اعتبر معهد دراسات الأمن القومي الصهيوني، موجة الاحتجاجات الحالية التى تشهدها المنطقة العربية “جولة ثانية” من انتفاضات الربيع العربي عام 2011 تهدد حكام المنطقة، مؤكدًا أن هذه الموجة من الاحتجاجات أكبر من مجرد تكرار للربيع العربي، مع دروسٍ رئيسية مستفادة ونهجٍ متغير لدى كلٍّ من المتظاهرين والأنظمة .

وقال المعهد الصهيوني- فى دراسة له بعنوان “الاحتجاجات تجتاح المنطقة.. هل هو ربيع عربي جديد؟- إن حركات الاحتجاج الحالية التي تشبه موجة 2011 تظل بلا قيادة، مشيرا إلى أن حشود المواطنين الذين خرجوا إلى الشوارع ركزت على توضيح ما يعارضونه بدلا من تحديد رؤية أو خطة ملموسة للتغيير. وأشارت الدراسة إلى أنه إذا كان المتظاهرون في عام 2011 تسرعوا بقبول الحلول الوسط المقترحة من قادتهم، إلا أن الطبيعة الحالية من القيادة للحركات قد تعمل في النهاية ضد المتظاهرين، وعدم وضع خريطة طريق للخروج من المأزق.

ولفتت إلى أنّ الاحتجاجات الحالية على النقيض من عام 2011، تشهد غيابًا شبه تام للدعوات إلى الديمقراطية، موضحة أن هذا يعكس جهود المحتجين لتفادي خيبات الأمل التي حدثت عام 2011، حيث لم تُحدث الثورات التي وقعت قبل 9 أعوام، باستثناء تونس، أي تحرر سياسي جدي في المنطقة.

وأكدت الدراسة أن انتفاضات اليوم في منطقة الشرق الأوسط تنضم إلى مجموعة من مظاهر السخط العام حول العالم، من المظالم بشأن أمور مثل عدم المساواة والفساد والحرمان السياسي، والشعور الحاد بأن النخب السياسية أصبحت منفصلة عن السكان الذين تدّعي خدمتهم.

وقالت، إن التركيز الحالي على قضايا مثل الفساد وتقديم الخدمات، يؤكد أن المحتجين يعطون أولوية لتحسين الظروف المعيشية على الأهداف الأيديولوجية الكبرى.

نص الدراسة

الاحتجاجات تجتاح المنطقة.. هل هو ربيع عربي جديد؟

باستثناء إضراب المعلمين الأردنيين، في سبتمبر، الذي يتعلق بمسألة محدودة نسبيا وهي انخفاض الرواتب، كانت الاحتجاجات التي هزت الشرق الأوسط في الأشهر الأخيرة متعددة الأبعاد. وتتمتع هذه الاحتجاجات بسمة “العداء للنظم الحاكمة”، حيث لا تطالب فقط بإقالة النخبة الحاكمة، بل تفكيك هياكل الحكم والأنظمة الاقتصادية التي ترعاها تلك النخبة. وحتى في الحالات التي يكون فيها السبب المباشر للاحتجاجات هو خطوة سياسية واحدة، مثل قرار “بوتفليقة” في الجزائر بالترشح لإعادة انتخابه في فبراير، أو إقالة قائد مكافحة الإرهاب الشعبي في العراق في سبتمبر، أو فرض ضريبة على اتصالات “واتساب” في لبنان في شهر أكتوبر، أو رفع أسعار البنزين في إيران، فقد تراجعت أسباب الغضب الأولي سريعًا، وتحوّلت الاحتجاجات إلى حركات أكبر تطالب بتغيير منهجي.

وتتغذى هذه المطالب على إحباط واسع النطاق في المنطقة إزاء المشاكل المستوطنة المتمثلة في البطالة والفساد، وسوء الخدمات الحكومية أو عدم توفرها، والاعتماد المفرط على الدخل من الهيدروكربونات أو المساعدات الخارجية، وتسييس الهوية لصالح الأنظمة، ونظرًا لأن هذه المشاكل الهيكلية تمس الجميع، جذبت الاحتجاجات الحالية مزيجا واسع النطاق من المواطنين. ولا يمكن تصنيف رواد المسيرات في الجزائر منذ فبراير، وفي القاهرة في سبتمبر، ومؤخرا في بغداد وبيروت، ضمن طبقة اجتماعية أو جماعة عمرية أو حتى طائفة دينية معينة، وبشكل أساسي انضم مواطنون من مختلف المراكز السكانية خارج العواصم إلى الاحتجاجات في جميع البلاد.

علاوة على ذلك، تجاوزت حركات الاحتجاج الجزائرية والعراقية واللبنانية الانقسامات الإثنية والطائفية التي تميز هذه البلاد، واستدعت الذكريات القومية لاكتساب هوية مشتركة، وفي المناطق الناطقة باللغة البربرية في الجزائر، وكذلك في المدن والبلدات العربية، كان هناك هتاف مشترك مفاده أنه “لا بربر، لا عرب، لا عرق، لا دين.. نحن جميعا جزائريون”. وفي العراق ولبنان، يطالب  المحتجون بإنهاء الطائفية المتضمنة في أنظمتهم السياسية، وينتقدون القادة من طوائفهم لتفاقم التوترات التي تم تصميم هذه الأنظمة لتقليلها.

من 2011 إلى 2019

وسيكون من المغري أن يتم تفسير موجة الاحتجاجات الحالية على أنها مجرد “جولة ثانية” من انتفاضات الربيع العربي عام 2011، لكن أوجه التشابه والاختلاف تشير إلى أن هذه الموجة من الاحتجاجات أكبر من مجرد تكرار للربيع العربي، مع دروس رئيسية مستفادة ونهج متغير لدى كل من المتظاهرين والأنظمة الباقية. وكما هو الوضع في موجة 2011، تظل حركات الاحتجاج الحالية بلا قيادة إلى حد كبير، وركزت حشود المواطنين الذين خرجوا إلى الشوارع في الغالب على توضيح ما يعارضونه بدلا من تحديد رؤية أو خطة ملموسة للتغيير. ومن المحتمل أن الإصرار على هذا الخطاب نتج عن تقييم مفاده أن المتظاهرين في عام 2011 تسرعوا بقبول الحلول الوسط المقترحة من قادتهم. ولكن من ناحية أخرى، قد تعمل الطبيعة الخالية من القيادة للحركات في النهاية ضد المتظاهرين، إلى الحد الذي يمنع وجود خريطة طريق واضحة للخروج من المأزق.

بعبارة أخرى، وعلى النقيض من عام 2011، هناك غياب شبه تام للدعوات إلى الديمقراطية في احتجاجات اليوم. ويعكس هذا على الأرجح جهود المحتجين لتفادي خيبات الأمل التي حدثت عام 2011. وباستثناء تونس، لم تحدث الثورات التي وقعت قبل 9 أعوام أي تحرر سياسي جدي في المنطقة، ويشير التركيز الحالي على قضايا مثل الفساد وتقديم الخدمات إلى أن المحتجين يعطون الأولوية لتحسينات الظروف المعيشية اليومية على الأهداف الأيديولوجية الكبرى. ومن المفارقات أنه في لبنان والعراق، قد يعكس عدم وجود إشارات علنية إلى الديمقراطية افتراضا بأن هذه الدول لديها ديمقراطية بالفعل وإن كانت معيبة، وبالتالي فإن المشكلة لم تكن عدم وجود ديمقراطية بقدر ما هو انحراف هذه الديمقراطية عن مسارها أو عجز الحكومات المنتخبة عن توفير الدعم لسكانها.

وهناك اختلاف آخر عن عام 2011 يتعلق بالشعور المناهض لإيران الذي يلوح في احتجاجات اليوم. وتشكل النغمات القومية والمناهضة للطائفية في المظاهرات العراقية واللبنانية اختبارا لإيران، نظرا لأن النفوذ المتزايد للجمهورية الإسلامية في هذه البلدان، سواء من خلال المليشيات الشيعية والجهات الفاعلة السياسية التابعة لها في العراق، أو من خلال حزب الله في لبنان، قد تم إدراكه بوضوح من قبل المتظاهرين، ويتم النظر إليه اليوم بوصفه شكلا من أشكال الاعتداء على المصالح الوطنية. ويواجه زعماء إيران أيضا تحديا خطيرا في الداخل، حيث خرج المواطنون المحبطون إلى الشوارع احتجاجا على رفع أسعار الوقود بنسبة 50% على الأقل.

وجاءت هذه الخطوة على خلفية أزمة اقتصادية متفاقمة وتراجع للمفاوضات مع الغرب بشأن البرنامج النووي الإيراني، وشهدت إيران عدة نوبات من الاضطرابات منذ عام 2009، لكن النكهة المناهضة للمؤسسة في مظاهرات اليوم، والتي تظهر في هجمات المتظاهرين ضد منشآت البنية التحتية للحرس الثوري الإسلامي والباسيج، لم تظهر بهذا الوضوح في أي من جولات الاحتجاج السابقة.

ويوجد اختلاف نهائي بين الموجات المتعاقبة، وهذه الموجة تتعلق باستجابات الأنظمة المعنية. ومع  وجود أحداث 2011 في الذاكرة، أصبحت الأنظمة مهتمة بشدة بفكرة البقاء.

وفي ردهم على الاحتجاجات الحالية، تباين القادة بين الترويج السريع للإصلاحات التي تهدف إلى إرضاء المتظاهرين واستخدام أساليب القمع المتنوعة، سواء عن طريق العنف من خلال الأجهزة الأمنية، أو من خلال تدابير شمولية أكثر ليونة مثل حجب الشبكات الاجتماعية. وباستثناء مصر، حيث تمكن رد فعل نظام “السيسي” من السيطرة على الاضطرابات في الوقت الحالي، ولم يقنع أي من هذه التكتيكات حتى الآن المتظاهرين بالعودة إلى ديارهم.

لماذا الآن؟

بالإضافة إلى الأسباب المباشرة التي أدت إلى اندلاع أحدث الانفجارات الشعبية، تساعد التطورات الإقليمية والدولية الأخيرة في تفسير توقيت الاحتجاجات الحالية. وهددت الاضطرابات التي أعقبت الربيع العربي، وخاصة ظهور ما يسمى بتنظيم “الدولة الإسلامية”، السلامة الإقليمية للدول في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مما دفع البعض إلى الاعتقاد بأنه سيتم إعادة رسم الحدود قريبا، إن لم يكن محوها تماما لكن حتى الدول الأكثر تضررا، وهي اليمن وسوريا وليبيا والعراق، قد نجت، وقد أثبت إطار الدولة القومية أنه أكثر ديمومة مما توقع الكثيرون. وفي العامين الأخيرين، أعادت هزيمة تنظيم الدولة وانحسار الحرب في سوريا الهدوء النسبي إلى الهلال الخصيب. وفي هذا الهدوء، يمكن للسكان التركيز مرة أخرى على التدهور الاقتصادي والاجتماعي في محيطهم المباشر.

وفي الواقع، في حين أن الدراسات الاستقصائية لعام 2016 كانت تظهر تنظيم الدولة وقضايا “الإرهاب” باعتبارها الشواغل الرئيسية بين شباب المنطقة، أشار أحدث مسح لآراء الشباب العربي خلال العامين الأخيرين إلى أن هذه الأولويات قد تم استبدالها بـ”ارتفاع تكلفة المعيشة” و”البطالة”.

ويظهر ذلك التحول بوضوح في الشعارات القومية العابرة للطوائف والأعراق في المظاهرات الحالية. وفي حين كان الجزائر والسودان قادرين على الخروج من احتجاجات عام 2011 بسلام بفضل العائدات النفطية التي مكنت النظامين من تمويل نظام مدفوعات سخى لتجاوز الاضطرابات، فإن انخفاض أسعار النفط في عام 2014 حرم الدولتان من رفاهية تجنب عدم الاستقرار بهذه الطريقة السهلة.

وأخيرا، يظهر العنصر الدولي في توقيت الاحتجاجات الحالية، التي تتزامن مع زيادة عالمية في وتيرة الاحتجاجات. ومن حركة “السترات الصفراء” في فرنسا، التي بدأت في أكتوبر 2018، إلى احتجاجات “هونج كونج”، التي بدأت في يونيو من هذا العام، إلى المظاهرات المناهضة للحكومة في شيلي منذ الشهر الماضي، من الواضح أن انتفاضات اليوم في منطقة الشرق الأوسط تنضم إلى مجموعة من مظاهر السخط العام حول العالم من المظالم بشأن أمور مثل عدم المساواة والفساد والحرمان السياسي والشعور الحاد بأن النخب السياسية أصبحت منفصلة بشكل متزايد عن السكان الذين تدعي خدمتهم.

وللمفارقة، فإن معظم حركات الاحتجاج الحالية في العالم لم تبرز دعوات بارزة للديمقراطية، مما يشير إلى أن “العلامة التجارية” للديمقراطية قد تراجعت أمام خيبة أمل الشعوب وإحباطاتها تجاه أوجه القصور الظاهرة في الديمقراطية، وخاصة في المجال الاقتصادي. وعلى الرغم من أن اللجوء إلى الاحتجاجات غير العنيفة كوسيلة لتنفيذ التغيير السياسي قد زاد بشكل مطرد في جميع أنحاء العالم منذ عام 1940، فقد انخفض معدل نجاح تلك الاحتجاجات بشكل كبير منذ عام 2010، مما يشير إلى أن موجة الانتفاضات الحالية في الشرق الأوسط تواجه احتمالات نجاح ضئيلة.

Facebook Comments