الوضع في تونس الشقيقة شديد التعقد والتشابك، والتدخلات الخارجية متباينة بين قوى تستهدف العصف بالتجربة الديمقراطية والقضاء على الثورة كما حدث تماما في مصر وعلى رأسها الإمارات والسعودية وإسرائيل التي لا ترحب مطلقا بتحرر أي شعب عربي وممارسته الديمقراطية، وقوى أخرى تدعم قوى الثورة وتستهدف حماية التجربة من الفشل والتآمر مثل تركيا وقطر والحركات الإسلامية والقوى الثورية، وقوى ثالثة تدعم الاستقرار الحالي والتوافق العلماني الإسلامي مثل الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وكلاهما له نفوذ واسع في صناعة القرار التونسي.

وبحسب رئيس مركز دراسة الإسلام والديمقراطية، رضوان المصمودي، المكلف من قبل “النهضة” بتمثيلها لدى الأوساط الأمريكية، فإنه خلافاً لما تسعى إليه بعض اللوبيات المدعومة من الإمارات، لا تزال مختلف المؤسسات الأميركية تؤكد الثقة بحركة النهضة وبالانتقال الديمقراطي في تونس”.

في هذا السياق الملتهب والمتشابك جاءت تصريحات رئيس حركة “النهضة” في تونس، راشد الغنوشي، خلال ندوة نظّمها “مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسيّة”، السبت الماضي، بمناسبة الذكرى الثامنة للثورة التونسية، حاملةً رسائل مهمة، خصوصا لرئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي ورئيس الحكومة يوسف الشاهد.

رسائل الغنوشي للحكومة

رسالة الغنوشي للحكومة ورئيسها يوسف الشاهد، أكدت أنّ “الحكومة الحالية ينبغي أن تواصل عملها إلى حين إجراء الانتخابات المقبلة، لأنّ الوقت غير كاف لتشكيل حكومة جديدة”، ولكنه في الوقت ذاته توجّه إلى الشاهد، معتبراً أنه “من حقّ كل مواطن ممارسة السياسة، ولكن تونس تمرّ بظرف خاص، ومرحلة انتقال ديمقراطي هشّة تستوجب تفرّغ الحكومة لمهامها”، وذلك في إشارة إلى الأخبار التي تتحدّث عن عزم الشاهد على تأسيس حزب جديد، سمّاه السبسي “حزب الحكومة” يوم ذكرى الثورة الموافق في 14 يناير.

وفي سؤال حول إمكانية أن يكون الشاهد شريكاً استراتيجياً مستقبلياً لحركة “النهضة” في ظلّ الحديث عن مشروعه السياسي المرتقب، أكد الغنوشي أنّ “الشراكة في المستقبل تحتاج إلى برمجة، وهو ما لم يتم إلى حدّ الآن”، مؤكداً أنّ “لا وجود لعقد شراكة بيننا وبين رئيس الحكومة”.

هذه التصريحات فسرها محللون بالشروط الضرورية لاستمرار دعم “النهضة” للشاهد، وإمكانية عودتها إلى أوضاع ما قبل انتخابات 2014، عندما تمّ الاتفاق على حكومة محايدة تمهّد للانتخابات، وتمّ منع رئيس الحكومة آنذاك، مهدي جمعة، من الترشّح للانتخابات. تفسير آخر يذهب إلى أن تصريحات الغنوشي، قد تشكّل رسالة للسبسي والشاهد في الوقت نفسه، أي أنّها تفتح الباب من جديد مع رئيس الجمهورية الذي يعتبر إبعاد رئيس الحكومة شرطاً ضرورياً لعودة التوافق.

ووفقا لمصادر تونسية فإن اللقاء الذي جمع الغنوشي بالسبسي قبل أيام، بطلب من الأوّل، لم يكن ناجحا وانتهى إلى النتائج السابقة نفسها، بل حمل تلميحات بإمكانية تعطّل الانتخابات إذا لم يتم التوصّل إلى انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية، وهو ما يُعتبر أمرا مستحيلاً في ظلّ غياب التوافق، إلا إذا تمّ تغيير القانون الخاص بها أصلاً من أغلبية بالثلثين إلى أغلبية مطلقة بـ109 أصوات فقط.

إلى ذلك، اعتبر محللون أنَّ تأكيد الشروط الجديدة لـ”النهضة” بشأن الشاهد، “قد يعكس تخوّفات لدى دوائر في الحركة من تنامي صعود الأخير، في ظلّ عدم وجود اتفاقات صلبة بين الطرفين، على نقيض ما كان عليه الوضع مع السبسي”.

وفي هذا الإطار، أصرّ الغنوشي مرة أخرى على تواصل التوافق مع السبسي، رغم الضغوط الكبيرة التي يسلطها الأخير على “النهضة” وإدخالها عنوة في مربع الاتهامات، التي دحضها الغنوشي، معتبراً أنها اتهامات سياسية ومحاكمات تلفزيونية وابتزاز للقضاء. وأكّد أنّ الأخير (القضاء) سيثبت ألا أساس لهذه الاتهامات، مهدداً بأنّ محاولة إقصاء “النهضة” من الانتخابات المقبلة قد تضرّ بالصورة الديمقراطية لتونس.

النهضة لن تقدم مرشحا للرئاسة

أما أهم رسائل الغنوشي للرئيس الباجي قايد السبسي الذي يدخل في صدام حاليا مع النهضة من جهة ورئيس الحكومة يوسف الشاهد من جهة ثانية، فقد طمأن الغنوشي كثيرين، ومن بينهم الرئيس السبسي ربما، بالإشارة إلى أن “لا طموحات لديه للانتخابات الرئاسية”، مؤكدا أنّ الأرجح هو دعم مرشح آخر، ما يعيد الحركة إلى موقع القوة وإلى دائرة المتحكّم في نتائج هذه الانتخابات، وهو ما تذهب إليه جهات كثيرة في “النهضة” وتفضّله على ترشيح عضو منها.

المصادر التونسية تؤكد أنّ خطاب الغنوشي عكس في الوقت نفسه، إعادة ترتيب الأوراق من جهة، وتخوفات من جهة أخرى، وأنّ وجود الحركة في موقع الوسط بين السبسي والشاهد في ضوء هذه المعركة الطاحنة بين الطرفين، “قد أضرّ بها كثيراً وجعلها مرتبكة بينهما في وقت حساس للغاية”.

وأشارت المصادر إلى “إمكانية إحداث تغييرات حقيقية إذا توضّحت نوايا الشاهد الحزبية، خصوصاً أنّ السبسي رغم كل الضغوطات التي سلطها على النهضة، ترك الباب مفتوحاً للعودة، بالإضافة إلى أنّ جهات دولية وإقليمية منزعجة من نتائج سقوط التوافق في تونس ونتائجه التي تسببت في ضبابية المشهد السياسي وعدم وضوح الرؤية”.

ولكن المصادر تساءلت عن شروط هذه العودة وضماناتها، وكيف يمكن أن تتواصل في ظلّ تراجع الثقة بين الطرفين؟ كما تساءلت عن توقيتها وشكلها بما يضمن كرامة الأطراف كافة.

أمريكا تدعم التوافق العلماني الإسلامي

في السياق ذاته، وبعد مضي ثماني سنوات من الثورة التونسية، تُطرح تساؤلات عن النظرة الأميركية لتونس وماذا تنوي القيام به خلال المرحلة المقبلة؟ السفير الأميركي الجديد في تونس دونالد بلوم، الذي حظي أخيراً بتزكية مجلس الشيوخ الأميركي، قدّم بعض الأجوبة على هذه التساؤلات، ففي رده على سؤال عن الأهداف التي سيعمل على تحقيقها في وظيفته الجديدة، أعلن أنه سيدعم التحالف العلماني الإسلامي الذي يستند إليه الائتلاف الحكومي التونسي الحالي. يعني ذلك أن الذين توقّعوا أن تغيّر إدارة دونالد ترامب موقفها من حركة “النهضة”، وتعطي الضوء الأخضر لتغيير المشهد السياسي التونسي بشكل جذري مثلما حصل في مصر، لم يصيبوا في تقديراتهم.

ولم يكتفِ السفير بلوم بالدعوة إلى دعم التحالف العلماني الإسلامي في تونس، وإنما اعتبر أيضاً أن التوترات التي تحصل بين الطرفين من حين إلى آخر هي جزء طبيعي من مسار الانتقال الديمقراطي، وأن ذلك لم يحل حتى الآن دون استمرار أطراف التحالف في العمل ضمن حكومة واحدة.

يُفهم من تصريحات السفير الأميركي أن واشنطن تلتقي مع وجهة نظر حركة “النهضة” حول أهمية الاستقرار الحكومي وصولاً إلى تنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في موعدها.

وبحسب الكاتب والمحلل السياسي التونسي صلاح الجورشي، فإن حركة “النهضة” تخوفت من الانقلاب الذي قام به ترامب على حركات الإسلام السياسي، واعتبارها عدواً لا يجب التهاون في محاربته، اعتقادا منه بأنه لا يوجد حزب إسلامي متطرف وآخر معتدل. وبما أن هذا الموقف يتطابق مع وجهة نظر دولة الإمارات بالخصوص، فقد تخوّف زعيم “النهضة” راشد الغنوشي من أن يؤدي ذلك إلى محاولة عزل حركته والعمل على تقزيمها والتحريض عليها، وقد يصل الأمر، حسب اعتقاد الغنوشي، إلى دعم خصومها في الداخل من أجل إخراجها من السلطة وربط مصيرها بمصير الجماعات السلفية التي تورطت في العنف والإرهاب.

وفي مسعى من قيادة “النهضة” لعدم حصول هذا السيناريو، كثّف الغنوشي وبعض قيادات الحركة من زياراتهم إلى الولايات المتحدة، والاتصال ببعض اللوبيات المؤثرة في البيت الأبيض والخارجية والكونجرس، من أجل إقناع صانعي القرار هناك بأن “النهضة” ملتزمة بالديمقراطية وبدعم الاستقرار في تونس، وحريصة على التعاون والتوافق مع العلمانيين الذين تثق فيهم الإدارة الأميركية، وفي مقدمتهم الرئيس الباجي قائد السبسي. ويمكن القول إن الحركة نجحت إلى حد ما في مسعاها، وتجنّبت بذلك الدخول في خلافات حادة مع واشنطن.

رابط دائم