بعد سلسلة من الفضائج حول اقحام المؤسستين الامنية والعسكرية في عمل وزارة الخارجية ، بإعطاء دورات تديربية في الأكاديمية العسكرية وأكاديمية الشرطة للمعينين الجدد بوزارة الداخلية، بدأت نفس المؤسستين في تقديم دروس عسكرية للملتحقين بالسلط القضائي، في إطار تدجين مؤسسات الدولة نحو العسكرة التي باتت مصير كافة المؤسسات سواء التعليمية او الثقافية او القضائية.

حيث تناقلت تقارير إعلامية، اليوم، أن الأعضاء الجدد الملتحقين بهيئتي النيابة الإدارية وقضايا الدولة سيتلقون محاضرات على يد ضباط جيش وضباط شرطة خلال دورة الخبرة القضائية الأولى التي سيحصلون عليها بعد نجاحهم في الالتحاق بالهيئتين، ونيل صفة “عضو هيئة قضائية”.

وبحسب شهود عيان، فإن الدورة السنوية التي تنظمها الهيئتان لصقل المهارات والمعارف القانونية لأعضائهما الجدد تضمنت لأول مرة هذا العام محاضرات مكثفة في مواد ذات طبيعة عسكرية واستراتيجية وأمنية، وذلك بتعليمات من وزير العدل حسام عبدالرحيم، بدعوى أن يعرف أعضاء الهيئات القضائية الجدد المزيد عن المخاطر التي تهدد الأمن القومي المصري من الداخل والخارج، والدور الذي يجب أن تؤديه السلطة القضائية بهيئاتها المختلفة مع باقي السلطات للدفاع عن الدولة.

كما نشرت وسائل إعلام في نوفمبر الماضي تقارير عن تلقي بعض القضاة محاضرات عسكرية عن الأمن القومي ومكافحة الإرهاب ضمن دورات لتنمية المعلومات القانونية.

وتضم هيئتا النيابة الإدارية وقضايا الدولة نحو 5 آلاف عضو يتمتعون بالصفة القضائية، وتتمتع الهيئتان باستقلال صوري حاليًا بعدما نص الدستور على ذلك صراحة، لكن من الناحية الفعلية لا تزالان تحت إشراف وزير العدل الذي يوزع عليهما الميزانية السنوية ويحرك الدعاوى التأديبية ضد أعضائهما.

ويترأس الهيئتين حاليًا على الترتيب كل من المستشارة فريال قطب والمستشار حسين خليل، وكلاهما معين بقرار جمهوري من السيسي، بالمخالفة لقاعدة الأقدمية، استنادًا للقانون الذي أصدره في أبريل الماضي والمطعون عليه أمام المحكمة الدستورية حاليًا.

وبعد الانقلاب العسكري في الثالث من يوليو 2013 والإطاحة بحكم الرئيس محمد مرسي، تم إقصاء العشرات من أعضاء الهيئتين بتهمة الانتماء لحركة “قضاة من أجل مصر”.

وفي يونيو 2016 قررت النيابة الإدارية عزل العضوة الجديدة شروق، ابنة المستشار هشام جنينة، بعد أشهر قليلة من تعيينها، ثم عزل والدها من رئاسة الجهاز المركزي للمحاسبات بتهمة الإدلاء بتصريحات مغلوطة عن حجم الفساد في مصر.

العودة للعهد الناصري

تدريس مققرات عسكرية للقضاة، بحسب حقوقيين بمثابة عسكرة للقضاء، واخضاعه للمؤسسة العسكرية، بما يتنافى مع الاستقلال القضائي، ويعرقل مسار العدالة في مصر.

حيث تستهدف السلطات الانقلابية ان يتحول كافة الموظفين في الدولة للعمل وفق عقلية عسكرية امنية، بحتة، وهو ما يتنافى مع روح القانون والمجتمعات المتحضرة، التي تفصل بين السلطات وتراعي القيم الانسانية والجقوق والحريات، وهو ما يعيد مصر نحو العهد الناصري بالقوة، حيث كان “شاويش” أو مخبر أمن دولة يتحكم في القضاة بكل درجاتهم، بل إن مجموعة عساكر تعدوا بالضرب على عبد الرزاق السنهور، وهو الفقيه الدستوري، الذي وضع العديد من الدساتير والقوانين في الدول العربية.

والمستشار عبد الرازق السنهوري رئيس مجلس الدولة الأسبق في عهد جمال عبد الناصر، تعرض لاعتداء من بعض المتظاهرين يوم 29 مارس من عام 1954.

حيث يحكي المستشار محمد حامد الجمل رئيس مجلس الدولة الأسبق أنه عين عام 1953 موظف بمجلس الدولة؛ حيث حضر الحادثة الخاصة بالاعتداء علي السنهوري باشا عام 1954، قائلاً: “كنت في حجرة السنهوري رحمه الله وقت الحادث وشهدت دماءه على مكتبه الخاص، كما شاهدت تحطيم المحبرة التي كانت موجودة على رأسه”.

يضيف ‘الجمل’ في شهادته علي الواقعة ‘وقد أتى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إلي المجلس في سيارة جيب ومعه حراسة من البوليس الحربي وقابل في هذا الوقت السيد علي السيد وكان المستشارون وأنا بينهم يتظاهرون ويهتفون ضد الاعتداء على رئيسهم وقد زار عبد الناصر وكيل المجلس فترة قصيرة، ثم خرج من حجرته وغادر المجلس وهو ينظر بغضب إلي المستشارين الذين كانوا يهتفون بتأييد السنهوري وسيادة القانون’.

‘الجمل’ أضاف ‘اتضح أنه تم تدبير هذه المظاهرة الغوغائية من عمال النقل العام بزعامة واحد اسمه صاوي احمد صاوي، وتم دفع 3 ألاف جنيه كما علم في هذا الوقت إلي هذا الرجل الذي قاد عدد من العمال يتجاوز ألف و500 عامل إلي مكتب السنهوري واقتحموه واعتدوا عليه وقد اخذ إلي المستشفي واتهم السنهوري في تحقيق النيابة جمال عبد الناصر وكان الذي نفذ تجميع العمال كل من أتنين من الضباط الأحرار’.

وفي السياق ذاته يقول الكاتب الصحفي عمرو الشلقاني انه في ظهيرة يوم 29 مارس 1954شهدت القاهرة مظاهرات لا نعلم في تاريخ الثورات الحديثة بأعجب منها، مجموعات من المواطنين تغمر شوارع المدينة وتهتف في طرقاتها، تارة بحياة الجيش والثورة وعبد الناصر، وتارة أخرى تنادى بسقوط الأحزاب والنقابات والرجعية، بل وبسقوط الدستور ومعه الحرية والديمقراطية كذلك، علي حد قوله.

وأضاف:’ وما إن وصلت إحدى هذه المجموعات إلى مقر مجلس الدولة بالجيزة، حتى علا الهتاف ليشمل الدكتور عبد الرزاق باشا السنهوري، رئيس مجلس الدولة حينئذ، والذي ما لبث المتظاهرون ينادونه بالجاهل والخائن، ويطالبون بسقوطه هو الآخر’.

‘الشلقاني’ أضاف أيضا أنه في اليوم التالي للاعتداء، فأدلى السنهوري بأقواله إلى النيابة العامة من على فراشه بالمستشفى، موجها الاتهام صراحة إلى الصاغ جمال عبد الناصر بتدبير الاعتداء عليه يوم 29 مارس، ثم طالبا من زوجته عدم السماح بدخول ناصر عليه الغرفة عندما قدم الأخير لزيارته والاطمئنان عليه في المستشفى.

وقال أن المتظاهرين كادوا يفتكون بالسنهوري ذلك اليوم، لولا أن تلقى الضربة أحد السعاة بمجلس الدولة، كما يحكى أن السنهوري لم يتمكن من مغادرة مكان الاعتداء إلا بعد قدوم الصاغ صلاح سالم، والذي اصطحبه إلى الخارج، والسنهوري ــ وفق إحدى الروايات مدثر بسجادة من مكاتب المجلس.

وكان الخلاف الذي وقع بين السنهوري وبين عبد الناصر هو السبب في حل مجلس الدولة وعمل تصفية من جانب السلطة لرجال القضاء العاملين بمجلس الدولة ثم إصدار عبد الناصر قانون جديد ينظمه، ويذهب البعض إلى أن الخلاف يكمن في رغبة السنهوري في تحقيق الثورة لمبادئها وتمثيل ذلك في جعل سلطة قضائية تكون هي الحكم بين الدولة الجديدة وبين الجماهير.

حتى أن السنهوري وهو رئيس الهيئة القضائية اللصيقة بعمل الإدارة وتراقب أعمالها.. في ظل رئاسته تم إلغاء العديد من القرارات الحكومية الصادرة من عبد الناصر نفسه، مما وضع الخلاف بين رجل القانون ورجل السياسة على مستوى الأزمة، وبالطبع حسم السياسي الأزمة لصالحه بإخراج السنهوري من الساحة القانونية
‘السنهوري’ نادي بوضع قانون مدني جديد واستجابت له الحكومة وشغل منصب وزير المعارف أربع مرات ثم عين رئيس لمجلس الدولة من عام 1949 وحتى عام 1954، حيث أيد ثورة يوليو وشارك في مشاورات خلع الملك فاروق مع الرئيس الراحل محمد نجيب وجمال سالم وأنور السادات.

كما بذل جهود كبيرة في مشروع الإصلاح الزراعي وطلب إرساء الديمقراطية وحل مجلس قيادة الثورة وعودة الجيش إلى الثكنات إلا أن المظاهرات العمالية هدمت أفكاره، وقد توفي السنهوري في 21 يوليو عام 1971.

تلك الاحداث باتت غير مستبعد تكرارها بعهد السيسي، وسط صمت القضاة الذين في طريقهم لنيل مصير السنهوري.

Facebook Comments