لم تضع الثورة الجزائرية بعد أثقالها، فقد حققت الكثير ولكن لا يزال هناك الكثير قبل أن يعود الثوار إلى بيوتهم، ولم تفقد الثورة التونسية وهجها بعد، وها هو الرئيس التونسي قايد السبسي ينسحب مبكرا من الانتخابات الرئاسية المقبلة، ولم ترفع الثورة الليبية الراية البيضاء رغم ما تواجهه من هجوم كبير للثورة المضادة عبر قوات خليفة حفتر التي حاولت -ولا تزال- احتلال العاصمة طرابلس للإجهاز على ما تبقى من الثورة.

ولم ييأس السودانيون من التظاهر بطول البلاد وعرضها منذ ديسمبر الماضي، بل إنهم طوروا حراكهم وصولا إلى مقر القيادة العامة للجيش السوداني، ومع الأجواء الخانقة في مصر، والانتشار الأمني الكثيف استعدادا لتمرير تعديلات دستورية جديدة تتيح للسيسي البقاء حتى العام 2014، وتفرض وصاية عسكرية على الحياة السياسية فإن الغضب الشعبي يتصاعد بقوة، وحين وجد طريقا آمنا للتعبير عن نفسه فإنه لم يتأخر والمثال هو التجاوب مع حملة “اطمن انت مش لوحدك”، ومحاولات بعض الشباب التظاهر في القاهرة والإسكندرية والبحيرة إلخ.

هي حرب سجال، أو هي جولة جديدة بين ثورات الشعوب تطلعا نحو الحرية والتغيير، والتقدم، وبين حرص المستبدين من رموز الثورات المضادة على الحفاظ على مكاسبهم وإبقاء الشعوب في حالة من الخوف والعبودية والفقر والتخلف، ففي ظل نضج الوعي العام لا يمكن لهؤلاء الحكام أن يجدوا مكانا لحكمهم، بل إنهم يعرفون أن أماكنهم الطبيعية ستكون السجون والمعتقلات عقابا على ما اقترفوه بحق شعوبهم وأوطانهم، وفي ظل مناخ الحرية لا يمكن للشعوب اختيار أولئك الحكام المستبدين سواء كانوا عسكريين أو حتى مدنيين، نظرا لوجود خيارات أفضل أمامهم، وفي ظل الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة لن يجد أي حاكم فرصة للتغول أو الاستبداد، او البقاء رغما عن إرادة الشعب، فهناك أحزاب قوية تقف له بالمرصاد، وهناك شعب حي قادرة على فرض إرادته كلما اقتضت الحاجة.

في الموجة الجديدة للربيع العربي فرصة للشعوب للتعلم من أخطاء الموجة الأولى، وحين يقدم بعض المصريين أو التونسيين نصائحهم لأشقائهم الجزائريين، أو السودانيين فإنهم يفعلون ذلك بدافع الحب والأخوة الصادقة، والرغبة في المساعدة الحقيقية، لأن أي انتصار لشعب عربي على حكامه المستبدين يفتح أبواب الأمل أمام بقية الشعوب للتحرر والانتصار أيضا، وحين تتحرر كل او معظم الشعوب العربية من حكامها المستبدين والخونة فإن هذه الشعوب ستختار بحريتها ما يحقق نموها وازدهارها، وسترى أن طريق الوحدة الطوعية كفيل بذلك.

على مدى خمسة أسابيع أو يزيد حرص الجزائريون على رفض توصيف حراكهم بالثورة، إما لمخاوفهم مما يرتبط بالثورات من دماء لم ينسوا جريانها في العشرية السوداء ، أو خشية الارتباط بثورات هزمت في الموجة الأولى، ولكننا وجدنا بعض رموزهم في الأسبوع الأخير ينطقون مباشرة لفظ الثورة، ورأينا المتظاهرين يرفعون شعارات ولافتات تربط بشكل عفوي بين ثورتهم وغيرها من الثورات العربية، وتحذيرات واضحة لعواصم الثورة المضادة وتحديدا (الرياض وأبوظبي).

وكان لافتا وجود شعارات تؤكد استلهام خبرات الثورة المصرية، ورفض الجزائريين للمصير الذي وصلت إليه رافعين صورة لبعض شهداء الإعدامات الأخيرة ومؤكدين أسفلها رفضهم لتكرار ما وصفوه بالسيناريو المصري.

حسنا إذا هذا هو رد ثوار الجزائر على نصائح أشقائهم المصريين، وهو رد مطمئن حتى الآن، وإن بقيت بعض الأمور التي لا تزال التحذيرات منها قائمة وخاصة في حسن الظن بنوايا العسكر، فالمتابع لردود فعلهم في الجزائر تجاه الحراك الشعبي سيجد تطابقا شبه تام مع ردود فعل عسكر مصر في أيام الثورة الأولى، ومنها انحياز المؤسسة العسكرية (ظاهريا) للإرادة الشعبية وإجبارهم مبارك على التخلي عن سلطته لهم ( وليس للشعب)، ومنها آداء عضو المجلس العسكري اللواء محسن الفنجري التحية للشعب وللشهداء بتكليف من المجلس وذلك عقب تنحي مبارك مباشرة، وهو ما تكرر في الجزائر وإن تم من خلال قيادة الجيش مجتمعة، قد يكون الوضع مختلفا بين مصر والجزائر، لكن الحذر واجب، وهو أهم دروس الخبرة المصرية.

نجت تونس حتى الآن من التدخلات العسكرية حيث أن جيشها بعيد عن السياسة منذ وقت مبكر، ولم يسع إلي دور خلال فترات الاضطراب الثوري، بل ظل محافظا على مهمته الوطنية في حماية البلاد فقط، ولكنها (تونس) لم تنج من مؤامرات الثورة المضادة، ولا تزال الحرب سجال بين الثورة والثورة المضادة، وإن كانت الثورة حتى الآن قادرة على صد الكثير من الهجمات المضادة، ولا يزال الشعب التونسي يحتفظ بحريته واحترام إرادته، وها هو يدفع رئيسه الطاعن في السن للتراجع عن فكرة الترشح مجددا لرئاسة البلاد بعد أن كان يستعد لذلك.

المواجهة بين الثورة ومضادتها في ليبيا هي مواجهة مسلحة مع امتلاك كل الأطراف للسلاح الخفيف والثقيل، وقد ظلت بين كر وفر طيلة السنوات الماضية بين ميليشيات اللواء المتقاعد خليفة حفتر وبين قوى الثورة المنضوية تحت إمرة الحكومة الشرعية والمعترف بها دوليا في طرابلس، ونظرا لهلع حفتر ومن وراءه من انتصار الثورة الجزائرية وخشيتهم من انتقال رياحها شرقا فقد سارع اللواء المتقاعد وعصاباته المسلحة للهجوم المباغت على طرابلس بهدف احتلاها لإعلان وفاة ثورة 17 فبراير، وتعيين نفسه حاكما لليبيا، مستبقا بذلك تحركات تسوية سياسية دولية يقودها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وممثله في ليبيا غسان سلامة لعقد مؤتمر حوار وطني موسع في غدامس منتصف هذا الشهر.

كما أن حفتر يستغل انشغال الجيش الجزائري المساند للشرعية في ليبيا بترتيبات الوضع الداخلي في الجزائر، لكن فصائل الثورة الليبية وقواتها العسكرية تصدت لهجوم ميليشيات حفتر حتى الآن، وقد تكون هذه الجولة فرصة لإلحاق هزيمة سياسية بجانب العسكرية به، وحرمانه من أي دور مستقبلي في ليبيا.

أما في السودان، فإن الحراك الشعبي أخذ منحى جديدا بموكب السبت 6 إبريل، والذي قصد به أن يواكب ذكرى الانتفاضة التي أطاحت بالرئيس الأسبق جعفر نميري عام 1985 وقد نجح الموكب في الوصول إلى مقر القيادة العامة للجيش رغم محاولات عرقلته من الشرطة وقوى الأمن، وإن كنت شخصيا أتحفظ على دفع الحراك الثوري المدني نحو مقر قيادة الجيش لمطالبتها بالتدخل، والانحياز للمتظاهرين، وهو ما يذكرنا بتحرك القوى الليبرالية في مصر إبان حكم الرئيس المدني محمد مرسي، حيث أن تلك القوى الليبرالية واليسارية دعت إلى نزول الجيش، وطالبته بالتحرك لإسقاط مرسي ظنا منها ان الجيش سيترك لها الحكم لاحقا، هذه سقطة كبرى لمن يوجهون الحراك تفقده مبرراته الأخلاقية، فالتغيير هنا سيكون عسكريا لا مدنيا، وبالتالي فـ”كأنك يا أبوزيد ما غزيت”.

ربيعنا مستمر رغم “نوات” الشتاء التي عصفت به مؤقتا، وهذا الحراك في الجزائر وتونس وليبيا والسودان يمثل الموجة الجديدة له ، وحتما لن يتوقف عند حدود تلك الدول، بل سيتعداها إلى غيرها من دول عربية تتوق شعوبها إلى الحرية، وإذا كانت الثورة المصرية قد تعرضت -ولا تزال – لانتكاسة وضربة موجعة من الثورة المضادة فإن الرياح الغربية والجنوبية ستسهم في بث الأمل مجددا في نفوس المصريين الذين يملأ الغضب نفوسهم وينتظرون فقط لحظة الاشتعال.

———
نقلا عن “عربي 21”

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments