدبي، وأنهم يسيرون على نمط إسلامي عربي مبين، ويعتمدون على إيمانهم ومواردهم الخاصة، وهذا هو في الحقيقة هو سر نجاحهم وثبات دعوتهم وجماعتهم للعواصف والأعاصير.

ويضيف: “لكنك تأتى في هذا العصر بعد العلم والنور والعرفان فتجد كل رذيلة وكل نقص، فما دمت خصمي فإنك تسلبني كل فضيلة، ولا بد تحاربني بكل سلاح، وتفكر في كل ما يشينني، وتتلمس ما هو غير موجود. يقولون عنا وقت الحرب: إنهم يأخذون أموالا من إيطاليا وألمانيا ليكونوا عونًا لهم، والآن لما أعيتهم الحيل ادعوا أننا نأخذ من أغاخان، اختلاط عجيب، ودعاوى باطلة.

فيسبوك