موافقة لجنة الدفاع والأمن القومي في برلمان الأجهزة الأمنية، الأحد 5 يوليو، على مشروع قانون مقدم من الحكومة يلزم ضباط الجيش بعدم الترشح في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والمحلية إلا بعد موافقة الجيش تمثل تكريسا لحكم الفرد والدكتاتورية العسكرية، وتأكيدا على احتكار زعيم الانقلاب عبدالفتاح السيسي لجميع مفاصل السلطة السياسية في البلاد.
وتمهيدا لعرضها في جلسة عامة بالبرلمان في دورة الانعقاد الحالي وافقت لجنة الدفاع والأمن القومي على تعديل بعض أحكام القانون رقم 232 لسنه 1959، في شأن شروط الخدمة والترقية لضباط القوات المسلحة، والقانون رقم 4 لسنة 1968 حول القيادة والسيطرة على شؤون الدفاع عن الدولة وعلى القوات المسلحة، والقانون رقم 30 لسنة 2014 بإنشاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

ونصت التعديلات على 3 جوانب:
الأول هو عدم جواز الترشّح للضباط، سواء الموجودين بالخدمة أو من انتهت خدمتهم، لانتخابات رئاسة الجمهورية أو المجالس النيابية أو المحلية، إلا بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

الثاني ينص على أنه "لصاحب الشأن الطعن على قرار المجلس الأعلى للقوات المسلحة أمام اللجنة القضائية العليا لضباط القوات المسلحة، وفقاً للقواعد والإجراءات المنصوص عليها في القانون رقم 71 لسنة 1975، والخاص بتنظيم وتحديد اختصاصات اللجان القضائية لضباط القوات المسلحة، وذلك خلال 30 يوماً من تاريخ إعلان صاحب الشأن به، ويكون قرارها في الطعن نهائياً".

الثالث، عدم جواز الطعن في قرارات اللجنة القضائية لضباط القوات المسلحة، أو المطالبة بإلغائها بأي وجه من الوجوه أمام أية هيئة أو جهة أخرى.
وبررت المذكرة الإيضاحية مشروع القانون بالزعم أنه يحاول مواكبة التطور التكنولوجي في منظومة العمل بالقوات المسلحة، بما يتناسب مع طبيعة الحرب الحديثة، الأمر الذي استلزم وضع ضوابط محددة على أفرادها بعد انتهاء خدمتهم، بشأن ممارسة المعلومات التي تتصل بعملهم أثناء الخدمة.

دلالات وتناقض
وتعاني مصر من حالة تناقض غريبة، فرغم أن القانون رقم 232 لسنة 1959 قد حظر على ضباط الجيش إبداء الآراء السياسية أو الحزبية أو الاشتغال بالسياسية أو الانتماء إلى الأحزاب أو الهيئات أو الجمعيات أو المنظمات ذات المبادئ أو الميول السياسية وكذلك الاشتراك في تنظيم اجتماعات حزبية أو دعايات انتخابية. إلا أن الجيش تحول بالفعل إلى حزب سياسي يمارس السلطة بجميع أبعادها السياسية والاقتصادية منذ انقلاب 23 يوليو 1952م.
وحتى عندما أراد الشعب إعادة البلاد إلى المسار الصحيح من خلال ثورة 25 يناير تآمرت قيادة الجيش والأجهزة الأمنية على النظام الوليد ودبرت انقلابيا دمويا في 3 يوليو 2013م أطاحت بالثورة والمسار الديمقراطي وكرست الحكم العسكري الشمولي من جديد.

ويرى مراقبون أن التعديل يهدف إلى قطع الطريق على أي مرشحين محتملين في مواجهة السيسي في أي مسرحية انتخابات رئاسية مقبلة، سواء من ضباط الجيش الحاليين أو السابقين، على غرار ما حدث في مسرحية 2018، عندما جرى استبعاد الفريق سامي عنان والفريق أحمد شفيق والعميد أحمد قنصوة، حيث جرى الزج بالأول والثالث في السجن بتهمة غامضة فيما وضع الثاني رهن الإقامة الجبرية بعد أن جيء به وقتها مكبلا من الإمارات بعد إعلانه الترشح ضد السيسي. كما تمنع هذه التعديلات ترشح أفراد المؤسسة العسكرية لانتخابات مجلسي الشيوخ والنواب المرتقبة هذا العام، إلا بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة.
معنى ذلك أن السيسي الذي يتحكم فعليا في جميع مفاصل المؤسسة العسكرية هو من يهندس النظام السياسي على مقاسه، ويمنع أي جنرال آخر من مجرد التفكير في الترشح لمنافسته، فالسيسي كان قد أجرى تعديلات دستورية مشبوهة في إبريل 2019م تتيح له الاستمرار في الحكم حتى 2030م، ومنحته أيضا صلاحيات واسعة على جميع مؤسسات الدولة السياسية والقضائية والأمنية والاقتصادية.

وبحسب مراقبين فإن السيسي بمثل هذه التعديلات والتشريعات المشبوهة إنما يقطع الطريق على أي أمل في الخلاص من نظامه إلا عبر مسارين: الأول هو انقلاب على انقلابه. والثاني، ثورة شعبية كبرى تنقذ البلاد لأن استمرار نظام السيسي على هذا الوضع يهدد مصر بالإفلاس، في ظل تضخم القروض التي ارتفعت من 1.7 تريليون جنيه في منتصف 2013 إلى أكثر من 6 مليارات جنيه حاليا. وبات النظام يعتمد على الضرائب التي تمثل 75% من إيرادات الموازنة. والتوسع في القروض مع تراجع معدلات الإنتاج وإيرادات الدولة، وارتفاع نسب الفقر والبطالة بحسب الأرقام الرسمية الصادرة عن جهاز التعبئة العامة والإحصاء الذي يؤكد أن 73% من المصريين تراجعت دخولهم، وأن 26% من جملة المشتغلين تحولوا إلى عاطلين منذ بداية 2020م.

Facebook Comments