بعد تردي وتدهور حاد في الأوضاع السياسية والاقتصادية قرر الرئيس السوداني عمر البشير إقالة حكومة الفريق بكري حسن صالح التي انبثقت عن الحوار الوطني العام الماضي، وتكليف وزير الموارد المائية والسدود، السيد معتز موسى عبدالله، بتشكيل حكومة جديدة، وتقليص عدد الوزارات من 31 وزارة إلى 21 فقط.
الخطوة باركها خبراء اقتصاديون، باعتبارها تخفض من الإنفاق الحكومي على جيوش الدستوريين، وتخلص الجهاز التنفيذي للدولة من الترهل، وهي أمور باركها أيضا الشارع السوداني الغارق في أزمات متلاحقة، من أزمة الوقود، ثم الخبز والسيول، وأخيراً تحجيم السيولة النقدية.
وبحسب محللين وخبراء، يرجع السر وراء اختيار السيد معتز موسى عبدالله، لعدة أمور، أهمها هي ثقة الرئيس المطلقة به، والسمعة الطيبة التي يتمتع بها شعبياً، ووجود صلات قرابة بينه وبين الرئيس، بالإضافة لذكائه وخبراته في التعامل مع الإعلام، وخلفياته الأكاديمية في المجالات الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية، وهي ما تحتاجه الدولة خلال المرحلة التي تواجه فيها الآن تحدياً اقتصادياً، والمجيء بالوزير معتز رئيساً للوزراء هو خطوة إسعافية، وهذه النقطة جاء على ذكرها خطاب الرئيس البشير، بعد تكليف الوزير معتز رئيساً لمجلس الوزراء.
كما أن القدرات التفاوضية الكبيرة التي أظهرها الوزير معتز موسى في ملف سد النهضة وتحقيق نقاط لصالح الخرطوم على حساب القاهرة انتهت بالاتفاق الأخير بين البلدين، الذي وضع الهموم الأمنية والمائية والاقتصادية على الطاولة، رفع كثيراً من أسهمه عند الرئيس في الفترة الماضية، التي شهدت توتراً في العلاقات بين الجارين.
ويرى مراقبون أن هذا التغيير الذي طال الحكومة تحت شعارات اقتصادية ينطوي على أبعاد وتحولات سياسية أكبر في توجهات الدولة في المرحلة المقبلة، فالسياسة والاقتصاد قرينان لا يفترقان، وكل منهما يؤثر على الآخر.

رسائل للخارج
الأهم في تعيين رئيس الحكومة الجديد أنه أحد كوادر الحركة الإسلامية المخلصين فموسى تدرّج في عدة مناصب تنظيمية بالحزب الحاكم وكان أحد المقاتلين الذين شاركوا في حرب جنوب السودان “تسعينيات القرن الماضي” قبل توقيع اتفاق السلام ومن ثم انفصال الجنوب في 2011م.
كما يعرف عن رئيس الحكومة الجديد بأنه صاحب مواقف قوية من قضية سد النهضة الإثيوبي حيث ساهم في إقناع الرئيس بفوائد المشروع على السودان حتى دفع الأخير إلى اتخاذ قرار بالوقوف إلى جانب إثيوبيا في السد، وشكّل معتز موسى ثنائية قوية مع نظيره الإثيوبي سيلشي بيكيلي ووزير خارجية إثيوبيا ورقينيه قبيو . لذلك من المؤكد أن تعيينه في منصب رئيس الوزراء سيشكل قلقًا لدى الجارة مصر. خاصة وأن الرجل سبق وأن رد بصورة قوية في مقابلة تلفزيونية مع الإعلامية المقربة من نظام عبدالفتاح السيسي لميس الحديدي قبل عدة أعوام.
وبالطبع ستصل الرسالة بتعيين الرئيس السوداني كادر إسلامي من جيل الشباب إلى السعودية والإمارات اللتان تشنان حملة شعواء ضد كل من ينتسب أو يقرب الإخوان المسلمين مما قد يؤدي إلى توتر علاقات البشير مع الرياض وأبوظبي، حيث بردت العلاقات منذ فترة بعد أن أحجمتا عن دعم السودان في محنته الاقتصادية رغم التضحية بالمشاركة في حرب اليمن.
كما ستكون الرسالة مختلفة للمحور الآخر خصوصًا وأن معتز موسى من الداعمين بشدة للتقارب مع قطر وتركيا ويقال إنه لم يكن راضياً عن استعجال الحكومة السودانية في قرار قطع العلاقات مع إيران تودداً للسعودية. ونلفت هنا إلى أن الدوحة سارعت والتقطت رسالة البشير حيث كان رئيس الوزراء القطري الشيخ عبدالله بن ناصر آل ثاني أول المهنئين لرئيس الوزراء السوداني بمنصبه الجديد.
لكن السياسة الخارجية للسودان والتي يحددها الرئيس تقوم منذ سنوات على التوازن وعدم الانحياز في الخلافات العربية الكبرى، لذلك ليس مرشحا أن يحدث تحول كبير في السياسات الخارجية للخرطوم، وستبقى كما هي عليه اليوم، وسيكون تركيز رئيس الحكومة الجديد منصبا على إسعاف الوضع الاقتصادي المتدهور وخلق بيئة اجتماعية واقتصادية أكثر تماسكا من أجل تحقيق هذه الأهداف.
وفي كل الأحوال، فإن مهمة معتز لن تكون سهلة إلا إذا مُنح صلاحيات كافية فالدستور الحالي لم يعط رئيس الوزراء سلطة حقيقية من السلطات التي تتركز في يد رئيس الجمهورية وأبسطها تعيين وإعفاء الوزراء والهيئات الحكومية الكبرى. إلى جانب صلاحيات أخرى شبه مطلقة في أيدي ولاة الولايات ومعتمدي المحليات حيث تكون سلطة رئيس الوزراء عليهم إشرافية غالبا.

وموسى من مواليد سنة 1967م، وتدرج في المراحل التعليمية حتى دخل إلى جامعة الخرطوم؛ حيث تخرج في كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية عام 1989م، ثم حصل على الماجستير في الدراسات الاستراتيجية، بالإضافة إلى ماجستير آخر في العلوم السياسية، ودبلوم عالٍ وماجستير آخر في الترجمة من جامعة الخرطوم، وعمل مديراً للمركز القومي للإنتاج الإعلامي، وهي مؤسسة إعلامية تابعة للدولة، ثم اتجه إلى وزارة الخارجية؛ حيث تنقَّل في أقسامها، حتى وصل إلى منصب القنصل في السفارة السودانية في ألمانيا، ثم عمل في وحدة تنفيذ السدود؛ حيث تنقل فيها حتى وصل إلى منصب الإدارة العامة للمشروعات بالوحدة، قبل أن يعينه رئيس الجمهورية وزيراً للموارد المائية والكهرباء في 2013م، وهو المنصب الذي ظل يشغله حتى جاء التكليف الأخير له. يعرف عن السيد معتز موسى انتماؤه للحركة الإسلامية السودانية منذ أن كان طالباً في جامعة الخرطوم، لدرجة حمله للسلاح والقتال في جنوب البلاد دفاعا عن وحدة الدولة السودانية، ويُجيد اللغتين الألمانية والإنكليزية.

Facebook Comments