في زمن الانقلاب فُصلت الرقاب عن الأعناق، وبُترت الأقدام، وتقطَّعت الأيادي عن الأجسام، واحترقت الجثث وغرقت في البحار، وعُلّقت المشانق ظلمًا للإنسان، وأكثر ما يموت الشباب بالاكتئاب أو الأزمات القلبية أو الانتحار.

ورغم مرور يومين على حادث انتحار شاب من أعلى برج القاهرة، إلا أن حالة من الحزن والصدمة لا تزال تخيم على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث هاجم مغردون جنرال إسرائيل السفيه عبد الفتاح السيسي، وحمّلوه المسئولية عن الإحباط الذي يعاني منه المصريون.

وتصدَّر هاشتاج #برج_القاهرة قائمة الأكثر تداولًا في مصر، متجاوزا 17 ألف تغريدة، مع تفاعل كبير مع حادث انتحار طالب في كلية الهندسة بجامعة حلوان، إثر قفزه من أعلى البرج بضاحية الزمالك.

مؤشر خطير

وأكد محللون سياسيون وخبراء نفسيون، أنه عندما تبلغ معدلات الانتحار مستويات مرعبة في مصر، وعندما ينتحر الشباب هناك بطرق مفزعة، فإن ذلك يُعد مؤشرا خطيرا على الحالة التي وصلت إليها البلاد.

وتتعدد وسائل الموت والانتحار في مصر، بداية مما يبتلعه البحر الأبيض المتوسط يوميًّا من أجسام غضة تحلم بالحرية والعيش الكريم، أو آلاف الشباب الذين اختاروا طرق الإدمان للهروب من الواقع المرير، والموت المحقق غرقًا أو حرقًا في الشوارع أو تحت سياط التعذيب، أو الموت قهرًا بسبب البطالة وانسداد سبل العيش الكريم.

ولعلّ أكثر الفئات العمرية معاناة هم الشباب، الذين وجدوا أنفسهم منذ الانقلاب العسكري في 30 يونيو 2013، داخل أتون الفساد السياسي والاقتصادي، بعد أن عبثت شبكات عصابات العسكر بمقدرات مصر، وبددت ثرواتها وأهدرت فرصًا عظيمة في بناء الوطن والإنسان، وليس الربيع العربي والموجات الاحتجاجية التي قدم فيها الشباب آلاف الشهداء، إلا التعبير الأبرز على أنّ صبر الجيل الجديد قد نفد، وأن الطريق قد وصل إلى منتهاه.

وأثار وقوع 4 حالات انتحار في مصر، خلال أقل من 48 ساعة، جدلا واسعا في المجتمع، بشأن الأسباب التي تدفع المصريين للانتحار، ومسئولية حكومة الانقلاب عن الظاهرة، إضافة إلى جدل ديني حول تكفير المنتحرين.

وألقى طالب في كلية الهندسة بنفسه من برج القاهرة، ورمى آخر نفسه أسفل عجلات مترو الأنفاق، بينما ألقى ثالث بنفسه في ترعة الإبراهيمية في محافظة أسيوط جنوب مصر، كما أقدمت ممرضة في مستشفى العبور للتأمين الصحي في محافظة كفر الشيخ في دلتا مصر، على الانتحار بتناول حبة حفظ الغلال القاتلة داخل المستشفى.

منظمات حقوقية مصرية رصدت قبل خمسة أشهر انتحار 101 مصري، خلال شهور مارس وأبريل ومايو الماضي، وقالت المؤسسة العربية لحقوق الإنسان، إن مصر شهدت 53 حالة انتحار معظمها لشباب في شهر يوليو الماضي، وكانت مصر تصدرت عام 2016 كل الدول العربية في معدلات الانتحار بـ3799 منتحرًا، حسب منظمة الصحة العالمية.

لعلّ العالم يفيق

تقول سحر الجعارة في “المصري اليوم”: “أيها الحزن تمهل قليلا.. دعني أتأمل لوحة الحياة الأخيرة، لا تجعل مشهد غيابي كئيبا ومحبطا، بل اجعله صدمة كهربائية لعل العالم يفيق، اجعله حافزا للتساؤل ومحرضا على استعادة إنسانيتنا المفقودة”.

وتضيف: “لم يكن الشاب نادر أول أو آخر شاب ينتحر بطريقة غريبة تهز المجتمع، وتؤرق ضمائر الجميع، وتستدعي كل أساتذة الطب النفسي للتحليل والتنظير.. قبله، وفي منتصف نوفمبر الماضي، تخلص شاب يدعى إسلام، سائق توك توك، من حياته شنقا في بث مباشر على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك”.

ويقول محمد عصمت في “الشروق” المصرية: “فى إحصائية أصدرتها منظمة الصحة العالمية عام 2016، تصدرت مصر كل الدول العربية فى معدلات الانتحار بـ3799 منتحرا، وهو رقم قياسى لا توجد إحصائيات موثقة توضح هل انخفض العدد أم زاد خلال السنوات التالية، ففى تقرير نشرته إحدى منظمات المجتمع المدنى منذ خمسة أشهر انتحر 101 مصرى خلال شهور مارس وأبريل ومايو من هذا العام”.

ويضيف أن “صغر سن هؤلاء المنتحرين يثير التساؤلات حول مدى الإحباط الذى يحاصر هذه الفئات الواعدة من المصريين المفترض أنهم يمثلون أمل الأمة ورغبة المجتمع فى التجديد والتطوير، فى نفس الوقت الذى تتحدث فيه الحكومة عن إنجازات غير مسبوقة يعيشها المصريون فى مختلف المجالات، وتنظم فيه مؤتمرات للشباب لا تمت لهم ولا إلى مشاكلهم الحقيقية بأى صلة!”.

ويتساءل علاء عريبي في “الوفد” المصرية: “لماذا ننتحر؟”، ويرصد عريبي: “يقال إن للمنتحر مبررات كثيرة، وفى مجملها تقع تحت كلمة العجز، فى لحظات يشعر الإنسان أنه أصبح عاجزا عن مواجهة مشاكله، وأن استمراره لا فائدة منه وسوف يتسبب له فى مزيد من الشعور بالعجز أو الانكسار أو الخجل أو المهانة أو الفشل”.

ويضيف: “الفقر والبطالة والمرض على قائمة مبررات إقدام البعض على الانتحار، يكتشف فجأة أنه عاجز عن تلبية احتياجاته أو غير قادر عن تحمل آلامه، لم يعد لديه أي حلول ليجتاز هذه الحالة، انسدت الحياة وغلقت منافذ النجاة”.

يقول الناشط عبد الرحمن السعدني: “للأسف مئات الشباب انتحروا في عهد الخائن.. ده الشباب اللي المفروض هما اللي هيخلوا مصر أد الدنيا طب هي دي مصر اللي احنا عاوزنها يلا ارحل وغور في داهية تشيلك أنت وانتصار.. السيسي يعني “انتحار فقر جوع مرض تطبيل ظلم فساد كدب” يعني شيطان”.

Facebook Comments