رغم الأدلة التركية الدامغة وما انتهى إليه تقييم جهاز المخابرات المركزية الأمريكية “CIA” من تورط ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في قتل الصحفي جمال خاشقجي بوحشية مروعة، وتقطيع جثته وصهرها بالأسيد وإلقائها في مجاري الصرف الصحي بمنزل القنصل السعودي بمدينة إسطنبول التركية، مطلع أكتوبر الماضي، إلا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يماطل في توجيه اتهام مباشر لولي العهد السعودي!.

أولا: تمثل موقف ترامب في تصريحاته، اليوم الإثنين 18 نوفمبر 2018م، لشبكة فوكس نيوز بأنه يمتلك تسجيلا لمقتل خاشقجي لكنه ليس بحاجة إلى الاستماع إليه لأنه مروع وفظيع ووحشي، لكنه دافع عن “بن سلمان” الذي أكد لترامب “5” مرات أنه ليس متورطا في الجريمة!، فهل كان ترامب ينتظر من ولي العهد السعودي الاعتراف بالجريمة؟!.

ثانيا: ما سرّبته واشنطن بوست الأمريكية نقلاً عن الاستخبارات المركزية حول تورط بن سلمان في الجريمة باعتباره من أمر بها، مؤكّدا أنه موجود على طاولة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب منذ زمن، غير أنه مع ذلك لم يتوجه باللوم بشكل مباشر إلى ولي العهد السعودي، بل على العكس، إذ نقلت “واشنطن بوست” عن مساعدين لترامب قولهم إنه جرى إطلاعه سرّا على دليل تورّط بن سلمان. ولكن على الرغم من ذلك، كانت لدى الرئيس شكوك حول إصدار ولي العهد السعودي الأوامر بارتكاب الجريمة. والأدق أن ترامب على يقين من تورط محمد بن سلمان، لكنه يتظاهر بالتشكك في هذه الخلاصة.

ثالثا: لم تقف محاولات الإدارة الأمريكية في الدفاع المستميت عن ابن سلمان عند ترامب فقط، بل امتد إلى فريقه الرئاسي، فمستشاره للأمن القومي جون بولتون سعى إلى إخراج محمد بن سلمان من مسرح الجريمة بشكل كامل. وعملت على الأمر نفسه وزارة الخارجية الأمريكية، حين رحبت بالرواية السعودية الجديدة التي صدرت الخميس الماضي 15 نوفمبر، وبالاتهامات التي وجهت، على الرغم من أنها عمدت إلى حصر الجريمة ببعض المنفذين المباشرين، وليس كلهم، وأخرجت نائب مدير المخابرات، أحمد العسيري، والمستشار في الديوان الملكي، سعود القحطاني، من المشهد تماماً. فمن الواضح أن السعودية ليست في وارد محاسبة أي مسئول رفيع المستوى في جريمة قتل خاشقجي، فحتى الكلام السابق عن تحويل قحطاني وعسيري إلى كبش فداء لبن سلمان لم يعد قائما، وهو ما رحبت به وزارة الخارجية الأمريكية، على الرغم مما لدى وكالة الاستخبارات المركزية من معلومات أو خلاصات.

رابعا: قلل ترامب من خلاصة ما انتهت إليه السي آي إيه، وكان قد وصف، السبت 17 نوفمبر، تقييم الوكالة بأنه “سابق لأوانه جدا”، قائلا إنه سيتلقّى تقريرا كاملا بشأن القضية الثلاثاء 20 نوفمبر. وأضاف الرئيس الأمريكي الذي كان يتحدث خلال زيارة لولاية كاليفورنيا أن هذه الجريمة “كان يجب ألا تحدث مطلقا”. غير أنه لم يحدد من الذي يعد التقرير الذي تحدث عنه، رغم قوله إن النتيجة التي توصلت لها وكالة الاستخبارات الأمريكية “ممكنة”.

هذا الدفاع المستميت من جانب ترامب وفريقه عن “بن سلمان”، دفع صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية، في افتتاحيتها الأحد 18 نوفمبر، إلى اتهام الرئيس الأمريكي بأنه “يدافع عن أكاذيب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان”، رغم تقييم وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه)، وأشارت الصحيفة إلى أن ترامب يعتزم دعم ابن سلمان رغم تقييم الوكالة بشأن من قتل خاشقجي، وذلك “لأنه لا يريد أن يقول إن إدارته أخطأت في تقديرها بشأن بن سلمان”.

لماذا هذا الدفاع المستميت؟

أولا: تبدو الأسباب المباشرة لذلك تتعلق بالمصالح الأمريكية وصفقات السلاح التي أبرمتها الرياض مع واشنطن وتصل إلى “110” مليارات دولار، وتوفر الآلاف من فرص العمل للأمريكيين، كما أكد ترامب أن السعودية حليف مهم للغاية للولايات المتحدة. إضافة إلى ذلك فإن ترامب يجد في “بن سلمان” فرصة سانحة لابتزاز المملكة وقد جرب تهديداته من قبل، كان آخرها في 03 أكتوبر الماضي عندما هدد النظام السعودي بأنه لن يبقى على العرش أسبوعين لو رفعت أمريكا حمايتها عن النظام السعودي. لكن هل تقف مصالح أمريكا مع الرياض على بن سلمان؟  ألا يمكن أن تستمر هذه المصالح والصفقات حال تم استبداله بولي عهد آخر؟! المؤكد أن ذلك ليس هو السبب الأهم وراء مواقف ترامب وفريقه الرئاسي.

ثانيا: ربما يعزو بعض المحللين أسباب ذلك إلى توجهات واشنطن دائما إلى فرض المستبدين على بلاد العرب ودعمهم لقمع الشعوب، وتشويه صورة بلادنا بين حكام مستبدين طغاة ومسلحين متشددين يصفهم الغرب بالإرهابيين. لكن ذلك أيضا ليس السبب الأهم؛ لأن من سيكون بديلا لبن سلمان بكل تأكيد لن يكون ديمقراطيا ولا عادلا، هو فقط أقل درجة في استبداده من ولي العهد السعودي الذي كشف عن تهور وفقدان للاتزان العقلي خلال السنوات الماضية.

إنقاذ “بن سلمان” إحياء لصفقة القرن

أعتقد أن السبب وراء الاستماتة في مواقف ترامب المدافعة عن محمد بن سلمان تتعلق في حقيقة الأمر بدوره المخطط له في تمرير صفقة القرن، التي يعول ترامب عليها كثيرا في حسم القضية الفلسطينية لصالح الكيان الصهيوني؛ وقد تحدثت الإدارة الأمريكية باستمرار على أهمية النظام السعودي وعلاقاته المتميزة بواشنطن وتل أبيب، وأنه بات أحد أهم النظم لضمان وحماية أمن الكيان الصهيوني، وفي تصريح هو الأول من نوعه على الإطلاق، كشف ترامب أن السعوديين حلفاء جيدون لواشنطن، وساعدوا كثيرا فيما يخص “إسرائيل” ومولوا كثيرا من الأشياء”!.

ولذلك يعول الرئيس الأمريكي على ولي العهد كثيرا بشأن ملف صفقة القرن، والعمل على إنهاء القضية الفلسطينية بما يضمن مصالح الكيان الصهيوني، وهو ما صرح به “بن سلمان” في تصريحات صحفية صادمة، كاشفا عن انحيازه الأعمى للصهاينة على حساب العرب والمسلمين الفلسطينيين؛ معترفا بيهودية الدولة الإسرائيلية، وفتح المجال الجوي السعودي أمام الطيران الإسرائيلي لأول مرة في التاريخ، كما يبدي عداء سافرا لكل حركات المقاومة وعلى رأسها حركة المقاومة الفلسطينية “حماس”!.

نتنياهو حريص على بقاء بن سلمان

وكان بنيامين نتنياهو قد كشف عن حرص بلاده على بقاء “بن سلمان” وليا للعهد، في أعقاب الاتهامات التركية التي حاصرت ولي العهد السعودي، وبدا من تغريدة له حرصه على ضرورة الحفاظ على السعودية ودورها الذي يصفه مراقبون بـ”الجسر” نحو الدول العربية التي لم تطبع حتى الآن مع تل أبيب.

وبات واضحًا الحرص الإسرائيلي والأهمية البالغة التي يشكلها “ابن سلمان” لمصالحها، من خلال ما كشفته صحيفة واشنطن بوست من أن نتنياهو ورئيس الانقلاب في مصر عبد الفتاح السيسي “توسطا لدى مسئولين في البيت الأبيض من أجل تخفيف الضغط على ولي العهد السعودي”.

وكانت وكالة “أسوشيتدبرس” أكدت، في تقرير لها في 22 أكتوبر الماضي، أن مقتل خاشقجي قد يضع حدًا لـ”صفقة القرن” التي من المفترض أن يلعب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الدور الرئيسي فيها، عبر تقديمه الغطاء الدبلوماسي لطرفي النزاع. وأكد السفير الأمريكي لدى إسرائيل في عهد الرئيس باراك أوباما، دان شابيرو، للوكالة أن قضية خاشقجي عقّدت بشكل ملحوظ خطط ترامب المتعلقة بطرح صفقة القرن “إن كانت موجودة في الواقع”.

الصفقة الشيطانية

الخلاصة أن ترامب وكل حكومات الغرب على يقين تام بتورط بن سلمان في الجريمة، ولكن من الواضح أن الخلاصات شيء ومآلاتها شيء آخر تماما، فعلى الرغم من كل ما تملكه الاستخبارات الأمريكية والتركية من معلومات، وحتى لو كانت هناك تسجيلات تدين بن سلمان مباشرة، فإن القرار الأمريكي الرسمي لا يبدو أنه سيسير في هذا الاتجاه، لاعتبارات عديدة، سياسية وعسكرية واقتصادية. وهو ربما تتفق فيه بعض الدول الغربية مع الولايات المتحدة، والتي تسعى إلى محاولة إغلاق الملف سريعا، وعقد مقايضاتٍ مع الأطراف المعنية، تركيا خصوصا، لطي صفحة خاشقجي، وإبقاء الوضع السياسي في السعودية على ما هو عليه.

ولعل ذلك يفسر الإطراء الكبير من جانب ترامب للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حيث وصفه بالصديق العزيز القوي الحكيم.. فماذا يريد ترامب؟.

رابط دائم