قرار العفو الإداري الذي أصدره رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي صباح أمس الجمعة، بالإفراج عن 560 سجينا بينهم معتقلون سياسيون منذ سنوات وكذلك فتيات دمياط المعتقلات ظلما في سجون العسكر منذ 2015 على ذمة إحدى التظاهرات تضمن عدة رسائل تستوجب التوقف حيالها وقراءتها.

أولا: قرار العفو الإداري يأتي بعد أيام قليلة من نشر تقرير حقوقي بعنوان “كالنار في الهشيم.. نمو التطرف العنيف داخل السجون المصرية”، الصادر عن منظمة “هيومن رايتس فيرست” كيف أن سجون مصر تحولت في السنوات الأخيرة في ظل حكم قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي إلى بؤر تجييش لجماعات التطرف العنيف.

ونشر مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان الذي يعمل من فرنسا، الأربعاء الماضي، الترجمة العربية الكاملة للتقرير الذي يستند إلى شهادات جمعها باحثو هيومن رايتس فيرست من سجناء سابقين في مصر، تتوافق مع استنتاجات مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان المنشورة في كتابه الصادر عام 2017 “النُظم التسلطية العربية حاضنة الإرهاب”.

وأشار مركز القاهرة إلى أن التقرير المترجَم يعد وثيقة مهمة للمنظمات والباحثين والأكاديميين والصحفيين الاستقصائيين المعنيين بدراسة ظاهرة التطرف العنيف ونموها في مصر ومنطقة الشرق الأوسط، مسلطًا الضوء على دور السياسات القمعية عموماً والسياسات المتبعة في السجون على وجه التحديد في دعم الإرهاب والتحريض عليه.

فهل جاء قرار العفو الإداري اقتناعا بضرورة التراجع عن هذه السياسات القمعية أم أنها تأتي في سياق توازنات أمنية تستهدف التهدئة بعد تمرير الترقيعات الدستورية؟

ثانيا: التناول الإعلامي لصحف وفضائيات الانقلاب سلط الضوء على العفو عن الصحفي الموالي للانقلاب عبدالحليم قنديل الذي يقضي عقوبة السجن 3 سنوات في هزلية “إهانة القضاء”، وأبرزت صحيفة “الوطن” تصريحات لمراسل “فوكس نيوز” المحسوبة على اليمين المتطرف في أميركا حيث اعتبر ذلك رسالة تهدئة من جانب ما أسماها بمؤسسة الرئاسة، وكذلك تضمن القرار الإفراج عن فتيات دمياط اللاتي اعتقلن ظلما منذ 2015 وتمارس بحقهن محاكمة مسيسة جائرة.

كما تضمن القرار العفو عن العشرات من الشباب المعتقل ولعل الهدف من وراء ذلك هو التغطية على جريمة “العفو” عن القتلة من ضباط الشرطة؛ حيث تضمن القرار العفو عن 9 ضباط كانوا قد أدينوا غيابيا بالسجن 7 سنوات في مقتل أسرة كاملة في 2013 بدعوى الاشتباه حيث قتلوا الأب والأم والطفل وقريب للأسرة كان معهم بالسيارة.. هؤلاء الضباط القتلة كانوا قد سلموا أنفسهم منذ شهرين فقط وتم تأييد الحكم بحقهم قبل أن يتم الإفراج عنهم، في تأكيد واضح أن النظام سوف يحمي ضباطه القتلة حتى لو أدينوا قضائيا بأخف العقوبات المقررة التي لن تطبق عليهم مطلقا وهو ما يدعم الإفلات من العقاب ويعزز من منهجية التعذيب والانتهاكات من جانب الضباط وهم في مأمن العقوبة.

ثالثا: يحاول النظام ليس فقط التغطية على جريمة العفو عن الضباط القتلة بل ربما يريد أيضا نوعا من التهدئة خلال الشهور المقبلة، خصوصًا في ظل ترقب عاملين مهمين: الأول هو استضافة مصر بطولة كأس الأمم الإفريقية في يونيو المقبل ويريد النظام تمرير البطولة بسلام دون مشاكل، ولعل هذا ما يفسر الإفراج عن عضو رابطة “ألتراس وايت نايتس” التي أعلنت حلها مؤخرا، محمود عمران الشهير باسم “شيكا”.

والعامل الثاني هو ترقب موجة الغلاء المقبلة في ظل توقعات رفع أسعار الوقود كل 3شهور بعد قرار تحرير أسعاره في ديمسمبر الماضي وبدأ العمل به منذ إبريل. كما تضمن القرار الإفراج عن بعض المنستبين للقوى المدنية العلمانية بينهم سبعة محكومين في قضية “أحداث مجلس الوزراء”، التي تعود حيثياتها لعام ثورة 25 يناير2011م. وتضمن كذلك امرأتين نظمتا وقفات احتجاجية خارج محطات لقطارات الأنفاق العام الماضي عقب رفع أسعار التذاكر.

رابعا: القرار يمكن وصفه بـ”الافتعال” بهدف الترويج الإعلامي فقط أمام الدوائر الغربية. فالعفو يشمل عشرات الحالات ممن تم نسيانهم لسنوات في السجون، وقرر السيسي اليوم العفو عنهم على الرغم من قرب موعد خروجهم الرسمي من السجون، بل إن بعضهم قضوا في السجون فعلياً مدداً أطول من المحكوم عليهم بها.

وأبرز النماذج على ذلك، الفتاة إيناس محمد حسين إبراهيم، المحكوم عليها بالسجن عامين في القضية المعروفة إعلاميًا بـ”اتحاد الجرابيع”، وهي محبوسة منذ 2017 وكان من المقرر أن تخرج في النصف الأول من العام الحالي. وكذلك الفتيات الثماني المستفيدات بالعفو من القضية المعروفة إعلاميًا بـ”فتيات دمياط”.

فوقائع القضية تعود إلى 2015 وهن محبوسات منذ ذلك الحين، على الرغم من أن الحكم الجنائي الصادر ضدهن في 2017 كان بالسجن فترات تتراوح بين عامين و3 أعوام، وبالتالي كان يجب أن يخرجن من السجن العام الماضي على الأكثر، باحتساب فترة الحبس الاحتياطي، لكنهن بقين في السجن بحجة انتظار حكم النقض في طعنهن.

لكن العفو صدر استباقًا للنقض ولم يعد له أثر. وهو ما ينطبق على المئات من المفرج عنهم فقد قضوا بالفعل مدة عقوبتهم ومعظمهم كانوا يستحقون الخروج الطبيعي من السجن هذا العام، والبعض الآخر كان يستحق الخروج بنصف المدة أو ثلثيها وفقًا لقواعد الإفراج الشرطي المعمول بها.

واللافت أيضًا أن العفو شمل أشخاصًا سبق أن قضت محكمة النقض بعدم قانونية حبسهم، وإلغاء أحكام الإدانة الصادرة ضدهم. ونموذج على ذلك، المتهمون في القضية 19305 لسنة 2013 بالإسكندرية، المعروفة بأحداث سيدي جابر، والذين قضت محكمة النقض بإلغاء إدانتهم وإعادة محاكمتهم جميعاً في يوليو 2018 وبالتالي كان يجب قانونًا الإفراج عنهم منذ ذلك الحين.

خامسا: غياب الشفافية في بيان سبب العفو عن بعض الأشخاص بحسب صحيفة “العربي الجديد”، واستمرار حبس آخرين في القضايا نفسها، ما يفتح باب التأويلات بين ذوي المعتقلين والمعفو عنهم ومحاميهم حول سبب العفو عن بعض الأشخاص دون الآخرين، على الرغم من وحدة وضعهم القانوني وتطابق الاتهامات الموجّهة إليهم.

ومن نماذج ذلك العفو عن 13 فقط من المدانين في أحداث اقتحام قسم كرداسة، المعروفة إعلاميًا بـ”مذبحة كرداسة”، وصدرت ضدهم أحكام بالسجن المشدد مددًا مختلفة وبالمؤبد، على الرغم من تماثل موقفهم مع أكثر من 30 آخرين.

وكذلك الإفراج عن 8 فقط من المدانين في قضية أحداث مجلس الوزراء التي وقعت في ديسمبر 2011، وهي تعتبر من أقدم القضايا التي استفاد متهموها من العفو ومن بين المشمولين فيها محكومون بالسجن بمدد تتراوح بين 5 و15 عامًا، بينما يقبع زملاؤهم في السجن.

Facebook Comments