وبمناسبة ذكرى فتح القسطنطينية، لا بد أن نستذكر الموقف المخزي لقناة العربية عندما عبرت فيه عن حزنها الشديد، ووصفت هذا الفتح الذي بشّر فيه الرسولﷺ بـ”السقوط”! صحيفة #عكاظ الزور والفجور كذلك فعلت الأمر نفسه!
وهو موقف يتماثل مع تجاهل الدولة الجمهورية ذكرى معركة ملاذكرد، وفتح القسطنطينية، ولادة الدولة الإمبراطورية العثمانية، وكل التواريخ التي تذكر بالماضي الإسلامي لشعبها.
تقول الأكاديمية الأردنية الدكتورة فاطمة الوحش إن فتح القسطنطينية على يد القائد محمد الفاتح.. قلب الموازين بالجغرافيا السياسية والدينية للعالم الإسلامي وكانت ردا على الحملات الصليبية على بيت المقدس والجبروت محاكم التفتيش الإسبانية وتغول الباباوية إلا أنها كانت بداية وحدة الصهيوالصليبي على الإسلام”.
أما الكاتب بشير نافع فنشر له موقع “ترك برس” فقال إن “حكومة مندريس هي أول من بدأ الاحتفال بانتصار ملاذكرد في الخمسينيات. وبعد ذلك بقليل، في نهاية الستينيات، بادر تيار الضمير الوطني (مللي غروش)، أو ما يوصف أحيانًا بالتيار الإسلامي السياسي التركي، بالاحتفال بذكرى فتح القسطنطينية في 29 مايو 1453.
وتابع: منذ صعود حزب العدالة والتنمية للسلطة في نهاية 2002، اكتسب الاحتفال بملاذكرد وفتح القسطنطينية صفة رسمية. لم يتوقف إحياء المناسبات التي أدخلتها الدولة الجمهورية إلى الجدول الزمني للأمة التركية؛ ولكن مناسبات أخرى، سابقة في تاريخ البلاد، جرى استعادتها وإحياؤها.

وأوضح أن العدالة والتنمية يكمل مشروع مصالحة الدولة مع شعبها، ومصالحة الأمة مع ذاكرتها وتاريخها الطويل، الذي بدأه الأب الشرعي للتيار السياسي المحافظ في تركيا: عدنان مندريس.

غير التاريخ

وبهذا المناسبة، قدّم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، اليوم الأربعاء، تهانيه لمواطني بلاده عبر تغريدة نشرها عبرحسابه على “تويتر”، بحسب ما ذكرته وكالة الأناضول.
وقال أردوغان في تغريديته: “أقدم التهاني بمناسبة الذكرى الـ566 لفتح إسطنبول، الذي غيّر مجرى التاريخ وأغلق عصرا وفتح عصرا”.
وترحّم أردوغان في تغريدته على السلطان محمد الفاتح وجيشه، مرفقًا تغريدته بشريط مسجل يتضمن معالم إسطنبول التاريخية.
ويحتفل الأتراك خاصة، والمسلمون عامة في 29 مايو من كل عام، بذكرى “فتح القسطنطينية”، وهي المدينة التاريخية التي فتحها السلطان العثماني “محمد الفاتح” من الإمبراطورية البيزنطية، عام 1453، بعد أن ظلت عصية على الفتوحات الإسلامية لعدة قرون. “لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش”.

الذكرى إسلامية

وكعادتها تنظم جمعية “شباب الأناضول” فعالية حاشدة، تبدأ بأداء صلاة الفجر في ساحة مسجد “أيا صوفيا” التاريخي بمدينة إسطنبول، وسط تدابير أمنية مشددة ومشاركة شعبية كبيرة، ثم تلاوة آيات من القرآن الكريم.
وبذلت العديد المنظمات العالمية بذلت جهودا حثيثة لأعوام؛ بهدف تحويل أيا صوفيا إلى متحف، وحققوا ذلك “عبر توقيعات مزورة عام 1934”.
غير أن جمعية شباب جمعيته تكافح من أجل إعادة فتح المسجد التاريخي للعبادة، مؤكدا أن “هذه القضية لا تخص إسطنبول فقط، بل هي قضية المسلمين كلهم في أنحاء العالم”.
علي الصلابي
وللدكتور علي الصلابي العالم الليبي، وعضو أمانة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، كتاب شهير “الدولة العثمانية” يعتبر مرجعا للباحثين فضلا عن مراجع أخرى، اقتنص منه مقالا قديما أعادت صفحاته على السوشيال ميديا نشره قبل ساعات بمناسبة الذكرى بعنوان “محمد الفاتح وفتح القسطنطينية.. ذكرى خالدة” نشرته “مدونات الجزيرة”.
قال إن فتح القسطنطينية هو فتح الفتوح العثماني والإسلامي جاء نتيجة جهود تراكمية قام بها المسلمون منذ العصور الأولى للإسلام رغبة من تلك الأجيال في تحقيق بشارة رسول الله.
وشرح أن السلطان محمد الفاتح، 22 سنة آنذاك، هو محمد بن مراد الثاني ولد في أدرنه عام 1481م، ويعتبر السلطان العثماني السابع في سلسلة آل عثمان يلقب بالفاتح وأبي الخيرات. حكم ما يقرب من ثلاثين عامًا كانت خيرًا وعزة للمسلمين.
ومن منهجه بإعادة تنظيم إدارات الدولة المختلفة، وتحديد موارد الدولة وطرق الصرف منها بشكل يمنع الإسراف والبذخ أو الترف، وينسب له تطوير كتائب الجيش وأعاد تنظيمها ووضع سجلات خاصة بالجند، وزاد من مرتباتهم وأمدهم بأحدث الأسلحة المتوفرة في ذلك العصر. وعمل على تطوير إدارة الأقاليم وأقر بعض الولاة السابقين في أقاليمهم وعزل من ظهر منه تقصيرًا أو إهمال وطور البلاط السلطاني وأمدهم بالخبرات الإدارية والعسكرية الجيدة.

تطلعات الفتح
وقال الصلابي إن الفاتح تطلع إلى المناطق المسيحية في أوروبا لفتحها ونشر الإسلام فيها، ولقد ساعدته عوامل عدة في تحقيق أهدافه، منها الضعف الذي وصلت إليه الإمبراطورية البيزنطية لأسباب عدة .
فشجع العلماء الربانيون مثل أحمد بن إسماعيل الكوراني “معلم الفاتح”، وآق شمس الدين “الملهم الروحي للفتح” في تشجيع السلطان على مضاعفة حركة الجهاد، والإيحاء له بأنه الأمير المقصود بحديث النبي الكريم. ومن بداية تسلمه للسلطنة، قام السلطان محمد الفاتح بإعداد جيش كبير بلغ حوالي مئتين وخمسين ألف مقاتل، وشرع بتجهيز الحصون والقلاع على أطراف القسطنطينية، ولم تفلح محاولات الامبراطور البيزنطي في ثنيه بالأموال ومعاهدات الصلح، وقام الفاتح ببناء قلعة روملي حصار على البوسفور من الطرف الأوروبي مقابل قلعة عثمانية شيدت على البر الآسيوي زمن السلطان بايزيد الثاني.
واعتنى محمد الفاتح بجمع الأسلحة اللازمة لدك حصون المدينة، واعتمد على مهندسين لتطوير صناعة المدافع المتطورة. ومن هؤلاء اعتماده على مهندس مجري اسمه أوربان. كما طور الأسطول العثماني وزاد في تسليحه حتى وصل لقرابة أربعمائة سفينة حربية ليكون مؤهلاً للقيام بدوره في الهجوم على القسطنطينية.
معجزة

وكان مرور السفن على البر لتتخطى سلاسل القسطنطينية برأي الصلابي معجزة من المعجزات، تجلى فيه سرعة التفكير وسرعة التنفيذ، مما يدل على عقلية العثمانيين الممتازة، ومهارتهم الفائقة وهمتهم العظيمة. لقد دهش الروم دهشة كبرى عندما علموا بها، فما كان أحد ليستطيع تصديق ما تم. لكن الواقع المشاهد جعلهم يذعنون لهذه الخطة الباهرة. ولقد كان منظر هذه السفن بأشرعتها المرفوعة تسير وسط الحقول كما لو كانت تمخر عباب البحر من أعجب المناظر وأكثرها إثارة ودهشة.

أيا صوفيا

وباختصار لفت د.علي الصلابي إلى أنه بعد دخول قلب المدينة، توجه محمد الفاتح إلى كنيسة آيا صوفيا وقد اجتمع فيها خلق كبير من الناس ومعهم القسس والرهبان الذين كانوا يتلون عليهم صلواتهم وأدعيتهم، وعندما اقترب من أبوابها خاف النصارى داخلها خوفًا عظيمًا، وقام أحد الرهبان بفتح الأبواب له فطلب من الراهب تهدئة الناس وطمأنتهم والعودة إلى بيوتهم بأمان، فاطمأن الناس وكان بعض الرهبان مختبئين في سراديب الكنيسة فلما رأوا تسامح الفاتح وعفوه خرجوا وأعلنوا إسلامهم، وقد أمر الفاتح بعد ذلك بتحويل الكنيسة إلى مسجد وأن يعد لهذا الأمر حتى تقام بها أول جمعة قادمة.

فرح في مصر

واشار الصلابي إلى أن الفرح في مصر كان الأبرز حيث عم الفرح والابتهاج المسلمين في ربوع آسيا وأفريقيا فقد كان هذا الفتح حلم الأجداد وأمل الأجيال، ولقد تطلعت له طويلاً وها قد تحقق، فأذيعت أنباء الانتصار من فوق المنابر، وأقيمت صلوات الشكر، وزينت المنازل والحوانيت وعلقت على الجدران والأعلام والأقمشة المزركشة بألوانها المختلفة، وكذا تكرر الأمر في مكة والمدينة والهند وأصقاع العالم الإسلامي آنذاك.

Facebook Comments