في إطار العقلية العسكرية التي تتحكم بمصير المصريين منذ الانقلاب العسكري في 2013، مثلت جرائم القتل الجماعي، الكبرى منها والصغرى وسيلة لعساكر السيسي ونظامه في اخضاعه المصريين لحكم البيادة.

وبعد سبع سنوات من القتل الجماعي وإهدار دماء المصريين ومقدساتهم وكرامتهم، منذ مذبحة فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة.. بات الشعب المصري أكثر خضوعا لسلطة السيسي، بعدما استخدم سلاخ الخوف في إرهاب المصريين.

واستهدف القتل بالقوة المفرطة في 14 أغسطس 2013 رافضي الانقلاب وأنصار الرئيس الشهيد  محمد مرسي بميداني رابعة العدوية والنهضة، التي كانت سبباً في تغيير وجه السياسة والإدارة المصرية، خصوصاً بعدما استغل قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، القوة المفرطة والتوسع في عمليات القتل خارج إطار القانون واستخدام الرصاص ضد أي صاحب رأي أو موقف معارض لانقلابه وقتها، وسط تفويض مصطنع للنظام، من قبل قطاع شعبي، بعد تضليله بمجموعة من الأخبار المزيفة بحق الرئيس الشهيد محمد مرسي، والمسئولين عن إدارة الدولة خلال عام حكم مرسي. حتى تمّ إرساء نهج جديد من قبل النظام، يقضي بتمرير كافة القرارات السياسية والاقتصادية القاسية على وقْع طلقات الرصاص ومشاهد القتل بحق المخالفين لمواقفه، التي لم تفارق أعين وأسماع المواطنين.

ففي أعقاب مجزرة الفض وما تبعها من مجازر أخرى مثل مجزرة رمسيس الثانية في 16 أغسطس 2013، وكذا مواجهة تظاهرات الطلبة في الجامعات المختلفة بالرصاص الحي خلال العامين التاليين للمجزرة الأم، عكف السيسي وأجهزته ودوائره على توظيف حالة الرعب التي خلقها الاستخدام المفرط للقوة، في تمرير حزمة من القرارات على مدار سنوات حكمه، كان من المستحيل تمريرها أو المساس بها في مراحل وأوقات سابقة، خشية غضب القطاع الأكبر من الشعب.

وكانت الواقعة الصارخة لتنفيذ السيسي نهجه الجديد في إدارة البلاد بالحديد والنار، هي التنازل عن جزء من تراب مصر، الممثل في جزيرتي تيران وصنافير للسعودية بعد نحو عامين فقط من جلوسه على كرسي الحكم، في خطوة لم يجرؤ عليها المخلوع حسني مبارك الذي قبع داخل القصر الرئاسي لمدة 30 عاماً، خوفاً من الغضب الشعبي، وظلّ يراوغ ويتهرّب من المطالب السعودية في هذا الشأن.

فالسيسي لم يعبأ بالغضب الشعبي، نظراً لتأكّده من خوف عموم المصريين من غير المسيّسين والنشطاء، من التظاهر في الشوارع والتعبير عن غضبهم أو رفضهم للقرار، خشية تعرّضهم للقتل أو الإلقاء بهم في غياهب السجون، خصوصاً وأنهم ما زالوا يتذكرون مشاهد عشرات الجثث المحترقة بمسجد "الإيمان" المجاور لميدان رابعة العدوية في مدينة نصر شرق القاهرة، بعد إشعال الأمن النيران في المستشفى الميداني ليلة الخامس عشر من أغسطس في أعقاب يوم مليء بالدماء والدم.

وفي مقابل ذلك، لم يفوّت السيسي فرصة لإثقال كاهل البسطاء بإجراءات اقتصادية هي الأعنف، إلا واستغلها تحت وطأة حالة الرعب الشعبي من القوة المفرطة من جانب الأجهزة الأمنية تارة، والتوسع في توزيع الاتهامات بالخيانة و"الأخونة" تارة أخرى من جانب الأذرع الإعلامية التي تديرها دوائر السيسي. فخلال 5 سنوات فقط، رفعت الحكومات المتتالية عقب انقلاب 3 يوليو 2013، أسعار الوقود خمس مرات، بزيادات قياسية وصلت إلى نحو 500% من قيمة الأسعار التي كانت قبل تسلّم السيسي للحكم.

وعقب دماء رابعة والنهضة، توالت الزيادات وطاولت كافة مناحي الحياة اليومية للمواطن، بدءاً من الوقود، مروراً بزيادة أسعار الكهرباء المنزلية وخدمات المياه والصرف الصحي، وتذاكر القطارات ومترو الأنفاق الذي كان يعدّ الوسيلة المفضلة لعموم بسطاء الشعب والموظفين المطحونين، نظراً لانخفاض سعر التذكرة فيه.

صمت المواطن خوفا

في حين التزم المواطنون الصمت، مكتفين فقط بالشكوى في ما بينهم خلال الجلسات الخاصة وفي المقاهي، من دون أن تجد تلك الشكوى طريقها إلى الإعلان، خوفاً من البطش الذي ظلّت أجهزة السيسي المختلفة تنمّيه، في أعقاب المشاهد الدموية بحق أنصار الشرعية وباقي المعارضين من التيارات كافة.

وطالت قرارات السيسي القاسية آلاف المواطنين، من دون أن يسلم منها معارض أو حتى أحد ممن بارك استخدام العنف المفرط من جانب أجهزة السلطة ضد المعارضين بعد 30 يونيو 2013، فلم يكن يدري هؤلاء أن تلك المباركة ستكون سيفاً على رقابهم بعد ذلك.

فخلال السنوات القليلة الماضية، أخذت "بلدوزرات" الحكومة في تغيير معالم حياة آلاف المواطنين بعدد من المناطق التي ظلّوا فيها لعشرات السنين، تحت دعوى التطوير، وإعادة التأهيل، وذلك لزيادة الحصيلة التي تصب في خزائن السلطة، من دون النظر للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين. كما حدث مع سكان مناطق مثلث ماسبيرو، وجزيرة الوراق، وأهالي مناطق الشريط الحدودي بمدينة رفح بشمال سيناء، حيث كان القتل والسجن والتشريد من نصيب المخالفين أو المعارضين للشروط المجحفة والتعويضات غير المناسبة أو الرافضين لمغادرة ممتلكاتهم الخاصة.

 

ظلم الشعب

كذلك، وبإشارة من السيسي خلال أحد المؤتمرات أخيراً، أخذت الأجهزة التنفيذية بالمحافظات المختلفة في إزالة أبراج سكنية، ومنازل للمواطنين على نطاق واسع، بدعوى أنها مخالفة، في وقت يعلم فيه القاصي والداني أنّ تلك المباني لم تكن لترى النور إلا بموافقات رسمية ورشاوى كبيرة لمسؤولين في المحليات والأجهزة المختلفة، أي أنّ الخطأ مشترك بين المواطنين ومسؤولي الدولة. وكان الأمر يتطلب دراسة وافية قبل شروع "البلدوزرات" في العصف بأحلام وآمال الكثير من البسطاء الذين وضعوا كل ما يملكون في منزل بسيط بإحدى القرى أو في وحدة سكنية لا تتجاوز مساحتها الـ 100 متر في برج سكني بإحدى ضواحي العاصمة، وذلك في وقت تضاعفت فيه أسعار الوحدات السكنية التي تقدمها وزارة الإسكان إلى مستويات قياسية لا يقدر عليها المواطن البسيط.

ولعل ما يمكن رصده أمام تجبر السيسي ونظامه في ظل دماء المصريين النازفة منذ الانقلاب العسكري، أنه في فترات سابقة، كانت زيادة لا تتجاوز بضعة قروش على سلعة أساسية أو خدمة تقدّم للمواطنين، أو قرار بسيط يمسّ حياتهم اليومية أو القضايا مركز الاهتمام القومي، كفيلة باندلاع تظاهرات شعبية غاضبة ووقفات احتجاجية كانت سلالم نقابة الصحافيين ومجلس الدولة وساحات الجامعات شاهدة على كثير منها، بحسب مراقبين.

وهو ما يؤكد أن السيسي لم يعد يعبأ بأي غضب شعبي، ظناً منه أن الشعب حالياً لم يعد يجرؤ على التظاهر، أو القيام بأي فعل احتجاجي… وهكذا تسير مصر من سيء إلى أسوأ بعدما أدخل السيسي الشعب المصري في دائرة الخوف.

Facebook Comments