من بين مئات المشاهد المؤلمة يوم "رابعة"، مشهد لرضيع عثرت عليه فتاة بين أنقاض الخيام، غالبًا قُتلت أمُه، فحملته وارتقت به إلى المركز الطبى الذى كان قد امتلأ بالجثث والمصابين، لاذت به الفتاة وعشرات النسوة والأطفال فرارًا من نيران الرشاشات التى لا تنقطع. ولم تلبث الفتاة طويلًا حتى وجدت نفسها، والرضيع على يديها، فى مواجهة "الهمج" الذين اقتحموا المركز فقتلوا عددًا من الرجال المتواجدين فيه وأجهزوا على بعض الجرجى وروَّعوا النساء ومنهم تلك الفتاة التى ذهلت عن الصبى وخرجت مذعورة مع من خرجوا، فنظرت إلى يديها فلم تجده.. ولم تدر حتى الساعة ما مصيره؛ هل قُتل بعد تدمير المركز وحرقه بمن فيه؟ أم لا زال حيًّا؟ وهل استدل عليه أهلُه أم هو فى كنف آخرين؟ ولله الأمر من قبل ومن بعد.

لقد قتلوا البراءة، واغتالوا الإنسانية، وفرَّقوا بين الأم وولدها، وداسوا على قيم الرجولة والنخوة، وسنُّوا لأنفسهم قانونًا يتوارى أمامه قانون الغاب الذى لا يخلو أحيانًا من شفاعة أو فطرة فطر الله المفترسات عليها؛ إذ لا يأكل بعضها الميتة ولا الصغير ولا يجهز على نائم مستغرق، أما هؤلاء فلم يدعوا لمن سبقهم من المفسدين فخارًا بما فعلوه فى هذا اليوم.

جيشٌ كبيرٌ من القناصة والقتلة أُعد إعدادًا قويًّا، على أعين أوليائهم فى الشرق والغرب، استُدعى ليواجه عزلًا آمنين بينهم آلاف الشيوخ والنساء والأطفال لم يتوقعوا هذا الغدر والخسة، وذلك الحقد والنذالة، فظلوا يلوحون بما يشى بأنهم إخوة، وأن الخلاف الحاصل لا يرقى إلى هذه الحرب التى لا تبقى لا تذر، لكن لا مجيب.. حرقوهم أحياء مع مصاحفهم، داسوا على من وقف أمامهم بمجنزراتهم وآلياتهم الملعونة، اقتلعوا الخيام، سرقوا المتعلقات، اتبعوا سياسة الأرض المحروقة فما استوقفتهم دماء ولا أشلاء، ولا صراخ نساء ولا رجاءات جرحى، بل كانوا يتضاحكون ويتندرون،  ويرسلون الرسائل إلى رؤسائهم يبشرونهم بالأهداف التى أحرزوها والغنائم التى استولوا عليها..

فى عهد قريب من "المذبحة" أضربت جهات أمنية عدة عن العمل بحجة "نقص التسليح"، وتلك الجهات نفسها هى التى نفذت المذبحة، وافتخرت بما فعلت.. لقد غادروا الميدان ملوحين بعلامة النصر، فرحين بجريمتهم، ولم يشعروا بأن الدماء لم تغادر، ولم تنم، ظلت ساهرة ليكتوى الجميع بذنبها كما نرى الآن، وستبقى هكذا حتى تطال لعناتها الفاعل والمحرِّض والمشارك والمؤيد، حتى الساكت الذى لم ينه عن القتل بغير حق، أو لم يقل كفُّوا أيديكم عن هؤلاء الأطهار.

قضى فيك يا "رابعة" فلان وفلان وفلان، وظن الجهال أنهم ماتوا، وما ماتوا، بل هم أحياءٌ عند ربهم يُرزقون، ماتت أجسادهم لكن بقيت سيرتهم وتضحياتهم ثمنًا لدين يتجدد، ووطن يتحرر، ووعى يبدد ظلام الجهل والخديعة، وإرادة تكسر حلقات العمالة والتبعية.

شُلَّت أيدى قتلت الأولياء الصالحين، وروعت الضعفاء الآمنين، وهدمت وأفسدت، وأحبط الله مسعى المتكبرين الذين آذوا المؤمنين وأدخلوهم القرح والمحنة، والله شاهدٌ على ما فُعل بهم، وهو القاهر فوق عباده وهو اللطيف الخبير، وعهدُنا به أنه حكمٌ عدلٌ، بارٌ مقسطٌ، لا يحب الظالمين.

لم ننسك يا "رابعة" ولن ننساك مهما تعاقبت الأيام ومرت السنون، لن ننسى ذلك المصاب الكبير، وفجيعتنا فى أحبة كنا نعدهم من عالم الملائكة، وصدمتنا فى زملاء وجيران وأصدقاء كنا نظنهم بشرًا فإذا هم رتبة من الضباع الغادرة.. ولسوف يأتى يومٌ تسكن فيه الدماء الصارخة وقد اقتُص لها، وقد تميز المؤمن من المنافق، والمسلم من المجرم، وبعدما يهيئ الله لهذه الأمة أمر رشد يُعز فيه أهل الطاعة، ويُذل فيه أهل المعصية.

ونقول لمن اغتروا بما عليه الظالمون.. سيأتى يومٌ، وهو قريب إن شاء الله، وتُكشف خيوط المؤامرة، وينال كلٌّ جزاءه، وسيعلم الناس أن الأمر أكبر من تلك العصابة المسلحة التى نفذت الجريمة، وأن المتآمرين الكبار كانوا يخططون لاستئصال شأفة المصلحين وقد أعطوا العبيد الضوء الأخضر بالقتل والتنكيل دون تمييز، لكن غاب عن هؤلاء وهؤلاء أن من قُتلوا هم أهل مبدأ وعقيدة، أهل الإسلام، وأنهم لا يفنون، ولا يعجزون، ولا يترددون، ولا ييأسون، وكلما قُتل واحدٌ منهم برز عشرة حتى يأتى الله بأمره وهم فى رباطهم لا يتحولون عنه. قد يرى البعض ذلك اندفاعًا وإلقاء بالأيدى إلى التهلكة، لكنه الجهاد فى سبيل الله، وهو قدرٌ وملحمةٌ كتبها الله على المؤمنين، بألا يخلعوا لأمة الدفاع عن دينهم لحظة، فإنها الفريضة الماضية إلى يوم القيامة، وإلا فسدت الأرض.. ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز.

Facebook Comments