على ضفة النيل وشاطئ البحر، تقع مدينة دمياط التى كانت على مر الزمان قلعة صناعة وتصدير الأثاث فى مصر، وكانت أقل المدن من حيث نسبة البطالة، ثم أصابتها لعنة الركود منذ انقلاب 30 يونيو 2013 كما لم تصب أي محافظة أخرى.

محاولات مستميتة بذلتها حكومة الرئيس الشهيد محمد مرسي، بغية النهوض بصناعة الأثاث وتوفير فرص عمل للدمايطة، ومن يعمل بصناعة الموبيليا فى دمياط يدرك أن الانقلاب دمّر كل شيء كالنار التي أتت على الهشيم، صرخات تعالت، معارض أقيمت، ولكن جميعها لخدمة الجنرالات الكبار وأتباعهم من رجال الأعمال الفسدة.

وكانت دمياط على رأس المحافظات، في 20 سبتمبر الماضي، التي كسرت حاجز الخوف الذي فرضه الانقلاب على المصريين منذ الغدر بالرئيس الشهيد، محمد مرسي، صيف 2013، وشهدت شوارع قلعة الأثاث مظاهرات “غير مسبوقة”، تطالب برحيل السفيه السيسي عن الحكم.

وفي أجواء شبيهة بثورة 25 يناير 2011، تظاهر الآلاف من أهل دمياط، استجابة لدعوة الفنان والمقاول محمد علي، الذي كشف عن ملفات فساد وتبديد للمال العام خاصة بالسفيه السيسي وزوجته وكبار جنرالات المؤسسة العسكرية.

سلسلة فناكيش

ووصل المُخرّب جنرال إسرائيل، السفيه عبد الفتاح السيسي، إلى محافظة دمياط لافتتاح عدد من الفناكيش الوهمية التي اعتاد على التصوير بجانبها لأخذ اللقطة والشو والدعاية الكاذبة، وعلى رأس الفناكيش مدينة دمياط للأثاث، التي تذكرنا بمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا، والتي تغرد فيها الغربان مع صمت القبور.

ولا تنتهي سلسلة الفناكيش والعناوين العريضة البراقة، فمن مدينة الأثاث إلى محطة متعددة الأغراض بميناء دمياط، مرورا بالوحدات السكنية ومركز التعليم المدني، وفندق اللسان الذي يعتبر ضمن سلسلة فنادق الـ5 نجوم التي تُكبد ميزانية الشعب المليارات، ولا تعود عليه بشيء.

لتبقى الأحوال على ما هي عليه للصناع الصغار، الذين طحنهم الغلاء وقتلهم تعويم الجنيه وأفقرتهم سياسات العسكر، وهم الأغلبية الكبرى فى المحافظة، والذين بلغ تعدادهم حوالى 400 ألف عامل، يعملون فى 60 ألف ورشة صغيرة، إضافة إلى 2500 صالة عرض، و1500 شادر ومخزن خشب وأبلاكاش وخامات، كانوا ينتجون يوميا ما يقرب من 5 ملايين جنيه كأثاث صالح للتصدير للدول العربية والإفريقية والأوروبية، وهو ما يمثل 6% من الاستثمارات الصناعية.

ومنذ انقلاب جنرال إسرائيل السفيه السيسي، انقلبت أحوال صناع الأثاث فى دمياط من النقيض للنقيض الآخر، فتحولت المدينة التى اشتهرت فى العالم على مر العصور بالأثاث الدمياطى إلى مدينة شبه منكوبة يعانى أهلها ضيق الحال، لتنتشر البطالة بين عمالها المهرة، ويغلق الآلاف ورشهم ويتم تسريح العمال، ليفرض شبح البطالة سيطرته بأحكام، ويخيم الحزن على أسر تفككت، لتمتلئ المحاكم بقضايا الطلاق، بعد أن أصبح رب الأسرة عاجزا عن الوفاء بمتطلبات الحياة، وأثقلته الديون، ليقضى يومه نائما فى البيت أو جالسا بالقهاوى هربا من مشاحنات البيت.

ارتفاع الدولار

المئات أغلقوا ورشهم وحولوها لمقهاهٍ، بعدما تحول الصناع لرواد لها، بينما لجأ العديد من كبار الصناع للعمل كبائعى خضار، أو سائقى توك توك أو ميكروباص، لتنقلب حياة الأسر رأسا على عقب، وتوشك صناعة الأثاث أو عصب الحياة فى دمياط على الانهيار.

يقول التاجر سعيد مهران: “لم تمر علينا أزمة كالكارثة التى نمر بها منذ الانقلاب”، مضيفا: “لم تحدث أن أصيبت صناعة الأخشاب بأزمة مثل هذه”، وتابع مهران الذى يعمل فى طلاء الأخشاب: “أعمل فى الخشب المُذهب منذ أن كنت تلميذا فى الصف الأول الابتدائي حتى الآن، أى منذ 20 سنة تقريبا، ولم يسبق لى أن شهدت هذا الركود فى البيع والشراء، خصوصا فى السنوات الستة الأخيرة التى ارتفع فيها الدولار، فارتفعت أسعار جميع الخامات”.

وكان “مهران” يشترى كيلو الجمالكا التى يطلى بها الخشب فيكتسب ذلك اللون الذهبى الساطع، بـ12 جنيها قبيل الانقلاب، ومع ارتفاع سعر الدولار، وفشل حكومات العسكر فى ضبط السوق السوداء، ارتفع السعر بشكل جنونى حتى وصل الآن إلى 220 جنيها، على حد قوله.

أما عن سعر الأخشاب، فأوضح أنه “ارتفع خلال الست سنوات الماضية 8 مرات متتالية، وكلما ارتفع سعر الدولار رفع المستوردون أسعار الخشب المطروح فى سوق دمياط، حتى أصبحنا نترحّم على أيام مبارك”.

مر بجوار ورشة “مهران” محصل الكهرباء، فطرحنا عليه سؤالا عن الورش التى يستطيع تحصيل فواتير الكهرباء منها، فأجاب المحصل: “لم يعد كثير من أصحاب الورش يستطيعون دفع الفواتير أولا بأول، مثلما كان يحدث قبل مجيء السيسي”.

وقال خليل العجاتي، صاحب مصنع شريط تنجيد: “تجلت مشكلة صناع الموبيليا فى عام 2017؛ نظرا للتعويم الذى زاد الطين بلة، فأصبح الصانع الصغير يعانى من قلة رأس المال، إلى جانب ارتفاع كل أنواع التكاليف من خامات إلى كهرباء مياه وتأمينات حتى المعيشة والدواء”.

Facebook Comments