للمرة الثالثة بعد اقتحام موقع “الطريق” اليساري، في أكتوبر 2016، واحتجاز صحفييه لفترة، واقتحام موقع “مصر العربية” في إبريل 2018، وغلقه واعتقال رئيس تحريره منذ عامين، اقتحمت قوة أمنية، نوفمبر 2019، موقع “مدى مصر” الاستقصائي.

صحفيو موقع “مدى مصر” قضوا قرابة 36 ساعة رهن الاحتجاز لدى جهات أمنية انقلابية، بعد تفتيش مقر عملهم وأجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم، ومصادرة هواتف جميع من كانوا في المقر (16 صحفيًّا من مدى مصر وبعض الكتاب المتعاونين معه قبل أن يتم إطلاق سراح 4 منهم، على رأسهم لينا عطا الله، رئيس تحرير الموقع).

كان الهدف واضحا، وهو معرفة من كتب التقرير الذي كشف، نقلا عن مصادر مخابراتية، عن أن السيسي قرر بمشورة إمارتية نقل ابنه خارج مصر لفترة كمحلق عسكري في روسيا، بعدما فشل في مهامه بجهاز المخابرات، وتسبب في مشكلات كبيرة لأبيه، زادت من الغضب الشعبي على السيسي، في وقت يحاول المحيطون به لملمة الغضب الشعبي عبر مزاعم عن إجراءات إصلاحية، ومحاولة تحميل وزراء الانقلاب (تعديل وزاري قادم) بعض “شيلة غضب المصريين”، بدلا من تحمُّل السيسي وحده لها بسبب جمعه كفة السلطات بيديه، وظهوره كمسئول وحيد عن كل بلاوي البلاد.

ونشرت صحف مقربة من السلطة أن أجهزة سيادية هي التي تدخلت للإفراج عن صحفيي مدى مصر، ما أثار تساؤلات حول: من اعتقل الصحفيين واقتحم المكان؟ علما أن “مدى مصر” رجح أنهم “أمن الدولة”، ونقل موقع “القاهرة 24” عن مصدر أمني قوله: “ما جرى قرصة أذنٍ كان لابد منها.. هناك دائمًا خطوط حمراء لما ينشر عن الأجهزة الأمنية والسيادية.. موقع مدى مصر توقع أنه في حصانة دائمة بسبب الاهتمام الخارجي بما ينشره، لكن لكل شيء حد”.

ومن الواضح أن يكون الغرض من الهجمة على الموقع هو معرفة المصدر الذي أبلغهم بمعلومة إبعاد نجل السيسي أكثر منه الترويع، بحيث تخاف المصادر السرية التي تمد “مدى مصر”، ويخاف أي مصدر من إعطائهم أي معلومة مستقبلا، حتى ولو سيتم حجب اسمه، خصوصًا أن هناك أنباء تنشر عن اعتقال مسئول في المخابرات يقال إنه كان يعمل في مكتب نجل السيسي، لمزيد من التخوف على ما يبدو، وربما يكون حقيقةً بعدما عرفوا المصدر بالقوة من صحفيي “مدى مصر”.

وعلى ما يبدو، فإن النظام لم يتمكن من الوصول لاسم مصادر “مدى مصر” من شادي، فقرر اعتقال فريق التحرير كله حتى يصل للمصدر!.

ولكن الأذرع الأمنية في مصر حينما لاحظت أن السفارات والصحف الأجنبية “سنّت أسنانها” دفاعًا عن مواطنيها وصحفيي “مدى مصر” خافت من فضيحة أخرى مثل “ربجيني”.

ما زاد الإحراج لنظام الانقلاب، أنه من الواضح أن محمود السيسي ليس وريثا يحاول أن يبني قاعدة داخل الأجهزة كي يخلف والده قائد الانقلاب، وإنما هو أداة الأب للسيطرة على مفاصل الدولة وأجهزتها العميقة ليستمر في الحكم، في الوقت الذي لا يستطيع أن يثق في أحد، حتى إنه كان يخشى من صهره، لذلك إبعاد الابن من مكانه وتسريب الخبر ضربة موجعة لشخص السيسي وإدارته.

ومع هذا ظهر أن هناك قمامة مخابراتية كثيرة في تغطية إعلام الانقلاب لواقعة “مدى مصر”، ولكن وسطها رسائل مثل: “ما جرى قرصة أذن كان لا بد منها.. هناك دائمًا خطوط حمراء لما ينشر عن الأجهزة الأمنية والسيادية.. الموقع توقع أنه في حصانة دائمة بسبب الاهتمام الخارجي بما ينشره، لكن لكل شيء حد”، لذلك اعتبر ناشطون وحقوقيون أن القبض على “زلط” وزملائه رسالة تحذيرية من نظام الانقلاب المصري مفادها “غير مسموح بالمساس بنجل السيسي.

أسباب لملمة الأزمة الفضيحة

ولكن لماذا أحرجت سلطة الانقلاب نفسها بقرار اقتحام الموقع ثم إطلاق سراح الصحفيين كلهم، بمن فيهم 4 أخذتهم معها والصحفي الأول الذي اعتقل، شادي زلط، أيضا الذي جرى الشك في أنه من كتب تحقيق نجل السيسي؟.

هنا يمكن رصد الأسباب التالية:

(أولا) لولا أن “مدى مصر” يحظى بدعم أجنبي باعتباره مؤسسة مجتمع مدني، ويعمل به صحفيون أجانب، وكان به لحظة الاقتحام فريق من وكالة فرانس برس، ولولا تدخل السفارات، ما تم حل المشكلة سريعًا رغم أنها جاءت في صالح معارضي الانقلاب؛ لأنها كشفت وعرت الانقلاب أكثر.

وقد أصدر الاتحاد الأوروبي بيانا بشأن مداهمة الأمن المصري لموقع مدى مصر واعتقال عدد من الصحفيين، يقول “إن القيود المستمرة على الصحافة وحرية التعبير في مصر تدعو إلى القلق”.

)ثانيا) أن داخل المكتب فريق من صحفيي وكالة فرانس 24، لإعداد تقرير عن القبض على شادي زلط، لذلك حضر إلى المكتب ممثلون عن سفارة فرنسا في القاهرة، وحاولوا التواصل مع المحتجزين في الداخل والاطمئنان على الفرنسيين، لكن القوات الأمنية رفضت دخولهم، وكان هذا مبررًا قويًّا لسرعة إنهاء الأزمة.

)ثالثا) كان داخل الموقع صحفيان أجنبيان يديران الموقع الإنجليزي لمدى مصر (“إيان لوي”، أمريكي الجنسية”، و”إيما سكولدنج” بريطانية الجنسية) اصطحبتهما القوات إلى منزليهما للاطلاع على جوازات سفرهما، ثم أخذوا نسخة منهما، قائلين لهما «المشكلة ليست معكما.. المشكلة مع موقعكما»، وأطلقوا سراحهم بعد أنباء عن ترحيلهما، وكان من الواضح أن السيسي لا يريد أزمة أخرى مع إدارة ترامب، في وقت يجري الهجوم عليه بسبب صفقة السوخوي الروسية.

(رابعا) قال مصدر سيادي رفيع المستوى، إنه تم إبلاغ جهازين أمنيين بأن القبض والاقتحام يعني رسالة واحدة، أن خبر إبعاد محمود السيسي إلى الخارج هو السبب فيما جرى، وبالتالي يضر أكثر ما يفيد، بخلاف أن الخبر تضمن معلومات غير صحيحة، وهذه الإجراءات تثبتها ولا تنفيها، وهو ما اقتنع به المسئولون عن الجهازين، وتوافق مع رغبة نجل السيسي الذي أبلغ رفضه استخدام اسمه للقبض على صحفيين.

(خامسا) مصدر سياسي مسئول قال لـ”القاهرة 24″، إن التقديرات التي تم رفعها للأجهزة السيادية أوصت بأن يتم الإفراج الفوري عن صحفيي “مدى مصر” بعد ساعات من احتجازهم، وهم ما تم لاحقًا، مشيرًا إلى أن القبض على صحفيي “مدى مصر” واقتحام الموقع سبّبَ حرجًا للدولة، ويعكس أخبارًا غير إيجابية عن أوضاع الحريات بها، في وقت زعم فيه النظام الانفتاح وأخذ خطوات للإصلاح السياسي، وفي مجال الحريات العامة، بعد أحداث 20 سبتمبر وعبر عنها الكثير من المقربين من السلطة، وهو ما أثار السخرية في ظل حديثهم عن الانفتاح والحريات وآخر من قال ذلك ياسر رزق.

)سادسا) تقدير الموقف الذي تم رفعه أفاد بأن ما تعرض له صحفيو “مدى مصر” يأتي بالتزامن مع قرب انعقاد منتدى شباب العالم، الذي تستضيف فيه مصر الآلاف من الشباب من كل دول العالم، ويرعاه قائد الانقلاب، مما قد يُعطي مؤشرًا سلبيًا عن المنتدى، وما يجري في مصر، وأنه يتعلق بشخص نجل السيسي، والمقدم أحمد شعبان الضابط بجهاز المخابرات العامة والمشرف على ملف الإعلام وتنظيم المنتدى، ويعطي انطباعا حقيقيًّا يؤكد ما يتعرضان له من خطة شائعات ممنهجة وأخبار وحملات لجان إلكترونية تم رصدها، تورط فيها عسكريون سابقون وشخصيات أمنية، قالت إنه تم إبعادهما بعد سلسلة من الإخفاقات، فى حين أنها تضمنت مغالطات كبيرة واتهامات ليس لها صدى في الواقع، بحسب قوله.

)سابعا) دلل المصدر السابق بما نشرته إحدى قيادات حملة تمرد سابقًا، دعاء خليفة، على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”، بأنها تلقت روابط إلكترونية وأخبارا ضد المقدم أحمد شعبان تصفه باستغلال نفوذه وتكسبه ماديًا وتحصله على رشاوى وعمولات وقضايا أخلاقية أخرى، كان وراءها العميد محمد سمير، المتحدث الرسمي السابق للقوات المسلحة، وهو ما تم رصده، بالإضافة إلى حملات أخرى تقودها شخصيات وجهات معلومة لديه أيضًا.

وحاول أحمد شعبان الرد ضمنًا عبر صفحته على فيس بوك، ولكنه أشار إلى تأجيل ذلك لاحقا.

جاهدت نفسى عن الحديث ممارساً فضيلة الصمت عن إفك مُفترى، ولكنه الحديث قريباً بالحقائق المُجردة .. وذلك يوم على أهل الإفك…

Posted by Ahmed Shaaban on Saturday, November 23, 2019

)ثامنا) مداهمة قوات أمن بملابس مدنية لمقر موقع “مدى مصر” الإخباري كان الخبر الأبرز في الشأن المصري بالصحف العالمية (أسوشيتد برس، رويترز، فرانس برس، فايننشال تايمز، سي إن إن، وول ستريت جورنال، بي بي سي، الجارديان، واشنطن بوست، دويتشه فيله، إي بي سي نيوز، الإندبندنت)، وركز الجميع مرة أخرى على القمع في مصر ووأد حرية الصحافة، ما زاد من الحرج لسلطة الانقلاب، في وقت خرجت فيه لتوها من هجوم أممي في لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة على القمع والقتل والتعذيب في مصر.

أزهى عصور الحرية!

قبل هذه الواقعة قال ياسر رزق: “الدولة تحت قيادة السيسي منحت الصحافة سقف حرية الرأي والإبداع!، وقال أحمد موسي وإعلام الانقلاب: إن السيسي يستعد لفترة انفتاح وحرية للإعلام، وجاءت الواقعة وغيرها مع استمرار القتل والتعذيب لتفضح أكاذيبهم التي تقتصر على التصريحات الإعلامية الموجه للداخل والخارج لغسيل وجه الانقلاب القذر.

ولذلك قالت لجنة الحريات بنقابة الصحفيين، في بيان: “إن الجميع بات يدرك مدى قسوة الحصار المفروض على الصحافة، حتى أوشكت المهنة ذاتها أن تموت، بعد أن حاصرتها قبضة باطشة، وبعد أن باتت القيود خانقة بدرجة لا يمكن قبولها”.

وحول التضييق على الصحفيين بعد القبض على شادى زلط قالت: “إن القبض على شادي زلط، استكمالٌ لسياسة خنق كل الأصوات الحرة، فقد سبقه تقييد حرية زملاء آخرين لم يفعلوا أكثر من التمسك بممارسة عملهم الصحفي، أو إعلان رأيهم في الشأن العام، وهي حقوق كفلها لهم الدستور والقانون، بل هي واجبات فرضتها عليهم مهنتهم وانتماؤهم لها”.

واختتم البيان: “افتحوا نوافذ الحرية للصحافة، وأفرجوا عن الصحفيين، فالصحافة بلا حرية تموت، وحق الصحفيين في كشف كل صور الفساد والانحراف وفي نشر الحقيقة هو دور وطني أصيل، منحه لهم الدستور والقانون، وسيظل الصحفيون يدافعون عن حقهم في ممارسة عملهم رغم الخوف والحصار والتضييق”.

وقد تردد أن نقيب الصحفيين اعترض على البيان الصادر عن لجنة الحريات بالنقابة؛ بسبب عدم الرجوع إليه وعرضه عليه، مبينًا أن سبب اعتراضه إمكانية استغلال مثل تلك البيانات سياسيًا وتضمنها لأمور تتحرك فيها النقابة بشكل فعّال، وتجري فيها محاولات مع الدولة بشكل أثمر عن نتائج إيجابية.

ولكن ضياء رشوان، اضطر للتحرك أيضا مجريًا عدة اتصالات سياسية، بصفته نقيبًا للصحفيين من جهة، ورئيسًا للهيئة العامة للاستعلامات من جهة أخرى، خاصةً بعد احتجاز واستجواب صحفيين من جنسيات أجنبية، رغم أن القرار النهائي ليس قراره.

وقد اعترف رشوان بأن احتجاز الصحفيين أمر مضر للغاية لسمعة مصر وما يجري حاليًا بها من إصلاحات وتغيُّرات واسعة النطاق.

ولكن نقيب الصحفيين حول تبرير ما جرى، بالزعم أن الأمر لا يتعلق بحرية النشر، وإنما يتعلق بتناول معلومات وأخبار بشأن جهات عسكرية وسيادية حساسة، وهو الأمر الذي يحظره القانون المصري.

Facebook Comments