الفرقعة الإعلامية التي فجرها بيان وزارة الداخلية بحكومة الانقلاب أمس الجمعة 22 مايو 2020م والذي أعلن عن اعتقال 11 شخصا بينهم صحفيون ومنتجو أفلام وثائقية وإخوان بدعوى قيامهم بـ "إعداد وإنتاج تقارير إعلامية مفبركة لصالح قناة الجزيرة"، فجرت كثيرا من الجدل والأسى؛ ذلك أن دلائل التلفيق والفبركة أكبر من أن تخفيها حالة البروباجندا الإعلامية المصاحبة للبيان للتشهير بهؤلاء الأبرياء وأكبر من العبارات الفضافضة التي حواها البيان الملفق الذي لا يحتوي على دليل إدانة واحد بحق هؤلاء الشرفاء ضحابا التلفيق الأمني.

وادعت وزارة الداخلية بحكومة الانقلاب "رصد قطاع الأمن الوطني في الوزارة إصدار قيادات جماعة الإخوان الهاربة في الخارج تكليفا لعدد من العناصر الإخوانية، والمتعاونين معهم في البلاد، بالعمل على تنفيذ مخطط يستهدف المساس بأمن الوطن، والنيل من استقراره"، مشيرة إلى "اضطلاع تلك العناصر باستغلال شركة "تيم وان برودكشن" للإنتاج الفني بمنطقة المعادي بالقاهرة، واستديو كائن بمنطقة عابدين في القاهرة تحت اسم "بوهمين"، لعقد لقاءات مع بعض الشخصيات، وإعداد مادة إعلامية مصورة، و"تحريفها" بما يُسيء للدولة تمهيداً لبثها عبر قناة "الجزيرة".

هذه المقاطع المفبركة تعيد إلى الأذهات تاريخا طويلا لجهاز الأمن الوطني في الفبركة والتلفيق، إذا يكفي أنه تم الحكم بإدانة الناجين من مذبحة رابعة والنهضة الذين قتل إخوانهم بينما أفلت القتلة من المحاكمة والعقاب، كما تعيد إلى الأذهان التسعة الذين إعدموا بتهم ملفقة في قضية اغتيال النائب العام السابق هشام بركات، وشهادة محمود الأحمدي بأنه تعرض للتعذيب بكهرباء تكفي مصر كلها!

المقطع المفبرك يعيد إلى الأذهان اعترافات الشابين الأردنيين عبد الرحمن الرواجبة، وثائر مطر، واللذان اعترفا بنفس الطريقة في فيديو مصور بعد اعتقالهما على خلفية مظاهرات 20 سبتمبر 2019م، وعندما تدخلت الخارجية الأردنية تم إخلاء سبيلهما، وظهرا لاحقاً في الإعلام الأردني وكشفا فضيحة إجبارهما على تصوير الاعتراف بتهم غير حقيقية أو منطقية".

دلائل الفبركة

أولا: الأدلة التي تعصف بهذه المسرحية المفبركة هو بيان الداخلية ذاته؛ الذي جمع بين الشاعر عبدالرحمن القرضاوي والإعلاميين معتز مطر ومحمد ناصر، رغم  أن الثلاثة لا علاقة لهم أساسا بقناة الجزيرة، كما تضمن البيان ثانيا اتهام الصحفي القبطي سامح حنين سليمان؛ فهل هو أيضا من الإخوان المسلمين؟ كما تم اتهام كل من معتز بالله محمود عبدالوهاب، مالك شركة (تيم وان برودكشن)، وأحمد ماهر عزت، مدير ومشرف ستوديو (بوهمين)، وهيثم حسن عبد العزيز محجوب (مسؤول إعداد المواد الفيلمية وهو صحفي يساري)، ومحمد عمر سيد عبد اللطيف (مسؤول إعداد المواد الفيلمية)". فأين هي المواد الفيلمية المسيئة التي أنتجها هؤلاء؟ ومتى نشرت؟ وما جوانب الإساءة فيها بالضبط؟ كل هذا لا يتحدث عنه بيان الداخلية المفبرك.

ثانيا: مع غياب أدلة الاتهام لجأ الجلادون من ضباط الوزارة إلى تهديد الضحايا المعتقلين بالاعتراف بالتهمة المفبركة وتسجيل ذلك في مقطع فيديو تم بثه على فضائيات العسكر على نطاق واسع؛ وهذا في حد ذاته يخالف الدستور والقانون. إضافة إلى ذلك فإن الفيديو الذي يتضمن اعترافات الضحايا على أنفسهم تم بالتهديد والإرهاب إذ ليس من المتصور أن يدلوا بهذه الاعترافات على أنفسهم من تلقاء أنفسهم؛  والهدف منه هو التغطية على فشل الوزارة في تقديم أدلة الإدانة المؤكدة التي تحدد كل فعل (مجرم قانونا) وتنسبه لصاحبه بالأدلة القطعية التي لا يتطرق إليها شك، ولما عجزت عن ذلك فبركت الاتهامات وأجبرت المعتقلين على الاعتراف بما فيه  بما يمثل جريمة قانونية. وقد أنكر الناشط أحمد ماهر الشهير بريجو الذي  اعتقل في 4 مايو الجاري في تحقيقات نيابة  أمن الدولة العليا  كل ما تضمنه مقطع الفيديو  يوم 11 مايو الماضي أي قبل بث الفيديو بعشرة أيام كاملة متهما  مأمور الضبط القضائي (ضابط أمن الدولة) بأنه طلب منه تصوير فيديو الاعتراف بالتعاون مع قناة "الجزيرة وقيادات الإخوان؛ لكنه رفض ذلك فتم تهديده وإجباره على التصوير، وهو ما تم تدوينه بالتحقيقات.

ثالثا: لا يجيز القانون لسلطات الضبط القضائي (الشرطة) سوى سؤال المتهم فقط عملا بالسلطة المخولة لها من القانون، غير أنه يتبين أن ما أجراه يخرج عن معنى السؤال، ويندرج في معني الاستجواب، ومن ثم يكون ما أجراه باطلاً، لأن الاستجواب محظور قانوناً على غير سلطة التحقيق، كونه مواجهة المتهم بالأدلة المختلفة، ومناقشته مناقشة تفصيلية حتى يفندها إن كان منكرا للتهمة، أو يعترف بها إذا شاء الاعتراف".

ونصت الفقرة الثالثة من المادة 55 من دستور الانقلاب على أن "كل من يثبت أنه صدر من محتجز تحت وطأة شيء مما تقدم أو تهديد بشيء منه، يُهدر، ولا يُعول عليه"، وبالتالي فإن ما ينتج عن هذه الأقوال من دليل يعد باطلا ولا يصح الاستناد  إليه في الدعوى، وعلة إهدار الدليل في هذه الحالة هي صيانة الحرية الشخصية للمتهم، وكرامته الإنسانية، وألا تكون أقواله ناتجة عن إرادة معيبة".

رابعا: بحسب المقطع المفبرك  يقول الصحفي القبطي سامح حنين ، إن "عددا من قيادات جماعة الإخوان طلبوا منه إنتاج فيديوهات ضد الدولة المصرية لصالح قناة الجزيرة، مقابل 3 آلاف دولار لكل فيلم"، مدعيا أنه أنتج فيديوهات لصالح برنامج "هذا الصباح" و"تحت المجهر" في شبكة "الجزيرة" الإعلامية، مقابل تحويل مبالغ مالية على حسابه الشخصي في أحد البنوك بمنطقة الدقي بالجيزة، والتي بلغ إجماليها 150 ألف دولار. ومن مفارقات البيان أيضا، الإشارة إلى برنامج الجزيرة هذا الصباح رغم أنه برنامج منوعات، ويعرض فقط تقارير حول المبادرات الإنسانية والاجتماعية الإيجابية، ولا يناقش القضايا السياسية والأمنية، فضلا عن الصراع في سيناء.

خامسا: مارست الداخلية وفضائيات السلطة وصحيفة اليوم السابع المخابراتية جريمة تشهير بحق أبرياء؛ ودعا المحامي الحقوقي نجاد البرعي نائب عام الانقلاب إلى فتح تحقيق فيما نشرته جريدة "اليوم السابع"، حول ما يُقال إنه اعترافات لأحد المتهمين في قضية لا تزال محل تحقيق جنائي قائم، قائلاً: "نريد أن نعرف بالضبط من سمح للمتهم بالإدلاء بهذا الحديث الذي قد يدينه، ويؤلب الرأي العام ضده؟ ومن سمح للجريدة أن تنشره؟ أذكر الجميع بنص الماده 75 من قانون الإجراءات الجنائية، والتي تنص على أن إجراءات التحقيق، وما تسفر عنه، هي من الأسرار، وأن القانون يعاقب قضاة التحقيق، وأعضاء النيابة، ومساعديهم، ومن يحضرون التحقيق على عدم إفشاء أسرارها، وإلا عوقبوا بالعقوبة المنصوص عليها في المادة رقم 310 من قانون العقوبات".

وأضاف: "كما أشير إلى أن المادة 187 من قانون العقوبات، تنص على أنه يُعاقب بنفس العقوبات كل من نشر بإحدى الطرق المتقدم ذكرها أمورا من شأنها التأثير في القضاة، الذين يُناط بهم الفصل في دعوى مطروحة أمام أية جهة من جهات القضاء في البلاد، أو في رجال القضاء أو النيابة، أو غيرهم من الموظفين المكلفين بتحقيق، أو التأثير في الشهود الذين قد يطلبون لأداء الشهادة في تلك الدعوى، أو في ذلك التحقيق، أو أموراً من شأنها منع شخص من الإفضاء بمعلومات لأولي الأمر، أو التأثير في الرأي العام لمصلحة طرف في الدعوى".

ومنذ انقلاب 30 يونيو 2013م يشن نظام العسكر هجمة ضارية وغير مسبوقة على حرية الرأي والتعبير؛ حيث تم غلق عشرات الفضائيات  والصحف والمواقع وحجب مئات المواقع الإخبارية لكل من يعارض الانقلاب من الإسلاميين واليساريين والليبراليين ويقبع في سجون العسكر حاليا عشرات الصحفيين والإعلاميين. واعتقلت ميليشيات الانقلاب 10 صحفيين خلال الشهرين الماضيين فقط ومنذ بدء تفشي فيروس كورونا.

 وبحسب منظمة "مراسلون بلا حدود"، تعد مصر واحدة من أكبر سجون الصحفيين بالمنطقة، وقد وضع التقرير مصر في المرتبة 166 على مستوى العالم بحرية الصحافة. وقال تقرير صادر عن المنظمة أخيرا إن السلطات المصرية تستخدم مبدأ مكافحة "الأخبار الزائفة" ذريعة لتبرير حجب الصفحات والمواقع الإلكترونية من جهة، وسحب بطاقات اعتماد الصحفيين من جهة أخرى. ولا تتقدم مصر في هذا المؤشر إلا على خمس دول عربية فقط، هي اليمن والبحرين والسعودية وسوريا وجيبوتي، وذلك من إجمالي 22 دولة.

Facebook Comments